الجمعة ، 21 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / صمود تركيا ورهانات عملاء الثورة المضادة

صمود تركيا ورهانات عملاء الثورة المضادة

أبو يعرب المرزوقي

كل التهويل الذي نسمعه من العملاء العرب حكاما ونخبا علته أمران موضوعيان:
1. الجهل بقوانين الاقتصاد
2. تضخيم سلطان إسرائيل
وأمران ذاتيان:
3. خوف من نجاح تركيا
4. أمانيهم
ويجمع ذلك كله أصلا لهذه العاهة في ضياع العرب منذ بداية النهوض إلى اليوم، غياب المشروع الذاتي للاستئناف.

وأبدأ بالعاملين الموضوعيين.
فلو كان لهم علم بالاقتصاد، لعلموا أن مقومات القوة في الاقتصاد التركي -مع عدم الجهل بالأحجام- أفضل من مقومات القوة في الاقتصاد الامريكي لولا قبول العالم سيطرة الدولار صكوكا بلا رصيد واستدانته بلا مقابل.
فالدين الأمريكي تجاوز مقداره المنتوج القومي الخام.
وتضخيم سلطان إسرائيل، من أوهام الجبناء من حكام العرب، لأن إسرائيل مهما تعنترت وادعت السلطان على الغرب فهي قوة متوسطة، ولا تستطيع عمل شيء من دون دفع الغرب إلى حرب عالمية لو حاولت ضرب ايران، ناهيك عن تركيا التي تمثل قوتها أضعاف أضعاف قوة إيران أيا كان مجال المقارنة.
صحيح أن التخويف بإمكانية ضرب أمريكا تركيا في مشروع عام يريد جعل إسرائيل سيدة الإقليم. لكن هذا التخويف يمكن أن يؤثر لو كان الحكم في تركيا المباشر والمعارض فاقدا للشرعية وليس ناتجا عن انتخاب حر، يجعله لا يخشى عنتريات المعتوه ترومب لأن شعبه معه وأثبت أنه مستعد للتضحية.

لكن مواقف الحكام العرب العميلة والنخب التابعة لها، فضلا عن الجهل بهذين الأمرين الموضوعيين تحكم مواقفهم عاهتان ذاتيتان هما:
• الخوف من نجاح النموذج التركي الذي هو فجر الاستئناف الإسلامي في نظام العالم الجديد.
• والأماني المتمثلة في انتظار سقوط تركيا ظنا أنها بهشاشة أنظمتهم الاستبدادية.
وهذان العاملان الذاتيان يشترك فيهما الأنظمة العربية العميلة ونخبها مع إسرائيل واليمين الأوروبي الذي لم ينس ماضي العلاقات بين الحضارتين من بداية الدولة الإسلامية إلى نهايات القرن السادس عشر الميلادي.
فهم لم ينسوا تاريخهم مع العرب بداية ومع الأتراك غاية فيخشون الاستئناف الإسلامي.
ورغم أن المسلمين لا يقيسون المستقبل على الماضي، ويريدون العيش بسلام في اقليم المتوسط بضفتيه وفي العالم، فإن اليمين الأوروبي والخونة من حكام العرب الذين نصبتهم أوروبا لما كانت دولها امبراطوريات قبل الحرب الثانية، ومعهم إسرائيل التي خلقتها، لا يزال يعيش “رهاب” الإسلام العائد.

وأعود إلى أصل هذه الأدواء الأربعة، أعني غياب المشروع العربي أو بصورة أدق، الخوف من حلف ممكن بين بداية المشروع العربي الذي تمثله ثورة الشباب بجنسيه وتركيا التي مثلت الحليف الوحيد للثورة ولرجالاتها ولشعوبها التي هجرت، فكانت ملجأ قيادات الثورة وحامية ملايين المهجرين من سوريا ومصر.
فالخونة من حكام العرب ونخبهم والغرب لم يكن يعادي تركيا قبل حصول الربيع العربي، ولم يكن لديهم حرج من محاولات الشعب التركي المصالحة مع تاريخه وتراثه قبل الربيع العربي.
ولو لم تسارع تركيا لمساندة الثورة لما عادتها اسرائيل -وإيران قبل نهاية دورها- ولما قرروا ضربها مع ثورة شباب العرب.
استنادا إلى هذه المعطيات، يمكنني القول إن الشعب الذي هزم الانقلاب رغم السند الامريكي والاسرائيلي والسند التابع للأنظمة العربية العميلة لا يمكن أن تهزه أزمة عابرة مهما بلغت الحرب على الليرة.
فالاقتصاد التركي لا يعتمد مثل العربان الذين يعادونها على “بضاعة” واحدة بل هو شديد التنوع.

