الثلاثاء ، 21 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / هل خيب الكونغرس أمال المراهنين على الإستئصال ؟؟!

هل خيب الكونغرس أمال المراهنين على الإستئصال ؟؟!

نور الدين الختروشي

روج بعض الإعلاميين وخصوم حركة النهضة في الأسبوع الماضي بهمة ونشاط إلى ممكن تصنيف الحركة أمريكيا كحركة إرهابية وكانوا “على يقين”أن حركة الإخوان المسلمينن ستكون في القائمة التي سيصوت عليها الكونغرس. ورغم معايير تصنيف الأمريكيين غير مقدسة وغالبا ما كانت تعبيرا عن مصالحهم وموصوفة بالإنتقائية والتلون والإستجابة لضغط اللوبيات وفي مقدمتها اللوبي الصهيوني الفاعل والمؤثر في القرار الأمريكي فإن جزء كبير من النخب الفاعلة في المشهد الوطني انتظرت تصويت الكونغرس على القائمة الجديدة للحركات والأحزاب المصنفة إرهابية بفارغ صبر بعد أن روجوا إلى حتمية تصنيف حركة النهضة ضمن القائمة، واستعدوا للإستثمار السياسي في المستجد السعيد لضرب عدوهم الخالد وعزله ولما لا البناء عليه لاستئصالها وشطبها من الساحة.

صدرت القائمة بعد التصويت ولم تكن من ضمنها حركة النهضة. كان الرأي العام الوطني والإقليمي والدولي سيصدم إذا ما صنفت الحركة ضمن القائمة الأمريكية للحركات المصنفة إرهابية بالنظر إلى سلمية الحركة التي عرفت بها منذ نشأتها.

هذا الفصل الجديد هو مجرد محطة في مسار ناريخي طويل يفصح عن حقائق فارقة في تاريخنا السياسي الحديث.
بعيدا عن اليومي والحدثي أسجل على هامش هذا المستجد أن قصة النهضة مع محاولات إلصاق الصفة الإرهابية بها قصة طويلة بدأت مع النظام البورقيبي في ثمانينات القرن الماضي، حيث ركزت الدعاية البورقيبية على عنوان التطرف والخمينية لتشويه صورة الحركة خارجيا، وانتهت مع النظام النوفمبري الذي استعمل فزاعة وتهمة الإرهاب لتصفية الحركة جسديا وسياسيا.
رغم الجهد الديبلوماسي والسعي المحموم الذي سعاه نظام المخلوع طيلة عقدين لإلصاق تهم الإرهاب بالنهضويين فقد فشل في ذلك فشلا سياسيا وديبلوماسيا مفزعا فقد كانت النتيجة عكسية، حيث تأكد المعنيون بالشأن الوطني في الخارج إبان الحقبة النوفمبرية من دكتاتورية نظام المخلوع كما تأكدوا أن قمع النهضويين لم يكن بسبب تطرفهم وإرهابهم بل بسبب إنحيازهم لمطلب دمقرطة النظام.
معركة “الصورة” التي خاضها شتات النهضة يومها في المهاجر كانت شرسة ومرهقة، وقد شاهدت وشهدت على بعض فصولها بين باريس وبروكسيل حيث الآلة الدعائية الجهنمية للنظام تطارد النهضويين في منابر صنع القرار السياسي والمنصات الحقوقية الدولية وأذكر أن بعض رموز اليسار كانوا أكثر همة ونشاطا وفاعلية في الترويج لخطاب النظام النوفمبري وفي تشويه الحركة واتهامها بالتطوف والإرهاب، خاصة مع إشتداد المواجهة بين النظام الجزائري والحركات الجهادية في أواسط التسعينات، يومها كانت حرب الكواليس بين النهضة وخصومها على أشدها، ورغم ضيق مداخل الإسلاميين إلى المنظمات الدولية الوازنة وعمق وامتداد اختراق اليسار التونسي لتلك المنظمات شأنه شأن اليسار الأممي، فإن النهضة تمكنت من حسم “معركة الصورة” حقوقيا كحركة مناضلة من أجل الحرية والعدالة وليست كحركة دينية متطرفة تسعى إلى فرض خياراتها الأصولية بالعنف.

