الخميس , 15 نوفمبر 2018
الرئيسية / مقالات / الشعب مسلم،،، ولكن الدولة غير مدنيّة (2)

الشعب مسلم،،، ولكن الدولة غير مدنيّة (2)

زهير إسماعيل
في تحرير الإسلام
توقفتُ في خاتمة النص السابق عند فكرة العلمانية، وقد ذكرتها في سياقين: سياق سياسي كانت سمته مواجهة الاستبداد وقد أرادها بن علي مواجهة مع الاسلاميين وقد ساعدوه في جانب من “أدائهم” على ما أراد. وفي وطيس المعركة التي عمّت الناس وخصّٰتهم كان ينجح، من حين لآخر، في استعارة “الخطاب الحداثي” وجرّٰهم إلى الاتكاء على “الخطاب الشريعي”.
والحرب في جوهرها صورة، وكانت المواجهة على مدى عشريتين قلقة بين صورتين: صراع: استبداد/حريّة، وصراع : اسلاميين/نظام علماني حداثي. وكان هذا التوتر محكوما بأداء المتواجهين، ومثلما ساعدت مواقف بعض “الحداثيين” من النخبة التونسية المنخرطة في الصراع إلى جانب بن علي على تغليب الصورة الثانية كان لمواقف بعض المنظمات الحقوقية العالمية دور في إظهار البعد الحقوقي والإنساني رغم أنّٰ مثل هذه المنظمات لا ترتاح إلى “الإسلاميين ومرجعيتهم” ولكنها مستعدة للدفاع عنهم باعتبارهم موضوعا “حقوقيا إنسانيا”. ومرة أخرى كان “الخطاب الشريعي” عائقا دونهم وفهم حقيقة المواجهة. وكان عائقا دون سلب نظام بن علي “عنوان المعركة الذي يشهره”. فَلَو قيل يومها إنّ نظام بن علي نظام شمولي لا يختلف في شيء عن الأنظمة الشمولية العقدية والدينية وأنّ العلمانية (التي لِن تعني سوى الحرية) بما هي رفع الدولة يدها عن عقائد الناس والتدخل في خصوصياتهم واحتكارها تمثيل الاسلام (حامي الحمى والدين) مطلب قوى التغيير، لكُسب نصف المعركة. أمّا لو كانت الخطوة أبعد، والقرب من روح القرآن وثورته الدائمة أشد، فإنّ أثر المواجهة سيتواصل بعد الثورة ولا نحتاج إلى الانخراط في “استقطاب هووي” أشد من الذي كان في مرحلة الاستبداد.
وكانت حركة 18 أكتوبر 2005 تحوّٰلا مهما في مواجهة الاستبداد، واتسعت رقعة الاستبداد لتطول كل قوى الحركة الحقوقية والسياسية سببا أساسيا في تجاوز الفرز على قاعدة الإيديولوجيا إلى فرز على قاعدة الحرية. وكان لحركة 18 أكتوبر مثيلاتها في المجال العربي: ربيع دمشق، حركة كفاية بمصر، الحراك الجنوبي باليمن.. ومن الملاحظ أنّٰ الأقطار التي عرفت الربيع هي التي عرفت هذا التحول المتقدم في الفرز (من الإيديولوجيا إلى الحرية). وقد ذهب البعض -تعليقا على انتخابات 23 أكتوبر التأسيسية- إلى أنّٰ الشعب اختار 18 أكتوبر (الترويكا: كانت من مكونات 18 أكتوبر)، ولكنه عاقب مكونا من يمينها تشبه بنظام بن علي، واقترح تنقيحا للدستور القديم بدل التأسيس (الشابي وحزبه الـ PDP)، ومكونا من يسارها انخرط بقوة في الاستقطاب الإيديولوجي (حزب العمال وجانب من التيار القومي).