واستنادا إلى الفرصة الذهبية التي تتمثل في من يقود الحرب عليها، فالمعتوه ترومب، بخلاف أوباما الذي رتب في عهده الانقلاب، خسر ما كان يمكن أن يمكّنه من محاصرة تركيا:
فموقفه من أوروبا ومن العالم كله لا يجعله مسموع الكلمة في محاصرتها، وفشله سيكون أكبر من فشله مع إيران وكوريا الشمالية.
وعندما يرى صمود شعب تركيا وقدرته على ايجاد البدائل، وبعد مرور مرحلة الانتخابات النصفية، سيغير موقفه، لأن مواقفه التي أغضبت العالم كله وغباءه التجاري الساعي للربح السريع سيصبح نكبة عليه في أمريكا نفسها، هذا إذا لم يكن قد فعل ذلك كله لتأجيل ما قد يؤديه إلى “الامبيشمنت” المحتمل.

لذلك، فلا شيء مما ذكرت يؤلمني حقا.
ما يؤلمني هو أن حكام العرب ونخبهم الذين هم مجرد أدوات ودمى تحركهم الصهيونية، لا يدرون أن المتضرر الاكبر ليس تركيا، لأنها يمكن بمناورة صغيرة أن تحاكي دول أوروبا وأن تتصرف مثلها وتترك الإقليم للناكصين للجاهلية تعبث به إسرائيل وإيران وروسيا وأمريكا.
ذلك أن تركيا لن تقبل بأن تكون مثل العراق أو مثل مصر أو مثل سوريا، فتنفعل بمؤامرات الأعراب الذين يتآمرون على أنفسهم بغبائهم.
فمن يصدق أن الإمارات تحارب تركيا دفاعا عن العروبة من النزعة العثمانية؟
هل هذه حتى لو تصورناها موجودة أخطر على العروبة من إسرائيل؟
تآمروا على العراق فأصبح محمية إيرانية.
وتآمروا على سوريا فأصبحت محمية إسرائيلية.
وتآمروا على اليمن فأصبحت محمية إيرانية.
وتأمروا على مصر فأصبحت ولاية إسرائيلية.
ويتآمرون على ليبيا وتونس.
ومقابل الغطاء الإسرائيلي، حلبوا لآخر قطرة وسيعودون إلى الجاهلية ورعاية الأبل بعد ذلك كله.
أعلم أن الكثير من هؤلاء الحكام الخونة وتوابعهم يتصورون أن ما سرقوه من قوت شعوبهم وهربوه لبنوك الغرب يضمن لهم العيش الرغيد عندما يأتي دورهم، فيهاجروا إليه ويتركوا الشعوب إلى المجاعة والاحتلال القادم ما لم تتدارك الشعوب ذاتها فتتحرر منهم:
أموالهم ستجمد وتؤمم وسيصبحون متسولين.
لن يكتفي ترومب أو من يليه، بما حلبه منهم مثل “مغيثة الحجام” بل هو سيجمد أرصدتهم وما بقي في صناديقهم التي يسمونها سيادية، لمحميات لا سيادة لها، وسيعاملون مثل خونة الهنود الحمر الذين باعوا ثقة قبائلهم فيهم فاستعملهم غزاة أمريكا، ثم لما قضوا وترهم منهم أهانوهم وجعلوهم مجرد مترجمين خونة.
وقد رأينا مثالا عن ذلك، من مترجمي الحملة الامريكية على العراق وأدلاء الجيش الأمريكي كيف استخسروا فيهم حتى الجنسية الأمريكية، فصاروا مشردين لأن ذلك هو مصير الكلاب السائبة في كل عصر ومصر.
وما حكام العرب الذين يفسدون على الأمة استئنافها إلا دون ذلك بكثير: فهم أنجاس مناكيد.

