الثلاثاء ، 21 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / تونس الوضع السياسي: تشخيصه واستشراف مآله

تونس الوضع السياسي: تشخيصه واستشراف مآله

أبو يعرب المرزوقي

من العجائب أن الفاشيات الخمسة اجتمعت في تونس وسمت نفسها “الجبهة الديموقراطية”:
1. بقايا الماركسية الستالينية
2. وبقايا الأحزاب القومية بصنفيها
3. وعملاء عملاء الملالي
4. وعملاء عملاء الحاخامات
5. وبقايا مافيات ابن علية وأسرته.
هؤلاء اجتمعوا مدعين الديموقراطية والحقوق الفردية والمساواة.

واجتماعهم الثاني ما يزال في طور المحاولة وهو فاقد لشروط النجاح لعلتين:
1. ليس لهم المحرك الأساسي الذي كان يمثله السبسي الذي شعروا أنه قد “لعب” بهم. لما وصل إلى غايته لم يكن لديه مفر من الحكم بالتوافق مع الإسلاميين لعلمه أن الجماعة كانوا ينوون اللعب به فأفطر بهم قبل أن يتغذوا به.
والسبسي يعلم حقيقتين فضلا عن ظروفه الشخصية:
أولاهما أن ما فشل فيه بورقيبة وابن علي من إلغاء من يمثلون الشعب حقا لا يمكن أن ينجح فيه.
وحتى لو أغراه الكثير بذلك فهو يعلم أنه ليس له، بموجب سنه، الوقت الكافي لمحاولة ما حاوله قبله بورقيبة وابن علي الذي بدأ يفهم هذه الحقيقة بعد فوات الأوان.
ولست أستبعد أن هذه الفاشيات الخمسة لم تتحمس لإسقاط ابن علي إلا لأنها شعرت بأن الرجل بدأ يفهم هذه الحقيقة ويسعى حتى للصلح مع أقوى قاعدة سياسية حضارية في البلاد ولو بإجراءات رمزية كلف بها صهره. وظنوا أنهم بالمشاركة في إسقاطه قد يصبحون بديلا منه عند من كان يحميه ضد شعبه.
ومن يحلل “عجلة” نجيب الشابي الذي قدم نفسه في الانتخابات الأولى بوصفه بديلا ديموقراطيا مما يصفه بالظلامية الإسلامية، يدرك أنهم فاقدون للحس السياسي فضلا عن الحس الديموقراطي.
فسقوط الشابي المدوي والمبادرات المضحكة منذئذ لا تحتاج للكثير من الذكاء لفهم استحالة تغيير تاريخ الوطن.
التحديث العنيف والفوقي، فضلا عن عقمه في علاج قضايا الوطن الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فشل في العالم كله.
ولعل أكبر دليل هو نجاح الإسلاميين في كل الانتخابات التي حدثت في بلاد العرب منذ سقوط الفاشيات الخمسة التي تكلمت عليها ولم يمنعوا من الحكم إلا بالانقلابات والحروب الدامية.

2. والعنصر الثاني الناقص بعد فقدانهم دور السبسي، الذي صار مهددا اليوم منهم أكثر من كذبة تهديد الإسلاميين له هو:
السند الذي يمكن أن يمولهم متناقض مع السند الذي يتوددون إليه ثقافيا.
فالتمويل سيكون من زعيمي الثورة المضادة في الخليج والثقافة التي يهددها ذلك من أوروبا عامة وفرنسا خاصة.
قد يكونون غافلين عن هذا التناقض العميق بسبب حمقهم وعجلتهم.
لكن فرنسا وأوروبا تعلم علم اليقين أن الثورة المضادة، وإن ادعت العلمنة والحداثة والحرب على الإسلاميين لا علاقة لها لا بثقافة الحداثة ولا بالديموقراطية، بل بما لا مستقبل له حماية أسر قبلية لا يعتمد عليها في الجيوستراتيجيا.
أوروبا بحاجة اليوم إلى محيط مستقر ويكفيها ما نتج عن فوضى ليبيا والشام. لذلك فهم لن يسمحوا لهذه الفاشيات الخمس باللعب على استعمال الإرهاب كما الهدف في حالة بشار وحفتر.
هم يعلمون كل شيء عن هذه الفاشيات وعن تقنياتها في التحريك السياسي الذي سيضر بهم بسبب الجوار.
وأريد أخيرا أن أشير إلى أهم قوتين أمكن للسبسي أن يستعمل فيهما “الدغف” الفاشية التي اعتمد عليها للوصول إلى الحكم والتي أصبحت خطرة عليه أكثر مما هي خطرة على الإسلاميين، والتي لا يمكن أن تغامرا مرة أخرى فتلعب لعبة الفاشيات التي ذكرت:
قوة اتحاد العمال.
وقوة اتحاد الاعراف.

