الأحد ، 23 سبتمبر 2018

صنع الرهانات

زهير إسماعيل

الحياة السياسة مسارات تُرسم ورهانات تُصنع. والسياسي الأشطر هو من يصنع الرهان ويضطرّ خصمه إلى الانخراط فيه مكرها أو الرضا بالبقاء في الهامش. وما عشناه في البرلمان شاهد على هذه الحقيقة السياسية.

ولا خلاف حول دور ميزان القوى في فاعلية الكتل البرلمانية، ولكن العدد، على أهميته، ليس هو الفيصل في موضوع الأداء نجاحا وفشلا.
وأحيانا قد يكون لموقف مدروس بدقّة، من قبل نائب واحد، تأثير كبير، قد يوجه المؤسسة كلها وقد يمتد خارجها. وهذا ما حدث مع النائب المبروك الحريزي حينما حاول رئيس مجلس النواب الزج بالمجلس في مهمة إنهاء مسار العدالة الانتقاليّة. وأحدثت حركة النائب شرخا كبيرا داخل البرلمان واستقطابا واسعا خارجه على قاعدة تواصل مسار الدالة الانتقاليّة، وحشرت رئيس المجلس ومن وراءه في الزاوية.

المعارضة البرلمانية، لأسباب عديدة منها وظيفيّة قسم منها، لم تكن قادرة على صنع الرهانات إلا في الحالات النادرة، وغلب على أدائها ردّة الفعل والرضا بالهامشية.
المعارضة البرلمانية صارت تعيش على هامش “سياسة التوافق” وتقلباتها، فإذا انسجمت مواقف طرفي التوافق أمكن للمعارضة أن تكون طرفا في الرهان الذي يضعه حزبا التوافق، من ذلك مثلا “قانون المصالحة” الفضيحة الذي عرض على البرلمان وتم تمريره بالتوافق، فقد كان للمعارضة موقف قوي كان له صدى شعب مهم رغم عدم قدرتها على إبطال القانون.
ولكن إذا اختلف طرفا التوافق، صرنا أمام تقابل رهانين، وصارت المعارضة على هامشهما، وغير قادرة على فرض رهان ثالث. وكان تصويت يوم أمس على طلب الثقة لوزير الداخلية مثالا حيّا. وإلى جانب تردّي بعض التياسة المعروفين من نوابها، فإنّها عجزت عن خط موقف مؤسس، واضطرّت إلى الاكتفاء بترديد أنّها لن تنخرط في العركة “فالمعركة موش عركتها”، وهذا رضا بالهامشية. فهل يمكن أن تكون غير معنية بعركة داخل البرلمان وهي جزء منه. هي غير معنية إلا في حالة وهي حين تعلن خروجها من البرلمان.

الرهان يوم أمس كان -في عنوانه الخارجي على الأقل- بين حافظ ويوسف، وكان يمكن لحركة النهضة أن تنأى بنفسها عن العركة ولكنها تدرك أنّها معنية بها مثل غيرها، هذا إن لم تكن معنية بها قبل غيرها، فاتخذت موقفا وموقعا، وصارت طرفا في الرهان، وقد تُعدّ من الفائزين فيه، رغم ما قد يثيره مآل الرهان من عواصف في محيط “سياسة التوافق”.
حينما تكون أنت صانع الرهان تكون السياسة لعبا في المساحات الواسعة، ولكن حين يضطرّك خصمك إلى رهانات لست طرفا مباشرا فيها تنحصر السياسة في القدرة على اللعب في المربعات الصغيرة والمساحات الضيقة والنجاح في توجيه الرهان أو إبطاله. أمّا الاكتفاء بالقول “إن المعركة لا تعنيني” فهو الرضا بالهامش وفتح الطريق أمام الوظيفي من قوتك وكتلتك. وهذا ما شاهدناه يوم أمس في البرلمان. وقبله في رهانات سابقة.

المشهد البرلماني استهلك نفسه، والتوافق سياسة صارت من الماضي، وكل عركة البرلمان حول رهان 2019: هل يكون في موعده؟ ومن المتنافسون فيه؟ وهل ستتوفر شروط الإنتخابات الشفافة والنزيهة…
وهي عركة تتم في معظمها بين مراكز القوى والنفوذ ولوبيات السيستام وصراع القديم وما بقي من الجديد خارج المؤسسات ويكون البرلمان مجالا لتزكيتها، ولعلها الفرصة الوحيدة للتصدي لها…
لا أفق للأزمة التي تعصف بالبلاد خارج “إدارتها”… هذا إذا لم ينهر السقف على رؤوس الجميع.

شاهد أيضاً

للتًفكير: “كتلة المكتب التنفيذي”

أحمد الغيلوفي • 93 % من الإضرابات التي شهدتها البلاد منذ تاسيس الإتحاد حتى الآن ...

اترك رد