وأريد أن اختم بكلمة حول موقف النخب العربية التابعة للأنظمة العميلة من شعوبهم ومن ثقافته.
فما رأيت في العالم نخبة بطانة عاقة إزاء شعوبها وتراثها مثلهم.
ويكفي أن أقيس على نخبتين من هذا النوع، أعرفهما جيد المعرفة: التونسية والمصرية.
وما أظن الآخرين أفضل، لكني لا اريد التعميم.
وأبدا بالنخبة المصرية.
لم أكن اعرف منها إلا الجامعية، لكني في ماليزيا عرفت منها النخبة الرسمية لاضطراري التعامل مع السفارة في كوالالمبور بمناسبة دعوة تلقيتها من مكتبة الاسكندرية للمشاركة في احياء ذكرى محمد عبده سنة 2004.
كنت أتصور ما يقال عن الباشوات في مصر وإهانتهم للشعب مجرد غرض أدبي. لكني رأيت بأم عيني كيف يتعامل السفير مع المصريين.
وقد ظن أني مصري فأراد ان “يتباشى” علي.
فأسمعته “وسخ أذنيه” وتركته يغلي لأني ذكرته بأنه “خدام” عند هؤلاء المصريين الذين يتصور نفسه سيدا عليهم.
ما كنت اسمعه من كثرة الالقاب في المعاملات عندما أتردد على مصر وأتعهد مكتباتها واسواقها، تبين لي لاحقا أنه ذهنية استعبادية يتعامل بها بعض النخب المصرية مع الشعب الذي صار أبناء طبقاته الدنيا مجرد ذباب من المستولين كما نراهم في أكناف الحسين وأسواق السياحة.
بدأت بمصر ومعرفتي بنذالة نخبها دون معرفتي بنذالة نخب تونس.
وسأضرب مثالين:
• أحدهما يمثله تعامل الأساتذة الجامعيين مع الطلبة الآفاقيين
• والثاني تعامل السياسيين، وخاصة من اليسار والقوميين مع الشعب الذين هم من أدنى طبقاته ما يجعل عقوقهم دليل احتقار لذواتهم وتنكرا لها خوفا من أن يعرف أصلهم.
فالنخبة الجامعية في تونس نوعان:
• البلدية.
• والأفاقيين.
والأولون احتقارهم للطلبة منطلقه طبقي ثقافي (بلدي مقابل “قعر”)
والثانون احتقارهم من جنسه، ولكن من دون الانتساب إلى البلدية حقا بل محاولة التنكر لنسبهم حتى لا يظنوا أقعارا (القعر يعني من ليس من أهل العاصمة تحضرا مقابل بداوة).
والطلبة المساكين يصبحون معقدين لدرجة تشل قدراتهم العقلية، وخاصة الخلقية، بحيث إن لم يقبل “المذلة” منهم ينبغي أن يغادر الجامعة أو أن يؤدب الأساتذة ويغادر الجامعة.
وقد عشت ذلك مرتين كطالب وكأستاذ.
وقد أدبتهم ولم أغادر الجامعة ولا زلت أفعل لأني أعلم أصلهم وفصلهم وخاصة ضحالتهم.
وبعض هؤلاء صاروا ساسة.
وهم من يزعمون الحداثة التي لم تتجاوز “ثقافة الكتاب الأحمر” أو أدبيات البعث والناصرية، أعني تخاريف إيديولوجية لا علاقة لها لا بالحداثة ولا بالأصالة، بل هي أصل كل عمالة لأن أي نظام مستبد يغريهم بما يستقر بين “الحانة والعانة” والاكل أكل الأنعام والإخلاد إلى الأرض.
هؤلاء هم الشامتون اليوم في تركيا والساخرون ممن يدعو لمساندتها لجهلهم بأن تركيا ليست مستهدفة لذاتها، بل لمشروع نحن من دونه سنبقى توابع لمستعمر الامس ولدماه من حكام المحميات العربية التي ستزداد تفتيتا إذا استطاعوا لا قدر الله إسقاط تركيا كما أسقطوا العراق وسوريا ومصر.
وكل من يتوهم أن دور الجزائر ليس آتيا، وأن محميتي التمويل السخي للثورة المضادة ليستا مستهدفتين لاحقا، لا يفهم شيئا من الخطة الإسرائيلية التي ليست خفية، بل هي معلنة، وقد بدأ التنفيذ بأيد عربية وبتمويل خليجي وبمليشيات السيف والقلم من العرب الذين لا مشروع لهم غير العيش عيش الأنعام.
لذلك فالحلف بين ثورة الشباب بجنسيه، وصمود تركيا بشعب حمى وطنه ضد الانقلاب وقدم الملجأ والمعونة للشباب الثائر وقيادات الثورة، التي لو لا تركيا لكانوا جميعا في سجون السيسي وبشار والمراهقين السعودي والإماراتي ولفقد الشباب العربي العلاج الهادئ الذي لن ينهزم لأن كل شعوب الإقليم معه.

ولأضف ملاحظتين اساسيتين:
• الأولى تتعلق بقطر والكويت.
فهما قادرتان كما بينت في الحملة على الليرة التركية قبل الانتخابات الرئاسية السابقة على إنقاذها لأن بقاء تركيا شرط بقائهما مستقلين، وإلا فاحتلالهما من حلف الفجار آت لا ريب فيه.
والآن صار ذلك يقيني لو لا قدر الله سقطت تركيا.
• والثانية تتعلق بالحركات الإسلامية الحديثة التي حققت الصلح بين قيم الإسلام الكونية المتخلصة من بقايا عصر الانحطاط وقيم الحداثة الكونية المتخلصة من بقايا عصر الاستعمار:
فتركيا التي آوت قياداتكم وحمت المهجرين من شعوبكم، ليست دون أوطانكم معزة لديكم، فهذه فرصة رد الجميل الواجب.

شاهد أيضاً

الباجي يتغذى من الفوضى النافعة

محمد الجلولي الفوضى هي أن تتداخل الألوان فلا نرى الأبيض والأحمر والأخضر والأزرق والاصفر بل ...

اترك رد