الجمعة ، 21 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / مشروع قانون الإرث وسبل مقاومته

مشروع قانون الإرث وسبل مقاومته

نزار يعرب المرزوقي

مقدمة
قدم رئيس الجمهورية مقترحه بخصوص الميراث وتوزيع التركة في ثلاث صيغ لا مجال لتحليلها تفصيليا ما لم يكتمل رقن الخطاب كاملا. التركيز سينصب على محاور مكملة للتي طرحت في النصين السابقين وتعرضت لمسألتي المغالطات في المساواة والأسس الحزبية في الجمهوريات الحديثة.
الطرح الحالي يتعلق بفرضية الحفاظ على المشترك في هذه الصيغ دون تغيير منزلته من القانون الحالي ومضمونه ويقدم مقاربة سياسية حزبية تليها لمحة تاريخية ونظرية لثنائية الديني في مقابل المدني لاستخلاص بعض الأطر التي قد تكون مفيدة عمليا ومن ثمة نعتبر معطيات التوازنات السياسية العددية لتحديد النتائج المحتملة بناء على المواقف المعلنة من المبادرة وما تفتحه من مجال لخطط المقاومة.
ونختم النص بتعريج خفيف على الخطاب في انتظار التحليل الدقيق الخاص بعلاقته مع الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية تمهيدا للنص المقبل الذي يتساءل في ظل الكم الهائل من الزلات والهفوات عن النية الفعلية منه.

في المقاربة السياسية الحزبية
الإشكال المطروح لا يصبح حزبيا بشرعية وطنية إلا بقدر تمثيل الأحزاب السياسية لخيارات الدولة القيمية ولخيارات المواطنين لأنفسهم ولدولتهم ولعلاقتهم بها وليس من منطلق رؤيتها الذاتية.
لذا وطنية الاحزاب تقتضي بأن ترفض المقترح كما هو بصرف النظر عن توجهاتها الذاتية أو أن تقبله مع الإقرار بشروطه وتبعاته.
فوطنية الأحزاب الرافضة للمقترح تقتضي التوضيح بأن الرفض يتجاوز المنطلقات الحزبية الشرعية الممثلة لقاعدتها الانتخابية وأن أصله حرصها على احترام الدستور والمحافظة على الوحدة الوطنية مع اعتبارها لخيارات قاعدتها الحزبية.
ووطنية الاحزاب القابلة له مبدئيا من منطلق نظري ولا نشك في وطنيتها تقتضي رفضها للمقترح كما هو والمطالبة بتغييره بشكل يحفظ حق من تمثله سياسيا أو عقائديا على أن تقوم بواجبها التوعوي لقاعدتها الإنتخابية بتوضيح خطورة تمريره على شاكلته الحالية بالاضافة إلى عدم جدوى هذه المبالغة والمغالبة مع محافظتها على تمثيلتها الشرعية لمناصريها. علما وأنه من حق بعض الأحزاب المطالبة بعلمانية الدولة ولكن لا يحق لهم نكران ماهي عليه الآن والعمل وكأنها بالواقع وبالواجب ما يدعون إليه. وهنا ننتقل إلى مستوى آخر لا مجال لتحليله هنا: علاقة الأحزاب بالدولة.