ولكن الذي يعنينا من حركة 18 أكتوبر ما تبلور من وثائق مهمة حول المرأة والدولة والإسلام والحريّات الفردية والجماعية. وبالانتباه إلى مضمون هذه الوثائق يلاحظ بيسر “مطلب علمانية الدولة” (بمعنى من معاني العلمانية) وإن لم تنطق به. وكان منطق التراكم يقتضي الانطلاق منها، بعد الثورة، ولو كان ذلك لكنّا أمام مسار تأسيسي آخر، ومشهد سياسي مغاير ووضع اقتصادي اجتماعي مختلف. ولكنّ الفاعلين من المحسوبين على الجديد اختاروا خلاف ذلك. وارتدّ النقاش بمناسبة التقرير وقبله، إلى ما دون وثائق 18 أكتوبر.
المواجهة بين النظام والإسلاميين مثلما احتجزت الإسلام رهينة بينهما في المرحلتين البورقيبية وحكم بن علي، كان لها بالغ الأثر على قضايا الفكر والسياسة الكبرى.
بورقيبة واجه الإسلاميين، ليس لأنهم إسلاميون، وإنّٰما لأنّهم قدموا “قراءة للإسلام” من خارج قراءة الدولة التي كانت تعتبر نفسها ناطقا رسميا باسمه، وعلى عكس ما قيل من عداء بورقيبة للإسلام يثبت الفصل الأول من دستور 59 رغبته في تمثيل الإسلام ومنع استثماره من أي جهة كانت، فلم يكن أمامه إلاّ سجنه في الدولة من خلال الفصل الأول. وشبيه بهذا ما فعله اتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، غير أنّٰ خطوته كانت أبعد حين مزج بين الدين والقومية تحت تأثير فكر “الاتحاد والترقي”. ومن مألوف المؤسسين ألاّ يتركوا المعاني الكبرى كالدين والقومية في متناول الجميع ويعمدون إلى صهرها في “مشاريعهم التأسيسية”.
والذي كان في تونس هو مواجهة بين “دين الدولة” و”دين الجماعة” وبقي “دين الشعب” على حاله رغم أنّٰ كلا منهما يدعي تمثيله، واليوم يلتقيان عند “دين الشعب” مع تذكيرهم باعتداله وسماحته وجذوره الضاربة في حركة الإصلاح التونسية منذ خير الدين. والأهم من كل هذا “التوافق” على مواصلة سجن الدين في الدولة من خلال الاحتفاظ بالفصل الأول من دستور 59 ليكون الفصل الأول من دستور الثورة 27 جانفي 2014.
الدين في الفترة البورقيبية وما بعدها صار مكونا من مكونات شرعية الدولة، وهي تقاتل الصياغات الخارجة عن صياغتها بشراسة ليس لذاته وإنّٰما للسبب الذي ذكرنا وهكذا هي السلطة في علاقتها بالمقدس وبمقومات القوة والسلطة وهكذا هي استراتيجيتها في محاربة القوى المهدِّدة. ولو أمكن لليسار أن يبني حالة اجتماعية وسياسية مؤذنة بتغيير في ميزان القوى لحورب من قبل دولة بورقيبة باسم الإسلام ولاعتُبر خصما للدين وشريعته. مثلما وُصِم الإسلاميون بمحاربة التقدم ومناهضة الحداثة والذكاء الإنساني.
كتبت مقالا، في هذا المعنى سنة 2009، بعنوان “في تحرير الإسلام” ( الجزيرة نت) ومن ضمن ما ورد فيه أنّٰ هناك اتجاها عاما في المجال السياسي العربي إلى تحرير الإسلام من الإسلاميين والعروبة من القوميين والعدل من الاشتراكيين والحرية من الليبراليين، وهو ما يعني أنّٰ قيم الإسلام والعدل والعروبة والحرية صارت معاني مشتركة ولم يعد بإمكان هذه العائلة السياسية الفكرية أو تلك تجعل من هذه القيمة أو تلك “أصلا تجاريا” لها دون سواها. هذا