الأحد ، 23 سبتمبر 2018

غاضبون ؟

لزهر صقري

مضامين البيان (بيان الغضب رقم 1) تكشف على نحو يسير نوعا من المثقّفين الخائفين لا الغاضبين، أو لعلّ غضب بعضهم الأصدق والأعمق ليس بسبب ما البلاد فيه، بل بسبب غياب ما يُمكن أن يجعلهم هم تحديدا مطمئنّين إلى استمرار أوضاعهم وامتيازاتهم. والكثير منهم، وهو يطلق صرخة الإدانة لما بقي من سلطة، بحسب تعبيرهم، مستفيد تماما من هذه السّلطة ويلقى منها حظوة لم يلقها في أزمان الاستبداد، ويلقاها دون أن يكون كما كان قديما مضطرّا إلى إراقة ماء الوجه في سبيل ذلك.

إنّ مواضيع الغضب المذكورة في البيان كغلاء الأسعار وانهيار النّظامين الصّحّي والتّعليمي والتّهرّب الجبائيّ وغرق الدّولة في الدّيون الخارجيّة ليست إلّا الإطار الذي يُحتاج إليه في إبعاد العين عن مواضيع الغضب الرّئيسيّة المتمثّلة:

أوّلا فيما سمّاه البيان “الائتلافات الزّائفة وغير الطّبيعيّة،

ثانيا في ضعف السّلطة التي تترجم آليّا ضعف المنظومة الأمنيّة،

ثالثا في “ممارسات الفاشية العقائدية الزّاحفة والمدمّرة”.

وكلّ موضوع من هذه المواضيع يُخفي ثابتا من ثوابت جانب كبير من النّخبة التّونسيّة. فما يُشير إليه البيان مثلا في صيغة التّعميم والجمع من الائتلافات الزّائفة لا يُقصد به إلّا ائتلاف واحد لا غير هو ائتلاف حزب النّهضة وحزب النداء بُعيد انتخابات 2014. وقد مثّل هذا الائتلاف، وفيه الكثير من المطاعن الجوهرية من غير تلك التي يلمّح إليها البيان، خيبة أمل كبيرة في أوساط النخب المحسوبة تقليديّا على تيّار الحداثة والتّقدمية. وكانت هذه النّخب في معظمها الواجهة الثقافية لحزب نداء تونس وحلفائه في فترة حكم الترويكا.

أمّا إشارة أصحاب البيان إلى الفاشيّة العقائديّة الزّاحفة فالمقصود بها ردود الأفعال التي لقيها تقرير لجنة الحرّيّات الفرديّة والمساواة منذ ظهوره ونشر مضامينه على صفحات التّواصل الاجتماعيّ. وإذا كان جانب من ردود الأفعال هذه مغاليا في التّجريح والتّكفير فإنّ الانتقال من ذلك إلى الحديث عن الفاشيّة مبالغة شديدة لا يبرّرها شيء عدا الخوف الذي غذّى دائما ومازال يغذّي الدّعوة إلى منظومة أمنيّة قويّة، تكون الضّامن لسلامة بعض النّخب العاجزة لأسباب كثيرة عن التّأقلم مع فترات الاضطراب الكبرى كالتي تعيشها تونس منذ 2011.

ما يُمكن الخلوص إليه أخيرا أنّ البيان حلقة من حلقات بيانات متواترة صادرة عن نخب تريد، رغم تحيّزها السّياسيّ الظّاهر ومساهمتها الدّائمة في تغذية الاستقطاب الثّقافي الزّائف، أن تلعب دور ضمير البلاد الأخلاقيّ وأن تستنسخ في غير إقناع صرخات غضب لمثقفين كبار في مراحل تاريخية دقيقة دون أن تكون لمعظمهم الحدود الدنيا من الأرصدة المعرفية وخاصّة الأخلاقية التي تخوّل لهم ذلك.

شاهد أيضاً

للتًفكير: “كتلة المكتب التنفيذي”

أحمد الغيلوفي • 93 % من الإضرابات التي شهدتها البلاد منذ تاسيس الإتحاد حتى الآن ...

اترك رد