في دينية المدنية العلمانية
كما أن الإشكال المطروح ليس دينيا بإطلاق وإن أراد البعض من الرافضين للمقترح إضفاء الصبغة الدينية عليه وهذا حقهم في إطار مطالبتهم باحترام الدولة لالتزاماتها الدستورية بخصوص منظومتها القيمية ولما اتفق عليه بإجماع تأسيسيا ولواجب احترامها لمعتقدهم. ولكن عليهم أن يقروا بأن معتقدهم أساسا يحتم عليهم احترام المعتقدات الأخرى ووجوب الإعتراف بها في إطار الدولة الجامعة والمعترفة بكل مواطنيها ومن الخطأ أن يحولوا ما له صبغة دينية إلى ما لا يحمل إلا الصبغة الدينية.
لعل هذا هو تفسير مسألة ” أولا يعني يلزم نغيرو أحكام مجلة الأحوال الشخصية لان احنا معناشي راهو علاقة بحكاية الدين ولا بحكاية القرآن ولا بحاكية الآيات القرآنية احنا عنا التعامل مع الدستور الي احكامو آمرة كما قلنا ونحن في دولة مّدنية والقول هو أن المرجعية متاع الدولة التونسية هي مرجعية دينية خطأ وخطأ فاحش.”، فبصرف النظر عن الصيغة الإلزامية المتعلقة بتغيير القوانين التي سيأتي نقاشها ضمن التحليل الكامل لنص الخطاب، ولست أدافع عن قائلها فإنه قد وقع في الخلط بين ما هو غير إسلامي (كدين) بإطلاق إلى إطلاق ما هو غير إسلامي (كدين) في زلة ما أظنها واعية تطلق أو يريدها البعض أن تطلق المعتقد العلماني تحت غطاء مدني.
فالمعتقدات منها الإلاهي المنزل ومنها الانساني الوضعي كذلك وحتى العلمانية التي يتحدث عنها أصحابها ما هي إلا تعويض للكنيسة المسيحية ولتمثيل الملك للرب بكنيسة ربها الكائن الأسمى. هكذا أسست منذ الجمهورية الأولى في فرنسا مقتصرة على ذكر ربها ولم يعلن عن حقيقتها صراحة إلا في دستور الجمهوريتين الرابعة والخامسة مع بداية التمهيد لها من الجمهورية الثالثة بقانون 1905. ومن هنا تأتي مقابلة العلمانيين التونسيين المغلوطة أو المقصورة على نسختها اليعقوبية بين الديني والمدني الذي مثل في فرنسا حلا وسطا بين دينين أحدهما منزل والآخر وضعي استقر في ظل عدم موافقة الفاتيكان بالاعتراف بالكنيسة بالشرعية الجديدة مع نفي شرعية الملك الإلاهية فأحدثت كنيسة فرنسية أخرى ووصل الأمر إلى أحداث شرعية دينية وضعية مع إبادة كل المعارضين للأخيرة وإن قبلوا بالتي سبقتها. وحتى هذا لم يجد نفعا ويكفي أن نتابع محاور النقاشات الفلسفية الحالية المتعلقة بالفلسفة السياسية وأسس الدولة الفرنسية لنرى أن الرؤية التسلطية بقوة الدولة والقانون هي محل مراجعة جذرية.
المغالاة لا تجلب إلا الويلات.
ولا يمكن أن نحافظ على دولة وشرعية بالخداع فضلا عن فرضها بالقوة والإستقواء بالخارج.
لنصارح بعضنا البعض ولنصل لحلول وطنية تعتبر كل المواطنين وتحفظ حقوقهم شرط احترامهم لواجباتهم.

