الأحد , 18 نوفمبر 2018
الرئيسية / تدوينات تونسية / ليس دفاعا عن المرأة

ليس دفاعا عن المرأة

نضال السالمي
أكتب هذا النصّ لشرح موقفي آعتراضا على جموع الحداثيّين والتقدميّين -دجّالي العصر- الذين يعتقدون أنّهم المدافعين الأساسيّين عن المرأة وحقوقها.. وأعتقد بالمقابل أنّه لم يحدث عدوان أشدّ وأمكر طيلة التاريخ على المرأة أكثر من وحوش الشعوذة أولئك.
لقد وقع تحرير المرأة طيلة عقود من تسلّط الزوج وقسوته، من جبروت العائلة، من حدود الدّين، من سجون البيت، من قيم العفّة والحياء.. طيّب.. إنجاز عظيم.. لكن مهلا مهلا..
المرأة اليوم تملأ المصانع والإدارات.. تنتج وتجتهد أكثر من الرجال.. وتشكّل الدّعامة الأهمّ لبنيان الرأسماليّة (اليسار هههههه)
المرأة لم تتخلّى عن هموم الحمل والإنجاب (لا يمكن لها المساواة مع الرجل في هذا للأسف).. وبالتالي إزدادت متاعبها طبعا بآعتبار العمل المرهق دوما..
المرأة وقع إخراجها من المنزل إلى الشارع والأماكن العامة حيث تتعرّض يوميّا لأتعس حالات التحرّش والإغتصاب والعنف اللفظي والمادي..
المرأة تملك أموالا بسبب عملها يذهب أغلبها لزوجها، حبيبها، إخوتها الذكور، أبنائها.. إلخ..
أعرف رجالا من أعظم الحداثيين في العالم يستولون على كلّ أموال زوجاتهم وحبيباتهم إمّا عنفا أو عبر التحيّل العاطفي..
كلّ المعاهد التي عملتُ بها تشهد حالات لأمراض نفسية كبيرة تعاني منها النساء بسبب العمل وقسوة الرجال.. وأذكر ذات يوم أستاذة مصابة بمرض نفسي حادّ تطلّب إيقافها عن العمل ثمّ هاجمت يوما المعهد فأخذت تتنقّل المسكينة بين القاعات وتشتم الزملاء وتصرخ في حالة مأساويّة حقّا.. ممّا تطلّب منّا إخراج كل التلاميذ وإيقاف الدروس وآستدعاء الأمن ليأخذوها بالقوة إلى المستشفى.. كان يوما لا يُنسى..
تلك الأستاذة كمثال.. كانت الأولى في دراستها.. من أكثر الأساتذة كفاءةً.. لكنّ زوجها العنيف والماكر تسبّب لها بآنهيارات نفسية عديدة.. ثمّ تخلّى عنها بعد أن دمّر حياتها.
أعرف كمّا هائلا من النّساء اللّاتي -رغم ما يبدو عليهنّ من توازن- إلّا أنهنّ حريفات دائمات لدى الأطبّاء النفسيّين ويعشن على الأدوية وحبوب الأعصاب والنوم.
طيّب، ماذا نعني بتحرير المرأة ؟؟ بحقوق المرأة ؟؟
تاريخيّا إنطلقت هذه الحركة الهائلة مع الثورة الصناعية.. حين آكتسحت المصانع كل مكان وكانت الرأسمالية في حاجة سريعة لأكبر عدد ممكن من العمّال.. فأطلقت مثقّفيها يبشّرون المرأة بحلول عصر الحرية وتمّ في أروبا تغيير لجغرافيا كاملة من الوجود.. ظهرت حركة نزوح واسعة إلى المدن الصناعية الجديدة.. حدث تطوّر في الإنتاج.. وكان لزاما إخراج المرأة لحاجة الرأسمال لها.. يجب أن تشتغل 12 ساعة في اليوم.. ويجب أن تستهلك أقصى ما يمكن من البضائع.. ثمّ إن عباقرة الرأسمالية كانوا عارفين جدا أن المرأة هي الأكثر إنتاجيّة وآنضباطا في العمل عكس الرجل المتمرّد دوما.. وعارفين بقدرتها الهائلة على الإستهلاك وغرامها التاريخي بآقتناء ما يلزم وما لا يلزم… وهناك تحديدا نشأت مزبلة الحداثة.
إذن فإنّ الحداثة وشعارات تحرير المرأة كانت تعني تاريخيا أن يقع إخراجها من البيت إلى المصنع.. و لكم تخيّل ما حدث حينها من إنهاك مرعب للأنوثة.. ثمّ تطوّر الأمر كسلسلة بلا نهاية.. فقد آلتقط الفنّانون والأدباء والإعلاميون ذلك الخيط و وّروا المسألة وفرح الرجال بذلك دون شكّ.. وسأنقل لكم قولا صغيرا لرجل كبير في السنّ ركبت معه في التاكسي ذات يوم بالعاصمة وأعتبر كلامه العفوي تعبيرا كاملا عن الوضع العامّ.. إذ قال لي: “إييه، في أيامنا كان أن يحصل الرجل على جسد إمرأة يُعتبر عملا خارقا ونبقى نحسده لشهور.. لكنّي اليوم تقريبا أتعرّض لأكثر من محاولة إغراء من نساء يركبن معي في التاكسي.. لقد خرجنَ من المنازل ودخلنَ في اللعبة وصرنَ متوفّرات جدا”.
