الخميس ، 20 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / ما أسعد النهضة بخصومها

ما أسعد النهضة بخصومها

نور الدين الغيلوفي

قاسية كانت هذه الثورة.. حفرت فينا عميقا فكشفت عن خراب مستحكَم في النفوس واعتلال ضارب في الأخلاق وفساد ينخر في الأفكار…
ما دمت تخالفني فأنت عدوّي اللدود.. لا أقبل المناقشة ولا المنافسة ولا أرضى بقواعد اللَعِبِ.. أنا ألعب وحدي.. أبذل وسعي، ولا آلو، في الكيد لك من أجل تحطيمك وأفتّش عن كلّ مناسبة لأعدمك من أجل أن أكون أنا وحدي…
أنا.. ومن بعدي الطوفان.. وحتّى أكون أنا لا بدّ من استئصال سواي.. فالكون لا يتّسع لغيري.. أشنّ حربي على من خالفني ثمّ يأتي دور من حافلني لينال حظّه من حربي.. فإذا ما خلت لي البلاد وانساق لي العباد فكّرت في الرخاء و تصدّيتُ لمنازلة الأعداء بحثا عن الاستقلال الوطني والرخاء الاجتماعي… ثمّ مضيت في الارض فاتحا…

•••

كان الاستبداد متحكّما في الكلّ.. وكنّا نرضى أن نتنفّس من قصبة سلكتنا فيها الدولة توزّع بيننا أرزاقنا من الأنفاس بغير سويّة ولا تُسأل عمّا تفعل.. وكنّا قابعين كلًّا في الركن الذي قُدّرَ له.. غير قانعين.. نتعاطف إشارةً.. ونتحاور همسا.. وهمّنا توسعة قَصبة الأنفاس مخافة الاختناق.. كم كنّا منسجمين نتقاسم رزقنا المباح ولا ندّخر لنا جهدا في الحلم…

•••

وانفجرت الثورة فكشفتنا لنا.. وبدَوْنَا على غير ما كنّا نتوهّم وظهرت علينا تجاعيد لم نكن نراها وأمسكنا بالمعاول يحطّم بعضنا بعضا.. تركنا كلّ ما جمعناه من مدّخراتنا من الحُلْم عند أوّل ريح لتذروَها نكاية بأنفسنا.. ورضي بعضنا بالنوم في جيش العدوّ حتى يفقأ عيونا كان يستعين بها على البصر.. وتداولنا أفانين العداوات واحتال بعصنا لإفشال الحلم لأنّ اللعب الجديد لم يواته.. وبدل أن نقف أمام المرآة لننظر في عيوبنا ونراجع أفكارَنا وننقد أداءنا ونتنافس في خدمة الوطن كسرناها وولّينا الأدبار بحثا عمّا تبقّى من معاول الاستبداد ليضرب بعضنا بعضا…

•••

وكان الكذب على المخالفين من تلك المعاول المستعادة.. يكذب بعضنا على بعض لتشويهه من أجل سحقه.. كذلك ارتأى أن يفعل خصوم النهضة بها.. لمّا عجزوا عن مطاولتها لدى الشعب ولاحظوا فقر ما تأتي به صناديقهم استنفروا الأكاذيب أسلحةً لمغالبتها.. فلا شيؤ غير الأكاذيب يعينهم في السباق…

•••

يظنّ هؤلاء أنّ الأخلاق هي الرصيد الأوفر لدى منتسبي النهضة من بين جملة أرصدتهم بمقتضى مرجعيتهم الدينية التي تمنعهم من الكذب والسرقة ومن جميع أشكال الغش التي إن نجحوا في الانتفاع بها في الحياة لن يفلتوا من العقاب عليها في ما بعدها.. وإذن فقد أرادوا سَلْبَهُمْ ذاك الرصيد بالكذب عليهم.. متناسين درسا تعلّموه أطفالًا: حبل الكذب قصير..
الكذبُ وما أدراك ما الكذب..
واشتغلت ما كينة لا تتوقّف عن الدوران…
هذا القيادي بنى مصحّة بالكاف..
وذلك انتهب أرضا من جهة لا يعلمها أحد غير وُضّاع الأخبار اختصاص إنتاج العنب الأحمر..
وثالث استولى على “يخت” يكتريه للسياح عبر بحار العالَم..
ورابع اقتنى محطّة بنزين وهو في طريقه إلى حفر بئر بترول في فينزويلّا ليتحكّم في أسعار النفط العالميّة.. والدليل على ذلك أزمة البنزين في بعض جهات الجنوب التونسيّ… وخامس.. وسادس.. وسابع.. وثامن.. إلى آخرهم… فكُلّهم سواسية كأسنان المشط في السرقة.. كأنّهم أبناء لصٍّ…
ويروج من الأخبار ما يفيد أنّ كلّ عناصر النهضة باعوا تاريخهم النضاليّ ومُدَّخَراتهم من الأخلاق وقبضوا تعويضات خرافيّة لمّا استولوا على الحكم الذي بلغوه عبر الانتخابات سنة 2011…

•••

وُضَّاعُ الأخبار هؤلاء يكذبون كذبا مفضوحا لأنّهم يحتقرون الناس لاعتقادهم في وعيهم البقريّ.. فيدفعون إليهم بأخبار من قبيل ذاك العلف الرديء.. كأنهم أبقار مِن سَقْطِ المتاع.. وهم إنّما يحتقرون الناس لأنهم لا يعرفونهم ولا يختلطون بهم.. يتنزّلون عليهم بأكاذيب تعكس استعلاءً فجًّا كما لو كانوا يصدرون عن قناعة راسخة بأنّ هؤلاء الناس لا عقول لهم ولا مشاعر لديهم.. وقصارى ما ينفعلون به أن يصدّقوا ما يسمعون…

•••

ولكنّ هؤلاء هم الأغبياء في الحقيقة.. ومن فرط غبائهم فهم يحصدون من حقولهم في بيدر النهضة التي لولاهم ما كان لها مثل هذا الحضور…
النهضة حزب سياسيّ متوسّط الأداء محدود القدرة على الإقناع.. كثير من قادته ينتمون إلى الماضي قد استهلكتهم المحنة و أفرغتهم من الكفايات..
ولكنّه حزب محظوظ.. رُزق خصوما حمقى ينصرونه بالكذب عليه..
يحملون أسلحة تُطلق للخلف ويرقصون مثل الدِّبَبَة…

شاهد أيضاً

الجيلاني يقوم بالحركات الإحمائيّة

صالح التيزاوي مع عودة التّلاميذ والطّلبة والأساتذة إلى المدارس والمعاهد والجامعات تذكّر السّيّد الجيلاني الهمامي ...

اترك رد