في مدنية المقاربة القيمية
الإشكال متعلق أساسا بالدستور وما حدده من منظومة قيمية للدولة وبالمنزلة التشريعية لهذه المنظومة وبالإجراءات التشريعية والقانونية المحترمة لها مع الاخذ بالسوابق التشريعية الأهلية. ولن أتحدث عن المنظومات الوافدة والمسماة كونية لأن المحاججات المعتمدة عليها تقتصر على قراءات أهوائية تعسفية وتأويلات الإجتزائية ولأنه لم يصادق عليها فصلا فصلا من المجلس التأسيسي وإنما ذكرت إجماليا ولم يساهم في صياغتها ممثلون شرعيون منتخبون مباشرة أو بطريقة غير مباشرة من الشعب. وسيأتي دور الحديث فيها تفصيليا من نسختها الدعية الأولى الفرنسية المشوهة لوثيقة الإستقلال الأمريكية الأكثر عقلانية وصولا إلى نسخها الأممية وحتى الأوروبية التي تسمح لنفسها بالتدخل الاستعماري في السيادات الوطنية للدول غير المنضوية في منظومتها لا السياسية ولا الاقتصادية ولا الجمركية.
وفي قضيتنا الراهنة اتهام أحد الفريقين للآخر بمحاولته تغيير شرع الله أو التعدي على القرآن باطل. وحجة الفريق الثاني قوية عندما يقولون بأنهم ليسوا بصدد تعديل الأحكام القرآنية أو الشرعية وإنما هم بصدد تعديل قوانين وضعية.
كما اتهام الثاني للأول بمحاولة النكوص بنا من الدولة المدنية إلى الدولة الدينية مغالطة كبرى عمادها تبني التجربة الفرنسية ونكران التجربة السياسية في الحضارة العربية الإسلامية السنية التي لا وجود فيها لدولة دينية لا واجبا من حيث نظرية الدولة فيها ولا واقعا لغياب كنيسة في الإسلام أو أي تمثيلية لله في الأرض مؤسسية كانت أم شخصية. وحتى الدولة في صدر الإسلام بإشراف نبيه الخاتم والتي تميزت عاصمتها السياسية عن عاصمتها الروحية محافظة على وظيفة الثانية حتى بعد فتحها وغير مدعية لها هذه الوظيفة قبل فتحها ومغيرة اسم الثانية منذ إعلان الدولة لتصبح المدنية مع تثبيتها بوثيقة يمكن اعتبارها دستورية مدنية من حيث الوظيفة وطبيعة الدولة والمكان ومنفصلة عن النص القرآني والوحي الإلاهي. وليس هذا حال بعض الدول لا العلمانية الحالية بشتى أنواعها جمهورية أم ملكية دستورية عنصرية أم إنسانية ولا حتى الكائنات الاستعمارية العنصرية دستوريا والمدعية لنفسها الطابع العلماني المدني بأغطية مختلفة.

في أطر النقاش المجدية
وقد يكون النقاش مجديا لبلوغ حلول توافقية عندما يتعلق بعلاقة القوانين الوضعية بالقوانين الإلاهية في إطار الجمهورية التونسية أما التركيز على إحداهما وحسب فهو مصادرة على المطلوب سهل إسقاطها بمقابلة مغلوطة يراد ترسيخها للمدني كضديد للديني.
وهذا ما يريد فعله بعض الداعمين للمقترح في صيغته المعلنة الحالية أساسا لأنه سيفتح لهم الطريق نهائيا لعلمنة الدولة وبل وجعلها يعقوبية وما المقترح إلا مجرد تفصيل ومرحلة في إطار خطة مدروسة متجددة متواصلة من أطراف أجنبية. وإن كنت أنزه من تقدم به رسميا ولكن ميولات من اقترحه والدعم الخارجي المفرط من مؤسسات رسمية دولية أو أممية يشير إلى يد خارجية بالإضافة إلى تواصل من اقترحه على من قدمه مع السفارات الأجنبية دون موجب حق في خرق للسيادة الوطنية من لجنة كلفتها جهة سيادية.
وبالرغم من كل ما سبق فبإمكان الفريق الرافض أن يبحث عن الثغرات القانونية والإجرائية في المقترح المزمع تقديمه بطرح الاشكالات الحقيقية في إطار الجمهورية ومنظومتها القيمية وسوابقها القانونية.

