الثلاثاء ، 21 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / قَد وَصَل الِبرْناشُ الجديدُ !!!

قَد وَصَل الِبرْناشُ الجديدُ !!!

بشير العبيدي

#رقصةُ_اليراع

حانَ أوانُ الغداءِ، فَخرجتُ مِن عَملي من عند حريفٍ، في نَواحي مدينةِ تور الفرنسيّة القريبة من موقع معركة بلاط الشُّهَدَاء(*) التاريخية، وذلك بقصدِ الاستطعام. فوجدتني بِمكانٍ سكنيٍّ لا توجد فيه محلّاتٌ ولا مطاعم، إلّا حانة في ناحية، يقابُلها دكّانٌ يبيعُ الأكلات الشعبيّة، كُتبَ على لافتته “عند كريستين”. فقُلت في نفسي : المطعمُ أهون عليّ من خمّارة ! ورغتُ “عند كريستين”، بأمل أن أتغدّى في أقلّ من أربعينَ دقيقة، كي أحتالَ لأمرِ صلاتيْ الظّهر والعصرِ تقصيراً في عشر دقائقَ، على أن أعود مشياً للحريف في دقائق عشر، هي تمام السّاعة المسموح لي فيها بالغداء.

استقبلتني كريستين بابتسامةٍ أعرض من وجهها المدوَّر الطفوليّ، وقالت : تفضّلوا ! ألِلْغداء أم لكأسٍ ؟ قلتُ : بل لِلْغداء. فقالت : اجلسوا ههنا لو تفضّلتم ! وأشارت إلى منضدةٍ مربّعةٍ صغيرةٍ مركونةٍ قرب النافذة. فجلستُ وقد علا ضجيج الحرفاء، فقالت لي كريستين بفرنسيةٍ فصيحةٍ رشيقةٍ، تستأمرُ وهي آمرة : أأترككم تطالعون قائمة المأكولات؟! ثمّ انصرفتْ تتابع هذا، وتراجع ذاك، وتتردّدُ كلّ دقيقةٍ على طاقة المطبخ ترجع إليها ماعون من أكمل وتسحب منها الأطباق الجاهزة، وهي حين تمرّ بها بين الجلوس ترفعها بعزّ وشموخٍ، ثمّ تسأل من وصل لتوّه عمّا يريد أن يقدّم له، وتسأل من يأكل إن كان الطعامُ لذيذاً، وتسأل من أنهى إن كان يزيد كأسًا أو قهوةً، وتَسأل مَن شَرِب الكأس أو القهوةَ إن كان يشعرُ بالغبطةِ والسّرورِ، وتودّعُ بحرارةٍ وتسأل من يغادُر إن كانت ستراهُ مجدّدًا في قادم الأيّام.

ثُمّ رجعتْ إليّ كريستين، واقتربتْ مِن منضدتي متبذّلةً بصدرها، ومسندةً سلاميّات يديها على حافتيْ المنضدة، وفي أطرافها على أظافرها الطّويلة المحدّبة طلاءُ اللّون الأحمر القاني، والخواتم من كلّ شكل، والأسورة من كلّ لونٍ، وقالتْ : سيّدي، هل اخترتم ؟ فقلت : هل عندكم أيّ شيء يحضَّر ويُؤكل بسرعة، على ألّا يكونَ في مكوّناتِه خنزيرٌ ولا لحمٌ ؟ أجابت كريستين بسرعةٍ : عندنا ! سلطةُ قوانص ! أَأُحضرها لك؟ قلتُ : بِلا قوانص لو سمحتِ ! قالت : هل تريدها بالكبد المسمّن إذن؟ قلت : بلا كبدٍ ولا قوانِصَ لو سمحت. سلطةٌ فقط. فانصرفتْ نِصف مبتسمة، ولا أشكّ أنّها ظَنّت بيّ الظنون، ربّما شكّت أنّني نباتيّ أو من غلاة المدافعين عن الحيوان. ثمَّ عادت بسلطتِها بعدَ دقائق ووضعتها بلطفٍ ملائكيّ، وأدارت لي الشوكة والسكّينَ كي تكون في ممسك يديَّ، وقالت : تفضّلوا ! شكرتها بابتسامةٍ، وانهمكتُ في الأكل غيرَ عابئٍ بشيء.