السبسي داهية سياسية، علم متى يمكن استعمال ما استعمله، وهو ما استقدم الشابي أوانه فخسر كل شيء، وما استأخر من يريد تكرار ما قام به السبسي، وسيخسر أكثر من الشابي.
والمستقدم مثله مثل المستأخر، يحاولان محاكاة السبسي دون ذكائه وخبرته: النتيجة هي ما يمكن أن يوصلوا إليه البلد من الفوضى.
وهذا يعني أن القوتين اللتين يأملون الاعتماد عليهما لن تكررا العملية، لأنها الآن لم تعد ممكنة: إذا كان البلد على أبواب الإفلاس وأعادوا اللعبة، فسيحل الإفلاس لأن تونس ليس لها ما للبلاد البترولية، وهما قوتان تستمدان كل شيء من بقاء الدولة وعدم الإطاحة بها لأنها مصدر رزقهم الأساسي.
لن يغامر أي من قيادات الاتحادين فيلعب بالنار لإفقاد تونس ما به يقبل العالم كلها مساعدتها للخروج من أزمتها:
مسار الديموقراطية والسلم المدنية التي تحقق أحلام الشباب، وتحمي أوروبا نفسها مما قد يحصل لا قدر الله لو أن البلد أدخله الاغبياء الذين يقودون حلف الفاشيات الخمس.

ولست أتجنى على أحد فلي دليلان قاطعان على أن هذه الفاشيات لا تريد لتونس الخير:
1. الدليل الأول:
صاروا يميزون بين نوعين من المواطنين في تونس:
• من هم أهل البلد
• ومن هم واردون عليه وينبغي إجلاؤهم من جديد، أعني كل من يعتبرونه من غير “الجبهة الديموقراطية” للفاشيات الخمس.
ولست بحاجة لذكر أسماء المعبرين والمعبرات من الغاضبين والغاضبات عن هذه الرؤية، التي طبعا لا تتوقف عند من تسميهم “الإخوان” بل كل إسلامي سواء كان من الحزب الذي يعتبرونه غير تونسي لأنه إسلامي بوصفه بالإخواني، لأن مموليهم صنفوا الإخوان إرهابيين مزايدين على إنجلترا وأمريكا.

2. والدليل الثاني:
وهو الذي لا يخفونه، لأن الأول يخفونه بدعوى أنهم يدافعون عن إسلام تونسي -لست أدري من يحق له تعريفه بدلا من الناخبين- هو:
نمط المجتمع الذي يريدون فرضه على الشعب التونسي، والذي ليس هو في خلاف مع الإخوان بل مع ثقافة الشعب لغته ودينه وقيمه وخياراته الخلقية والسياسية.
وهم بهذا الموقف ينقلون صدام الحضارات إلى الداخل: لم يعد الاستعماري هو الذي يحارب ثقافة الشعوب المستعمرة بدعوى “الرسالة التحضيرية” بل هذه “النخب” الحمقاء التي تتصور أنها أقدر منه على تغيير ثقافة الشعب بما يرضيهم هم وبما قد يرضي اليمين العنصري في الغرب.
وهذا هو الدليل القاطع على ميولهم الفاشية: أعني الفاشية الستالينية والفاشية القومية العربية والفاشية الباطنية والفاشية القبلية العربية وفاشية الفاشيات أو ممولة الفاشيات، أعني الأنظمة التي تمثل الثورة المضادة ضد شعوب الإقليم وخاصة شعب تونس “المجرم” الأول الذي فجر هذه الثورة المباركة.

وهم يستعملون الآن أمرين لتخويف السبسي:
1. على إبنه.
2. وعلى سلطته.
وقد يكونوا نجحوا في إخافة إبنه وهو ما يعلل موقفه الحالي من سياسة والده. لكني لا أعتقد أن السبسي “حريبشة للبلعان” فيخاف على سلطته، فالحكومة حكومته رئيسها هو الذي اختاره، ووزراؤها، وخاصة السيادية منها، هو الذي اختارهم.
والتخويف من الإسلاميين في الإنتخابات المقبلة لا يمكن أن ينطلي عليه.
أولا هو يعلم أنه لن يترشح بسبب سنه وصحته.
وهو يعلم أن النهضة ليست من الغباء بحيث تكرر ما حصل للإسلاميين في مصر.
يعلم إذن أنها تنتظر منه التفاهم على اقتسام السلطة شرطا في سلامة الوطن كما فهم من اللحظة الأولى.
لا أعتقد أنه يوجد ذو عقل بين الإسلاميين يفكر في احتكار السلطة حتى لو تصورناهم قادرين على ذلك.
وكل إنسان يعلم أن القوى السياسية في تونس ثعالبية كانت أو بورقيبية -ولا يوجد غيرهما عندما يجد الجد- حذرة جدا وعلى دراية بالتوازنات الإقليمية، ولا أحد منهم مستعد للمغامرة بأمن تونس.
المغامرون الوحيدون هم الخاسرون من الديموقراطية وهم ليسوا “جبهة الديموقراطيين”. هذا الاسم من الأضداد.
هم فاشيون وأغلبهم فاشلون في كل شيء ومستعدون للإبقاء على جذور الفساد، وأولها محاولة استغلال أجهزة الدولة وإدارتها وأجهزة الإتحاد وإدارته للوصول إلى السلطة بالطرق الإنقلابية.
هم إذن أعداء الديموقراطية وليسوا “جبهة الديموقراطيين”. ولا تفسير عندي لتردد السبسي في هذه الأزمة وعدم الحسم فيها بالطريقة التي يخوله الدستور باستعمالها إلا بكونه قد أخذ بعين الإعتبار ما حاولت وصفه هنا، وما أعتقد أن أي مراقب موضوعي يمكن أن يشخص الوضع بصورة تختلف كثيرا عما ذكرت.

شاهد أيضاً

في جدلية الوصائية والشعبوية

مصدق الجليدي يسقط المثقف الوصي ويحيا الشعب الحر الأبي هنالك انزلاقات من طبيعة معرفية وانحرافات ...

اترك رد