الجمعة ، 17 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات عربية / المشهد الجزائري.. ثلاثية الثيران المتصارعة (3)

المشهد الجزائري.. ثلاثية الثيران المتصارعة (3)

فيصل عثمان

كثر الحديث عن دور مؤسسة الجيش وعلاقتها بالسياسة، وتنوعت الآراء بين مطالب بتدخّلها وممانع لذلك، فبين من يقول للجيش “اضمن انتقالا ديمقراطيا” ومن يدعوه للبقاء في الثكنات ضاعت بوصلة الجميع. ولا يفزع المرء من شيء في عالمنا العربي فزعه من الدعوتين أعلاه لاستحالتهما في الدول العالمثالثية، إذ أنّ الفكرتين طوباويتين لا يمكن تصوّر تنفيذهما، ولو دعا أولاء وأولئك الجيش إلى حماية الشعب والحدود من العدو الداخلي والخارجي لكانت دعوتهم أكثر رشدا.

أمّا وإن قاسوا دعواهم على واقع الدول الغربية فإنّ الأمر يبدو استنباتا لزرع في صخر، وما كانت السياسة يوما هكذا، وقد آن أوان التطرّق إلى دور الثور الأخضر في المشهد الجزائري، وبسط أسباب قوته ومواطن ضعفه وفرص تدخّله، إذ أنّه الكتلة الثالثة في الثلاثية المتصارعة (انظر الجزئيين الأول والثاني من مقالنا “المشهد الجزائري: ثلاثية الثيران المتصارعة”، فمن هم أقطاب مجموعة قيادة الأركان وما دورهم؟

مجموعة قيادة الأركان (القايديون):
على رأسهم الفريق أحمد قايد صالح وقيادات النواحي العسكرية الستة باستثناء الناحية الثانية التي ينتمي رأسها إلى الكيان الموازي كما أسلفنا، بالإضافة إلى قيادة القوات البحرية والجوية والبرية (ولاء قائدها أحسن طافر غير مؤكد) والدفاع الجوي عن الاقليم، فيما تنتمي قيادة القوات الجوية إلى الكيان الموازي أيضا. يصوّر بعض المتابعين هذه المجموعة بمظهر القويّ المتحكّم في مفاصل الدولة بشكل كامل، وينفي آخرون وجودها من أساسه رافضين فكرة أن يكون هناك طرف منافس لبوتفليقة داخل الجيش، وهي قراءة خاطئة –حسب نظرنا- تكذّبها الأحداث ومسار مؤسسة الجيش منذ الثورة التحريرية إلى اليوم.

فالجيش كان ولا يزال بؤرة تجاذب بين التيّار الوطني المحافظ والتيار التغريبي، هذا الأخير الذي سيطر عليه سيطرة شاملة على إثر انقلاب 1992 وظلّت قيادة الأركان بين يدي ضباط دفعة لاكوست (من تكوّنوا وعملوا في الجيش الفرنسي) إلى سنة 2004 بعد تعيين قائد الأركان الحالي، وهو من ضبّاط جيش التحرير الوطني ومشواره مختلف عن مشوار سابقيه فيما يخصّ المسؤولية على انقلاب 1992 بحكم هيمنة الاستئصاليين في تلك الفترة على مقاليد السلطة بعد إزاحة اللواء مصطفى بلوصيف وسجنه في التسعينات، والانتقام من ضباط جيش التحرير داخل مؤسسة الجيش وتحييدهم بالإقالات وتلفيق التهم وملفات الفساد والإحالة على التقاعد.

ولا ريب أنّ هناك من اغتيل وطمست أخباره، هذا دون العودة إلى سنوات السبعينات التي عرفت أكبر عملية تحييد لضباط جيش التحرير بعد إعدام العقيد شعباني وتعاظم دور جنرالات فرنسا أمثال خالد نزار والعربي بلخير وعباس غزيل والعماري محمد والعماري اسماعيل ومحمد تواتي وعلي هارون… والبقية وعددهم يقارب 40 ضابطا كبيرا، وقد يقول قائل أنّ الاستئصال عقيدة الجيش ولا فرق بين أن يقوده ضباط لاكوست أو غيرهم، غير أنّ الأحداث والواقع أثبت أن الجيش كمؤسسة لا يملك عقيدة ثابتة فعقيدته هي عقيدة قيادته تتغير بتغيّرهم وتستقر باستقرارهم في مناصبهم.

