الخميس , 15 نوفمبر 2018

ذي المجاسد

سامي براهم
ورد في حوار على إحدى الإذاعات الخاصّة على لسان النّاطق باسم الجبهة الشّعبيّة الأستاذ حمّة الهمّامي حديث عن اعتماد قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين قبل الإسلام وتحديدا في قريش.
هناك إحالة في كتاب جواد علي “المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام” يمكن أن يكون قد اعتمد عليها، لكنها إن صحّت فهي لا تمثّل قاعدة تعامل بين العرب الذين لم يكونوا يورّثون النّساء،
يقول جواد علي محلّلا :
“وفي فقه الجاهلية أحكام كثيرة، وضعها مشرعون محترمون عند قومهم، وجرت عندهم مجرى القوانين. وقد نص أهل الأخبار عليها، كما نصوا على أسماء قائليها. وقد ذكروا بين تلك الأحكام أحكامًا أقرها وثبتها الإسلام ، مثل حكم “ذي المجاسد” وهو “عامر بن جشم بن غنم بن حبيب” في توريث البنات. فقد كانت العرب متّفقة على توريث البنين دون البنات، فورّث ذو المجاسد، وهو الذي قرر أن للذكر مثل حظ الأنثيين. وقد وافق حكمه حكم الإسلام”.
كما ذكره أحمد عبد الموجود في كتابه الشريعة الإسلاميّة الجزء السّابع وهو كتاب طريف يعرض تشريعات العرب قبل الإسلام ويبيّن حجم اقتباس التشريع الإسلامي من تشريعات العرب…
يبدو أنّ مصدر هذه الإحالات هو البلاذري في “أنساب الأشراف” في تعريفه بعامر بن جشم، من بني يشكر، حيث يقول: “هو ذو المجاسد، وكان أوّل من جعل للذّكر مثل حظ الأنثيين”.
كما ذكره ابن حزم في جمهرة أنساب العرب بقوله: “ومنهم: عامر بن جشم بن حبيب بن كعب بن يشكر، وعامر هذا هو ذو المجاسد؛ وهو أول من أعطى الذكر حظين والأنثى حظّا”.
والدّارقطني في كتاب “المؤتلف والمختلف” حيث يقول: “عامر ذو المجاسد بن جُشم بن حُبيب بن كعب بن يشكر، وإنّما لقب بذي المجاسد: لأنّه أول من صبغ ثيابه بالمجسد، وكان أول عربي قسم للذّكر مثل حظ الأنثيين، فنزل القرآن بذلك، فهي مأثرة لا مثلها”.
والدّليل على أنّها لم تكن قاعدة معتمدة في قسمة المواريث قبل الإسلام ما ذكره الواحدي في أسباب النزول :
أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد المنصوري قال: أخبرنا علي بن عمر بن مهدي قال: حدثنا يحيى بن صاعد قال: حدثنا أحمد بن المقدام قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت إمرأة [إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-] بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس -أو قالت سعد بن الربيع- قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالا إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله ؟ فوالله ما ينكحان أبدا إلا ولهما مال. فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت سورة النساء وفيها: (يوصيكم الله في أولادكم للذّكر مثل حظ الأنثيين) إلى آخر الآية، فقال لي رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-: ادع لي المرأة وصاحبها، فقال لعمّهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمّهما الثّمن، وما بقي فلك”.
وهذا الأخذ المتواتر في عدد من المسائل يندرج في باب ما ذكره من أرّخوا للتّشريع الإسلامي في العبادات والمعاملات حيث تحدّثوا عن استفادته من تشريعات السّابقين ضمن قاعدة شرع من قبلنا شرع لنا التي يعدّها البعض أصلا من الأصول على خلاف بينهم في ذلك.
هو كذلك مظهر من مظاهر جدليّة الوحي والتّاريخ حيث يتفاعل الوحي المنجّم مع مستجدّات الواقع.
هذا الإقتباس للأحكام يكون بتبنّيها وإدراجها ضمن منظومة متكاملة كما هي أو إعادة تركيبها أو بثّ مضمون جديد فيها، ففقه الحجّ والعمرة مثلا مستقى من مناسك الحجّ قبل الإسلام مع إعادة تركيب وترتيب وتأصيل وبناء رمزي مضموني.
هي عمليّة تحويل وإكساء جديد بالمعنى.

شاهد أيضاً

خيارات ورهانات

سامي براهم خيارات الحكم في هذه البلد محدودة… في ظلّ نظام قريب من البرلمانيّ وقانون ...

إشراك الضّحايا في أشكال الإنصاف

سامي براهم المغرضون والموتورون وضعاف النّفوس والعقول الذين يراهنون على فشل مسار العدالة الانتقاليّة في ...