الإثنين ، 20 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / حداثيو تونس هل هم مثقفون ديموقراطيون ؟ أم حمقى فاشيون ؟

حداثيو تونس هل هم مثقفون ديموقراطيون ؟ أم حمقى فاشيون ؟

أبو يعرب المرزوقي

من مفارقات الحداثيين العرب خاصة، التناقض الواضح بين قولهم بوحدة المسار التاريخي الإنساني بنوع من إضمار أساس المادية الجدلية أو حتى المثالية الجدلية، وفي نفس الوقت اعتبار إمكانية القفز على المراحل والبدء من أي مرحلة شاءوا في عملية التحديث.

والتناقض البيّن هو في الجمع بين الحتمية التاريخية -وهو معنى الجدلية سواء كانت مثالية (هيجل) أو مادية (ماركس)- وإمكانية بدء اللاحق في محاكاة السابق، ليس باتباع نفس المسار الحتمي من المرحلة التي بدأ بها السابق، بل من المرحلة التي وصل إليها من دون شروطها المتوفرة عند السابق.
وسآخذ مثال الرؤية الماركسية، وهي ضمنيا الأساس الذي يعتمدون عليه في عملية التحديث التي مبدؤها كفانا تأويلا للواقع فلنغيره. ومن ثم، فالواقع لا يتغير بحسب قوانين تجعل القفز على المراحل غير ممكن، بل هم يجعلونه قابلا لذلك فلا يلتزمون بالمبدأ الذي يقولون به.

فلنشرح ذلك بالمسار الماركسي
كان من المفروض بمنطق فلسفة ماركس، ألا تحصل الاشتراكية في دولة زراعية، بل لا بد أن تكون قد وصلت ذروة الرأسمالية وأن تكون قد تكونت فيها طبقة برجوازية تؤمن بوحدة السوق العالمية وتعمل بمنطقها لكي يعمل منطق الصراع بين أدوات الإنتاج وعلاقاته، لأن الأولى هي التي بتغيرها تغير الثانية.
ومن ثم، فمركسة روسيا في بداية القرن العشرين، والصين في منتصفه، وكل توابعهما، لم تكن أمورا خاضعة للرؤية الماركسية، بل هي خروج عن “علمه” وحتمياته وتدخل باسم التغيير والاكتفاء بما حصل من التأويل. وهذا إذن منطق جماعتنا سواء كانوا ماركسيين أو هيجليين يقدمون المثالي على المادي.
وهذا ينتج عنه ضرورة أنهم لا يمكن أن يصفوا أنفسهم بالديموقراطيين، لأنه في حالة عدم توفر الشروط المادية (الرؤية الماركسية) والثقافية (الرؤية الهيجلية) لم يبق إلا التغيير العنيف بقوة من استبدوا بأجهزة الدولة وبسند من قوة خارجية، لأن الشعب من دونها كان يمكن أن يلغي الاستبداد بثورة.
وهذا ما حصل في بلاد العرب منذ 2011.
هؤلاء المتكلمون اليوم على تمثيل الجبهة الديموقراطية ليس وراءهم شعب، بل هم بقايا النظام الذي وقعت عليه الثورة بدليل نتائج الانتخابات الأولى وفشلهم في الثانية، وخاصة في الثالثة، وهم يتحركون اليوم توقعا لفشل أكبر في القادمتين الرابعة والخامسة.
ودليل ذلك، رغم أنه غني عن الدليل، النماذج التي يقدمونها: فهم يقدمون النموذج المصري. ثم الحلفاء الذين يسندونهم بالمال: مافيات النظام السابق، ثم أنظمة الثورة المضادة في الخليج وفي إيران.
والطامة الكبرى هي حلفهم مع بشار الذي قضى على نصف شعبه وسلم البلد للاستعمارين والذراعين ومليشياتهما.
وهو ما يعني أن كلمة ديموقراطية لها نفس الدلالة التي تعطيها إياها إسرائيل: هي من نصيب شعب الله المختار وحده. وهم يعتبرون أنفسهم من “نخبة الله المختارة”. طبعا إسرائيل تنسب كل الشرور التي تمثلها إلى الرب الذي يعطيهم حق جعل بقية البشر “جوهيم”. لكنهم هم جوهيم عند من جوهمتهم إسرائيل.
هم عبيد (للغرب) العبيد (لشعب الله المختار)، ولذلك فهم حلفاء الثورة المضادة الخليجية التي يمثلها صبيان غبيان يتصوران أن المسلمين عامة والعرب خاصة يمكن أن يكونوا جوهيما لإسرائيل أو موصى عليهم لآل البيت المزعومين.