لذا فإنّ اعتبار من أطلقنا عليهم جماعة القايديين مثل سابقيهم يعتبر من الإجحاف وتحميل الناس ما لا يحتملون لا سيما وأن معظمهم من الجيل الجديد الذي تكوّن في مدارس أشبال الثورة بعد الاستقلال ومعظمهم لم يكن لهم دور قيادي إبان عشرية الإبادة إذ كانوا أبعد ما يكونون عن العلبة السوداء، وكان بعضهم في رتب لا تسمح حتى بمعرفة المعلومة الأمنية الصحيحة، فمنهم العقيد والجنرال حينذاك الذي يلعب دور المنفّذ لأوامر القيادة العليا، ولو سألت اليوم واحدا ممّن يتهمونهم عن جرائم هؤلاء الضباط لما منحك مثالا واحدا.

أضف إلى ذلك أنّ التراتبية في المؤسسة العسكرية تجعل من القيادة العليا المسؤولة الرئيسة عن أفعال الجيش كلّه وأيّ اعتراض من القيادات الدنيا سيكون مآل أصحابه الإعدام وفقا للقانون العسكري أو الفرار إلى دول أخرى كما حصل مع بعض الضباط أو الصمت وانتظار الفرصة الملائمة للتغيير كما حصل مع آخرين، وهذا ما يروّج له بعض الذين يعرفون في الجزائر اليوم باسم “التطهيريين”، وهم ضبّاط تمرّدوا وسجنوا في التسعينات ثمّ نجوا بجلودهم واستقرّوا بالخارج وعلى رأسهم النقيب أحمد شوشان صاحب “نظرية التطهير” التي تقوم على ما نعتبره فرضية قيام القايديين بعملية زبر وتحييد لقيادات الكيان الموازي مثل إقالة الجنرال توفيق، وسجن الجنرالين حسان وبن حديد المحسوبين على الاستئصاليين، وإن كانت هذه الأحداث غير كافية لتأكيد أطروحة التطهير والجزم بوجودها لدى المتابعين للمشهد.

والحكم على قيادة الجيش كتلة واحدة ليس من الحكمة في شيء، فالجيش بأكمله تمّ توريطه في مواجهة الشعب عقدا كاملا من الزمن، وقد كان أداة طيّعة في يد الاستئصاليين وعلى قيادته أن تثبت اليوم تحرّرها من يد الكيان الموازي وتصطفّ مع وعائها الشعبي بوضوح وحزم لا يحتملان المزايدة على الشعب والتعالي عليه. وبالعودة إلى واقع الحال نجد كتلة القايديين بدأت تمرّدها على حلف “الدولة العميقة-بوتفليقة” منذ 2013 تقريبا، وتحالفت مع البوتفليقيين ضدّ الدولة العميقة لإسقاط الجنرال توفيق، ومن المحتمل أن تتّجه مستقبلا إلى تجديد هذا التحالف إن لم تتمكّن من تحييد خصميها بالضربة القاضية، فهل تملك القدرة على ذلك؟

على غرار ندّيها، تملك المجموعة ذراعا استخباراتية قويّة ممثّلة في مخابرات أمن الجيش وليس ذلك بدْعا باعتبارها مؤسسة عسكرية وأمنية أصلا، وتكمن قوّتها في سيطرتها على معظم دوائر صنع القرار داخل المؤسسة مع احتمال تحييد العناصر الناشزة التابعة للمعسكرين المنافسين، ولن يتسنّى لها ذلك إلّا بإسقاط قيادات الحرس الجمهوري، الدرك، والقوات الجوية والشرطة والمخابرات، وتعيين عناصر موالية مكانها، مع الإشارة إلى أنّ ولاء مدير الشرطة الجديد مصطفى لهبيري غير معلوم إلى حدّ الآن. على الصعيدين الاعلامي والمالي نجد أنّ المجموعة قاصرة كلّيا، فمهما حازت من مناصرين إلاّ أنّهم يبقون قلّة غير ظاهرة ولا معلومة التأثير، مع اعترافنا بافتقارنا للمعلومات الضرورية في هذا الصّدد بما أنّها مؤسسة منغلقة على نفسها ولا تتسرّب معلوماتها إلّا نادرا.