وما هي سوى دقائقَ حتّى عادتْ إليّ كريستين وقالت، ضاحكةً : هل تريدون أن تتذوّقوا البِرناش الجديد؟ فقد وصل ! لقد استلمناه بالأمس، وهو لا يُرَدُّ على من عُرِضَ عليه !! فابتلعتُ لقمتي وقلتُ : وما البِرناش سيّدتي ؟؟ وما دريتُِ على من هجمتُ بسؤالي ! فاغتاظت كأنّني والله عيّرتُ أمّها بتلك الصّنعة !! ثم قالت وقهقهت ساخرةً : هَهْ هَهْ هَهْ ! ألا تعرفون البِرناش!؟ هذه فُرصتكم لتتعارفوا ! وطفقت تشرح لي كيف يستقطر برناشها من العنب وكيف يخمّر وفي أيّة درجة وتحت أي قبو من الأقبية يترك للرّاحة، وكيف يكون العنب في الدّوالي حتّى يكون برناشا … وأنا أسمعُ بكلّ اهتمامٍ وآكل ما بقي من سلطةٍ، أتشرّب زيتها بقطعة خبز… فشرحتْ لي كريستين كل ما يشهّي في برناشها، بيد أنّني أجبتها بكلّ لطف : أنا متأكّد أنّ البِرناش هذا لا مثيل له، لكنّني لا أشربُ الخمر سيّدتي، برناشاً كان أو غير برناشٍ، مع احتفاظي الكامل طبعاً، سيّدتي، بكلّ التّقدير لبرناشكم الجديد ! ولكي لا أكسر اقتراحك، فناوليني قهوةً سريعةً… لو سمحت ! فَقالت : شكرًا على لباقتكم. ونادت زميلها يائسةً مني : جواكيم … قهوةً سريعةً في الحال من فضلك !!

على أنّني ما أردتُ إخبار كريستين بسبب امتناعي عن شرب برناشها، لأنه سبق أن أفحمني صاحبُ حانةٍ في جوفِ باريس، شهّاني جاهدًا في كأسٍ من الويسكي حين جلستُ عنده يومًا أنتظر موعدًا مع صديقٍ، وامتنعتُ متعلّلا بديني، فأفحمني بردٍّ قاسٍ جاء في معناه : “يا سيّدي، لو أنّ جميع زبائننا من المسلمين امتنعوا للسّبب الذي منعت به نفسك، لأفلستْ جميع حاناتنا الفرنسيّة في الشانزيليزيه، حيث ثلاثة أرباع مداخيلنا من جيوب إخوانك” ! فأقسمتُ من يومها ألّا أتعلّل بالدِّين عند باعة أمّ الخبائث.

احتسيتُ القهوة وأنا أتأمّل قوارير البرناشِ مكدّسةً في ناحية المطعم، في انتظار طلبيّات الشّاربين … ثمّ دفعتُ ثمن الغداء وغادرتُ محلّ كريستين، عائدًا لاستئناف عملي، وأنا أردّدُ كلامها حينًا : ” لقد وَصَل الِبرْناشُ الجديدُ !!”، وحينًا أقول : “ألا لا جعل اللهُ البرناشَ يصلُ، ما لي وما للبرناش؟ فلا بيننا حرْثٌ ولا إرثٌ” !!

(*) معركة بلاط الشهداء : معركة شهيرة دارت في رمضان 114 هـ/أكتوبر 732م في موقع يقع بين مدينتي بواتييه وتور الفرنسيتين، وكانت بين قوات مسلمين تحت لواء الدولة الأموية، بقيادة والي الأندلس عبد الرحمن الغافقي من جهة، وقوات الفرنجة والبورغنديين بقيادة شارل مارتل من جهة أخرى، وانتهت بانتصار قوات الفرنجة وانسحاب جيش المسلمين بعد مقتل القائد عبد الرحمن الغافقي.

من كتاب خواطر الأنفاق وبشائر الآفاق

<<>> بقلم : #بشير_العبيدي <<>> ذو القعدة 1439
كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا

شاهد أيضاً

في جدلية الوصائية والشعبوية

مصدق الجليدي يسقط المثقف الوصي ويحيا الشعب الحر الأبي هنالك انزلاقات من طبيعة معرفية وانحرافات ...

اترك رد