المشترك أثّر على هوية الأحزاب، بعد الثورة، خاصة في أنّٰها تخرج من “العقدي” إلى “السياسي”، ونعتبر هذا من مستويات العلمنة التي يعرفها المجتمع. ومن الملاحظ أنّٰ نسق تعلمن المجتمع أسرع مما هو عليه في الدولة. ونعتبر أنّٰ تحرير الدين من الدولة سيكون خطوة مهمة في هذا الاتجاه، ومثلما لم يعد من معنى لوزارة الإعلام، سيُصبِح لا معنى لوزارة الشؤون الثقافية ولا معنى لوزارة الشؤون الدينية. فالدين والثقافة للمجتمع وهو كفيل بتنظيمها وفق مؤسساته وتنظيماته المحلية. وفيما يتعلق بالدِّين يمكن تنظيمه محليا فتصبح المساجد من مؤسسات الحكم المحلي والديمقراطية المباشرة ، ويختار المصلون أئمتهم وطرق تنظيم مساجدهم، وللعلماء والمختصين أن يبعثوا المجامع العلمية التي لها أن تجتهد وفق شروط علمية مرعية دون أن يكون اجتهادها ملزما ويكون الأخذ به طوعيا. وكذلك شأن مؤسسة الإفتاء أن تتحرر من الدولة، وبذلك يكثر التأليف في العلوم الشرعية وفي تجديد الدين… والأمر نفسه في الثقافة ولم لا حتى في الرياضة. وقد يعترض البعض على هذا “التحرير” بالخشية من أن يكون رفع الدولة ليدها عن المساجد والشأن الديني أن تصبح المساجد فضاء للفكر التكفيري وجماعات الارهاب، وينسى هؤلاء أنّٰ الذي حمى المساجد في فترة ارتخاء يد الدولة من التكفيريين ليس الدولة وانما جماهير المصلين، ومع ذلك يمكن الجمع بين المقاربتين وتعزز كل ذلك بقانون للمساجد يصوغه روادها يضبط دورها وعلاقتها بالحياة السياسية خاصة.
هذا مستوى من العلمنة السياسية مهما (قياسا إلى الدولة)، سنتوقع فيه في النص القادم متوقفين عند صنفين من العلمانية: “علمانية مسيحية ” هي العلمانية الحديثة (تتوتر بين الجزئية والشاملة) وهي سليلة الإصلاح الديني والفلسفي في القرن السابع عشر، و”علمانية إسلامية” (لا نجد تسمية أخرى ويقترح الفيلسوف طه عبد الرحمان مصطلح الأئتمانية)، وهي سليلة الإصلاح المحمّٰدي (سنقف عند العلاقة بين الإصلاحيين). فإذا كانت العلمانية المسيحية نتيجة للتمييز أو الفصل بين الديني والسياسي، فإنّ “العلمانية” الإسلامية نتيجة أحد أهم مبدئين للإصلاح المحمدي وهما: نفي الوسيط، وتحرير المعنى: الدين هو ما يفهمه الناس من الدين. وهو ما يعني ارتفاع ثنائية الديني /السياسي، ولا يبقى غير السياسي (أي فهم الدين، أي التاريخي، والبشري) وهو ما يعني أيضا أنّٰ الدولة الدينية كما ظهرت في أوروبا في العصر الوسيط والأطوار التي مرت بها (أيضا جانب مهم من تجربة الدولة في تاريخ المسلمين) هو انحراف عن الإصلاح المحمدي (أي “العلمانية” الإسلامية).

شاهد أيضاً

هزيمة الباجي… مرور الشاهد وتواصل الأزمة

زهير إسماعيل يمثّٰل التحوير الوزاري الأخير خاتمة لمرحلة أولى انطلقت مع نتائج انتخابات 2014، وهي ...

الشعب مسلم،،، ولكن الدولة ليست مدنيّة

زهير إسماعيل سنكتب تحت هذا العنوان سلسلة من النصوص حول ما يدور من جدل. وهو ...