في الإجراء الواقعي
مرور المقترح كما هو إلى مجلس نواب الشعب في الظروف الحالية يعني أن احتمالات المصادقة عليه قد تكون كبيرة بالمعطيات العددية للتوازنات الحزبية وبالاعتماد على المواقف المعلنة منه حتى لو رفضته كتل النواب الذين أعلنوا عدم قبوله بصرف النظر عن المشاكل الجوهرية الخطيرة المتأتية من المصادقة عليه من تلاعب بالسلم الإجتماعية وتذبذب في المؤسسات والمراجع.
وحتى لو مرر القانون فليس بمقدور الفريق الداعم له التنصيص على عدم إمكانية تغييره من جديد وستصبح أكثر الامور جدية وخطورة في الاستقرار المدني محل نقاش انتخابي متواصل في بعديه المركزي الوطني والمحلي التشاركي ولن نخرج من نقاش مسائل مصيرية ظننا الدستور قد حسمها وأنها أرضية علاج للتحديات العادية في كل دولة من أولوياتها الأمور الاقتصادية والمالية والتربوية والاجتماعية والصحية.
وما يزيد خطورة الوضع إضافة معركة جانبية قد تعصف بالوحدة الوطنية جوهرها المناكفة وتصادم الصلوحيات المركزية والصلوحيات المحلية.
إذ عندما تصبح المسألة مسألة استقواء وتذاكي فللكل حيله وندخل في منطق السن بالسن والعين بالعين والبادئ أظلم.
وعليه فالأقرب للحكمة تعديل المقترح ليصبح وطنيا لا مجرد املاءات استعمارية وعكس منزلته في القانون وعلاقته بالقانون الحالي مع إعتبار كامل منصوص عليه بوضوح لمواطنينا ذوي المعتقد اليهودي أو المسيحي ولأصحاب المعتقد العلماني وهذا عين العدل والمساواة في المواطنة ويتناسق تماما مع المنظومة القيمية للدولة شرط عدم الرضوخ لمن يريد فرض معتقده العلماني على المنظومة القيمية للدولة التي تتجاوز منظومات المواطنين بما يتعالى عليها موضوعيا ويسمح بجمعها والتنسيق بينها سلميا للمحافظة على الوحدة الوطنية والسلم الإجتماعية.
وهي منظومة اختارتها الدولة مرتين بإجماع وبكل حرية وسيادة على مدى ستة عقود في إطار جمهورية الإستقلال أولا ودعمتها بتجديد اختيارها والمحافظة عليها وحمايتها من كل تغيير في إطار جمهورية الحرية والكرامة ثانيا.

في حلول المقاومة الوطنية
ولهذا من المفيد مواصلة الضغط الشعبي لتغيير المقترح وطلب الاستفتاء عليه مع البحث في سبل مساءلة صاحبه ومساءلة شرعيته إن أصر على تمريره على الشاكلة التي أعلنها بالاضافة إلى المثابرة في الضغط وتكثيفه والمطالبة بإعادة طرح الموضوع كأحد المحاور الأساسية في الانتخابات القادمة: الرئاسية والتشريعية.
وليتحمل المغالون المغالبون ومن هم بالإحتلال مستقوون ومعهم المسؤول الأول على الدولة والدستور باعترافه وغير المسؤول عن علاقة الدستور بالقوانين لا دستوريا ولا حتى علميا من حيث تخصصه القانوني المدني ناهيك عن أهليته للإجتهاد في المسائل الفقهية ولا شرعيا من حيث ما من أجله انتخبه الشعب ليتحملوا جميعا مسؤولياتهم في ما تؤول إليه الأمور.

تعريح على خطاب الرئيس
وبعجالة وفي كلمة أخيرة لرئيس الجمهورية تسبق نصا تفصيليا لخطابه وتعقيبا على قوله في “إن موضوع الإرث هو من أمور البشر التي تركها الله سبحانه وتعالى ورسوله الأكرم لاجتهاد العباد واحنا اجتهدنا توة الآن”:
من طلبت منهم تقريرا ليسوا مخولين لا علميا (اختصاصا وكفاءة) ولا تمثيليا للقيام بما تسميه اجتهادا. وفي ما يتعلق بشخصك الكريم فلست مخولا للقيام بما تسميه اجتهادا في إطار وظيفتك وأما دينك فأنت حر في ممارسته كما يبدو لك وحر في فهمه كما تشاء. ولكن دين الدولة فلا، فضلا عن دين أغلبية الشعب الساحقة. فالزمن الذي يكون فيه دين الدولة على دين حاكمها قد ولى وانقضى فلا نحن في روما ولا في فرنسا.
لو عكست لأصبت فبنص الدستور التونسي دين الرئيس من دين الدولة وليس العكس.

شاهد أيضاً

تفتت “الحراك” أو ماراتون الجيش المكسيكي

أبو يعرب المرزوقي ترددت كثيرا قبل قرار الكتابة في آخر حدث يمر به حزب المرزوقي. ...

اترك رد