الثلاثاء ، 21 أغسطس 2018

لروحها السلام

نور الدين الغيلوفي

في سنتي الأولى من التعليم العالي تنادى الطلبة، مرّة، من مختلف الأجزاء الجامعية إلى مظاهرة وسط العاصمة نسيتُ مناسبتها.. كان شارع قرطاج يعجّ بالمتظاهرين يصرخون.. “بالروح بالدمّ نفديك يا فلسطين”.. وفي غمرة ما نحن فيه من صراخ وخوف من البوليس المُلاحق لفت سمعي صوت لشاب على يساري يصرخ نشازا لم أفهمه وقتها.. “بالدمّ بالدمّ نفديك يا فلسطين”.. أرأيت لو أنّك كنت تقود سيارتك في الطريق السيارة ووجدت نفسك وجها لوجه مع سيارة تسرع في الاتّجاه المعاكس؟ ذاك كان شأن الفتى.. يجري وحده عكس مجرى الواد… كان الصوت يصدر عن وجه أصفر ذابل لا دم فيه كأنّ روحه غادرته لتوّها.. شاب جاوز العشرين لا يكلّف نفسه حتّى عناء السؤال عن الروح.. ألأنّ “الروح من أمر ربيّ” وهو يتيم لا ربّ له؟ أشفقت على الفتى وواصلت سيري.. ولست أدري ما الذي حلّ بالسيارة المعاكسة بعد ذلك.. تلك سيارات قدَرها الاصطدام…

•••

لروحه السلام..
تقرأها على بعض صفحات التواصل متعلّقة بحدث الموت.. هذه المرّة ألحقها بعضهم بالفنّانة السورية المعارضة مي سكاف.. رحمها الله.. ورحمته وسعت كلّ شيء…
عبارة بعد لم أفهمها.. تحتاج مختبرات لفهمها في مجالنا التونسي الذي اعتاد الناس فيه أن ينحنوا لجلال الموت ويخضعوا لسطوته ويتنازل الكلّ ليردّدوا في شأن من ينتخبه الموت “الله يرحمه”.. أذكر أنّني ذهبت لتعزية صديق شيوعيّ في بعض عائلته.. ولما حضنته معزّيا أجابني بعبارة تلقائية خرج بها عن حواجز الإيديولوجيا.. قال “حاجة ربّي.. الله يرحمهم”…
قد لا تفهم ما الله ومن هو ولكنّك أمام الموت ترجع إليه وتدعوه، قوّةً لا تدركها، أن يتولّى الميتَ برحمته ويجزل لذويه من جميل صبره.. وقد تكتفي باعتبار ذلك ضربا من التنفيس أو تصعيدا لما تجد من ضعفك الوجوديّ.. وكثيرا ما تسمع المصاب يردّد أمام مصيبته في تسليم بيّنٍ “حاجة ربّي”.. قد يختفي الله في سائر حياة البعض فإذا نزل الموت بأرض حلّ الله بحلوله.. “لله ما أعطى ولله ما أخذ”.
ولو أنّك اعتبرت الله وغيره من المقولات الدينية مجرّدَ فرضيات لما جزمت بنفيها ولما أسلمت أمرك ليقين لا دليل لك عليه ولما اطمأننت إلى ما أنت فيه، لا سيما متى كنت أمام حدث مزلزل.. الموت بما هو تحوّل من حضور معلوم إلى غياب لا دراية لأحد من الأحياء به.. حدث يخفي ما بعده لا تأتي به الأخبار إذ الأخبار تروي ما لفّه الانقضاء وتلبّس بالانتهاء..
الموت الراصد تكون معه كل أشكال الطمأنينة ضربا من الحمق وغيابِ العمق.. ولقد فهم أبو العلاء المعرّي ذلك فقال قولته الشهيرة:
(قال المنجّم والطبيب كلاهما *** لا تُحْشَرُ الاجساد قلت : إليكما )
(إن صحّ قولكما فلستُ بخاسرٍ *** أو صحّ قولي فالخسار عليكما)
لم يستطع المعرّي أن يقبع عند مربّع النفي القديم لمّا كان يقول عند تمحّض العقل:
(تُحطمنا الأيام حتى كأننا … زجاج ولكن لا يُعاد لنا سبك)
لقد كان المعرّي يدرك بعقله الحادّ أن لكلّ شيء منتهى.. حتّى الشك له نهايته.. فلم يطمئنَّ إلى ما كان فيه من نفي.. وذلك فضل الشكّ إذا لم يرضك بالإثبات فأحرى به ألّا يوهمك بخلاص النفي… ذاك من العقل.. والعقل عقال…
لروحه السلام؟ ما الروح؟ وما السلام؟ أليس الروح من عالم الماوراء؟ من اختصاص السماء؟ أوَليس السلام المطلوب هو رحمة الله.. ورحمة الله وسعت كلَّ شيء.. حتّى أولئك الذين يردّدون بلا فهم “لروحه السلام” في تسليم لمقولة كنسيّة عَقَلَهَا الغيابُ…

شاهد أيضاً

شباب !!!

نور الدين العويديدي كان شيخنا الجليل الاستاذ منير شفيق يقول لنا أيام اشتداد محنة النفي ...

اترك رد