قضيّة الكوكايين وإقالة الهامل:
يبدو من السابق لأوانه تقديم قراءة عميقة لما حصل في الأسابيع الأخيرة، فلا المعلومات كافية، ولا المتهمون الحقيقيون معروفون، ولا الفاعلون المؤثرون يمكن الغوص في سراديبهم، لهذا سنكتفي بقراءة مبدئية للأحداث. فلأوّل مرّة تحجز مصالح الأمن كمية معتبرة من المخدرات ويشيع خبرها بين الناس بهذه الطريقة، وأكثر من ذلك تسقط رؤوس كبيرة في القضية ويخرج الصراع إلى العلن، فالقناطير السبعة المحجوزة اكتشفهم الجيش لا الشرطة، وحجزهم حرس السواحل وحققت في القضية الاستخبارات العسكرية وليست الشرطة القضائية، إذن تبدو القضية تحت سيطرة جماعة القايديين لا البوتفليقيين ولا الكيان الموازي.

بعد أيّام يخرج مدير الشرطة اللواء عبد الغني الهامل مصرّحا بأنّ من يحارب الفساد عليه أن يكون نظيفا، ومقرّا بحدوث تجاوزات ضخمة في التحقيق وبملكية جهازه لملفات خطيرة، وأكثر من هذا بدا الهامل كمن يدفع عن نفسه التهم بكيلها لغيره، فقد قال أنّ هناك من يريد تحطيم جهاز الشرطة وأنّه لن يقبل بذلك، فهل كان يقصد جماعة القايديين؟ وما الملفات التي يملكها؟

الهامل ابن مدينة تلمسان المعروف بولائه للرئيس بوتفليقة تمّت إقالته بعد سويعات من تصريحه وتمّ تعويضه بمصطفى لهبيري، هل أقاله قائد الأركان أم غيره؟ وهل من حلّ محلّه مواليا للرئيس أم لقيادة الأركان؟ وهل تمّ ذلك بالتوافق بين الرئيس وقايد صالح؟ لا نعلم، المؤكّد أنّ الهامل من جماعة الرئيس وإقالته ضربة قاصمة للجماعة. أيضا، بعد أيام من ذلك تمّت إقالة اللواء مناد نوبة قائد الدرك الوطني وتعويضه بالجنرال غالي بلقصير، ويبدو ترتيبا عاديا وتبادلا للأدوار لكن من يدري عن ولاء بلقصير، فقد يكون الولاء في سلاح الدرك للقايديين هذه المرة.

لهبيري وبلقصير انطلقا في حملة إقالات وإنهاء مهام في جسدي الشرطة والدرك منذ تعيينهما، الأوّل أقال عددا من رؤساء أمن الولايات والثاني غيّر جميع قادة مجموعات الدرك في كلّ نواحي البلاد الست واستبدل جنرالات بعقداء في بادرة جديدة، وحتى هو جنرال عوّض لواء ممّا يجعل سلاح الدرك عموما تحت السلطة المباشرة لقادة النواحي العسكرية وحتى نوابهم إذا ما أخذنا بعين الاعتبار رتب قادة الدرك في المجموعات الاقليمية مقارنة برتب قادة الجيش، ترتيبات لها تأثيراتها في قادم الأيام حتما. بعد استعراضنا للثلاثية المتصارعة: ما احتمالات التحالف والتخالف بين هذه العصب وأيّ سيناريوهات تحدّد مستقبل الجزائر مطلع 2019، هذا سيتم بسطه في المقال المقبل.

شاهد أيضاً

عن ضرورة التحالف السني الدرزي

فهد شاهين لماذا الدروز ؟ 1. منذ العام 1800م استثمرت فرنسا بشكل علني بالكاثوليك في ...

اترك رد