عشية سقوط نظام المخلوع عادت النهضة إلى المسرح الوطني كحركة مناضلة من أجل الحرية والكرامة والعدالة واستقبلها الجمهور كطليعة دفعت كلفة النضال السلمي الديمقراطي وليست كجماعة دينية رفعت عنها مظلمة القمع البوليسي وكانت نتائج انتخابات العهدة التأسيسية علامة فارقة في حجم الثقة الأخلاقية والسياسية التي منحها الناخب للنهضويين فشرفهم وكرمهم ليكتبوا عقد المواطنة والديمقراطية المؤسس للجمهورية الثانية.
وقد شهدت السنوات السبعة الماضية بعد الثورة حركية نهضوية ناشطة ووازنة في المسرح الدولي تحت غطاء “الديبلوماسية الحزبية” لتشبيك العلاقات وتحسين صورة النهضة لا كحركة سياسية مدنية معارضة بل كحزب حاكم جدير بثقة المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين. ويبدو أن زعيم الحركة قد حقق نجاحا ناريخيا فارقا في هذا الصدد بالنظر إلى حضوره المتكرر في أهم المنابر الدولية المعنية بتحديد مستقبل العالم ولم يكن اختياره ليوشح بالعديد من الجوائز الدولية الرمزية كان آخرها جائزة غاندي للنضال السلمي إلا تعبيرا عن حجم الإحترام والذي يحضى به زعيم حركة النهضة دوليا والذي يضاهي وقد يتجاوز حجم وسمعة الزعيم بورقيبة.

تحول حركة النهضة من حركة مصنفة على تخوم التطرّف والإرهاب إلى نموذج للإسلامية الحركية المعتدلة دوليا، كسب استراتيجي لا تنجزه يوميات السياسة، بل نراكمه مسارات متعددة يتشابك فيها التاريخ السياسي مع الرمزي والثقافي والأيديولوجي وتعلنه السياسة عندما تتخمر تلك المسارات وينضج الوضع السياسي.
كانت المعركة بين النهضة وخصومها طيلة المرحلة الإنتقالية تتصل بتحدي نفي دعوى الرسمية التونسية منذ ثمانينات القرن الماضي المتصلة بالطبيعة المتطرفة ايديولوجيا والإرهابية سياسيا لحركة النهضة…
أذكر من موقع المعاينة أنه وخلال عقدين في الخارج كانت المؤسسات الحقوقية والسياسية النافذة دوليا تستقبل ضحايا النهضة بوصفهم نصف ظالمين ونصف مظلومين.
كان مدار جهد النهضة سياسيا وعلى مدى عقدين في الخارج، محوره “معركة الصورة” وأفقه إثبات اعتدال ووسطية الحركة…
كان مدار الإستراتيجية الدفاعية يتصل بالصورة… صورة النهضة كحزب سياسي وطني وديمقراطي بقدر ماهو إسلامي متدين.

المفارقة الحقيقية في هذا السياق هو أن جزء من اليسار التونسي وبحساب سياسي وحقوقي تحالف مع النهضة وساهم في معركة تحسين صورتها، هو نفس اليسار الذي استعمل المباح وغير المباح بعد الثورة، من أدوات المناورة والصراع السياسي وغالبا بخطاب حربي معلن ليثبّت لدى الرأي العام الدولي الصورة الإرهابية للنهضة التي كان يسوقها نظام المخلوع وشرعت لحربه الاستئصالية على الإسلاميين.
استدعى غالبية اليسار التونسي أجهزة حربه الرمزية خطابا، وتحالف مع بقايا النظام النوفمبري ليخوض “معركة الصورة” على أرضية المقدمات التي شرّع على أساسها بن علي ومن قبله بورقيبة حربه على الإسلاميين.
معركة الصورة ليست معركة سياسية، بل معركة متعددة الواجهات انتهت بتعميد صورة جديدة لحركة النهضة جوهرها المصالحة التاريخية بين الديمقراطية والإسلام، وتعبيرها السياسي المباشر والعيني كان في تموقع النهضة كمكون ثابت للخارطة السياسية في حقبة وطنية هائجة ومتموجة، وينخرها مسار تحلل فيه من السرعة وفيه من القسوة وفيه من الفوضى ما عصف بأغلب الأحزاب والمكونات التقليدية للمشهد. وقد برزت استثنائية “الحالة النهضوية” في قدرتها على تحويل مكسبها الحزبي في الحرب الرمزية حول صورتها إلى مكسب وطني تاريخي واستراتيجي يتصل بحقيقة الدور الإيجابي الفاعل للإسلامية الحزبية في تثبيت وصيانة وحماية المنجز الديمقراطي وطنيا وعربيا.

شاهد أيضاً

في جدلية الوصائية والشعبوية

مصدق الجليدي يسقط المثقف الوصي ويحيا الشعب الحر الأبي هنالك انزلاقات من طبيعة معرفية وانحرافات ...

اترك رد