طيّب دعنا من هذا التّاكسيست.. ولنتحدّث دون أقنعة: لقد مثّلت الحداثة فخّا عظيما للنّساء تحديدا.. فلقد آستطاع الرجال أن يستدرجوا المرأة لتساعدهم في شؤون العمل دون أن يساعدوها في شؤون المنزل.. آستطاعوا أن يضمنوا لأنفسهم دخلا ماديّا إضافيّا وسهلا.. وأن يجدوا منفذا هائلا لغرائزهم فقد كانوا يهيمون حول البيوت ويتيهون في رحلات صيد جنسية فاشلة تدوم شهور وسنوات أما اليوم وبفضل تحرير المرأة فهم يحقّقون فائضا من المتعة..
طبعا، هذا يشرح حجم الخيانات وتعدد العشيقات الذي يتمتّع به الرجل.. وهنا يمكن العودة للقول أن ضحايا الحب الأبرز هنّ النساء وآسألوا مصحّات الطبّ النفسي وآقتربوا منهنّ فستجدون في قلب كلّ آمرأة مرارات عظيمة وشعور مأساوي بالخذلان.. ولستُ هنا أبرّئ المرأة فهي تتحمّل مسؤولية كبيرة في ذلك خاصة أنّي طيلة حياتي لم أرى إلا نادرا أنثى أحسنت آختيار حبيبها.. فالنساء كالفراشات يجدن متعة كبيرة في التّحليق حول النار.. حول الهاوية.. إنّهنّ كائنات بصريّة يقعن دوما في جحيم المظاهر.. لكن هذا ليس موضوعنا.
تقول النساء: “الرجال والزمان ما فيهمش أمان”.. وأنا أفهمها أن لا أمان في الحداثة.. إنها شيطان ماكر يقود الناس صوب عبودية المال والمظاهر والإستهلاك.. إنها تُفتّت كلّ القيم وتحرّضنا على التحرّر من كلّ التوازنات النفسية وأن نصير فقط أجسادا تشتغل.. تتناكح.. وتتسوّق.. وتتمظهر..
لقد أنقذوا المرأة من البيت وجبروت العائلة والزوج.. هذا رائع.. لكن من ينقذها اليوم من قضايا التحيل العاطفي باسم الحب.. من مكر الرجال.. من متاعب العمل.. من الإبتزاز المادي.. من انعدام الحنان والرفق بها.. من جحيم الطلاق.. من العمل خارج البيت وداخله وإعطاء كل مالها لزوج أو حبيب خائن ولعوب وقاسي..
من ينقذ المرأة من المصحات النفسية.. من حرب الأعصاب.. من إحساسها المرير أنها تضحّي بكلّ شيء ولا تجني إلا الخيبات.. من ينقذها من هاوية الزّنا حين تجد نفسها تنتقل من فراش حبيب إلى فراش حبيب آخر، كلّ واحد منهم يزيّن لها الحب والوفاء أكثر من سابقهِ ثمّ يتركونها فريسة للضياع وربما الخمر والإحساس المرير أنها فقدت عفّتها وبرائتها في مستنقع الحداثة الآسن.
أنتم عباقرة الحداثة والتقدمية ورافعي شعارات تحرير المرأة وحقوق المرأة.. أنتم المشعوذون والدجّالين وعصابات التخريب الثقافي والأخلاقي.. مرحى لكم.. مرحى لكم.. فقد وجدتم الطريق إلى ضعفها عارفين بحجم تأثّرها بالكلام البرّاق والكاذب.. فأخذتموها إلى هاوية بلا قرار.
في الحقيقة، أعترف للمرّة المليون أنّي الرجعي الكامل والأخير في زمن الطّغيان الحداثي.. ولستُ أنظر لهذه المسائل إطلاقا ضمن مناخاتها السياسية المليئة بالمزايدات والأكاذيب.. بل أنظر لمسألة الحقوق والحريات في صميم الحياة الحقيقية للناس.. ولستُ أرى أنّ النساء في حاجة اليوم -وفي بلدنا خاصة- للمزيد من الحريات.. لسنَ في حاجة لعنتريّات الرجال حول حقوقها.. بل أساسا هنّ في حاجة مستعجلة للحبّ والحنان والرّفق والتفهّم.. في حاجة لفرسان جدد ينقذونها من هذه المتاهة القاتمة ويأخذونها إلى آفاقٍ أخرى حيث الإنسان مسار طويل من الرحمة.. وحيث يكون الرجل جسرها الرائع إلى سعادة الدنيا والآخرة.

شاهد أيضاً

في يومي الأول كرئيس للجمهورية

نضال السالمي سأصدر أمرا بحلّ النقابات الأمنيّة.. فإذا آعترض الإعلام سأصدر أمرا بحلّ جميع المؤسسات ...

حفريات حول أصول الطغيان

نضال السالمي الطّاغية ليس ذاك الأبله الّذي يسكن قصور الرئاسة وينظر للشعب باحتقار ويكذب ويتوعّد ...