شبابنا بجنسيه ثار ولن يستطيع أحد صده عن تحقيق مطالبه
فهبنا سلمنا لهم أن مسار الحضارات واحد وأن مراحل التاريخ الإنساني فيه حتمية مثل التاريخ الطبيعي، أفلا يكون من الضروري أن تكون مراحل هذا التاريخ متوالية بمنطق المتقدم يعد للمتأخر ولا يمكن الانتقال من مرحلة إلى أخرى من دون تحقق شروطها في التي تقدمت عليها؟
لو طبقنا هذا المبدأ -تسليما بصحته- فقد نفهم نكوص روسيا وعودتها إلى الخيار الذي يمكن أن يؤدي في الغاية إلى المركسة بشروط المادية الجدلية، ولكن بشرط أن تكون أمريكا قد سبقتها إلى ذلك لأنها هي الأقرب إلى التوقعات الماركسية من حيث تراتب المراحل والشروط. وكذلك الصين ربما بعد روسيا إلخ…
القول بغير هذا التسلسل هو بالأولى أقرب إلى الصف الثاني، الذي، “لأنه ظلامي” كما تعتبرونه، يمكن أن يؤمن بالقفزات وكذلك بالتنوع في المسارات التاريخية.
وفي الحقيقة الصين واليابان وجنوب شرق آسيا أقرب إلى رؤية الظلاميين منه إلى رؤية التنويريين: فهو يعتمد قيم الثقافة الأهلية لتحقيق التحول.
محاولة الجمع بين أدوات الإنتاج الحديثة التي يسهل تحديثها، أو على أن يكون تحديثها أسرع، وعلاقات الإنتاج التي يصعب تحديثها أو يكون تحديثها أبطأ، لأنه من جنس ما حدث في أوروبا نفسها التي كان إيقاع تحقيق شروط التحديث بطيئا وشديد البطء، كان الحل الذي نجح في آسيا عامة وفي جنوب شرق آسيا خاصة.
صحيح أن قربنا من أوروبا وعيشنا الطويل تحت استعمارها كون عادات تحاكي عاداتها وأنماط عيش تحاكيها وكلفتها لا تستطيع البنى الاقتصادية الهشة لمجتمعاتنا تحملها وتحقيق شروط التنافس الاقتصادي التي هي شروط البقاء للقاعدة الصناعية خاصة في بداياتها، مثال ذلك الذهنية النقابية الفرنسية، فهي من العوامل الأساسية لتوقف تشجيع تمويل الاستثمار وهروب أصحاب المصانع التي تبحث عن العمل قليل الكلفة مع نفس الكفاءة وميلها إلى العمالة الآسيوية في الهند والصين وفي جنوب شرق آسيا.
وهذه أمور اعرفها عن قرب لأني عملت هناك وأعلم ما هي ثقافة العمل هناك.

عندما تكلمت على أمية مثقفينا، كان هذا قصدي، فالجهل بالشروط الحتمية للاقتصاد، وخاصة عندما تكون بنيته الأساسية بالهشاشة التي عليها في بلادنا، وعندما تكون ثقافة العمل في أدنى المستويات، وثقافة المطالبات النقابية من جنس أفسد العادات الأوروبية، أعني الفرنسية مع فساد البطالة المقنعة. فسلطان النقابات في بلادنا، وشعبوية الأنظمة بفكرة الدولة الحاضنة، والدعم مع تدني الإنتاجية، والفساد، وسوء التصرف، يجعل الشركات الوطنية كلها مفلسة لأنها تحولت إلى تكايا يخفي البطالة المقنعة للمقربين من المافيا الحاكمة ومن المافية النقابية، فإن الإقلاع مستحيل البناء على أسس سليمة.
وما أقوله على الاقتصاد يقال مثله وأكثر منه في مستوى الثقافة والبحث العلمي.
فما يسمى جامعات يخضع إلى نفس المنطق، حيث ملئت بمثل ما ملئت به الشركات الوطنية بالوساطات وخاصة فيما يتعلق ببعض الزعيمات من “الغاضبات” والزعماء من “الغاضبين” الذين حولوا الجامعات إلى اقطاعيات لذوي النفوذ والمبالغات في تفريعات الاختصاصات التي لا تصلح لا للدنيا ولا للدين في مجتمعات من المفروض أن تكون جامعاتها للبحث العلمي المساند لتأسيس شروط الاستقلال في الرعاية والحماية، وخاصة في المراحل الأولى من المنظومة التربوية التي هي حشو أدمغة لا تعلم شيئا مفيدا في “التحديث الإيديولوجي”.

وبذلك يتبين أن مشكل المشاكل مع أدعياء التحديث الجهل التام بشروط التنمية المادية والعلمية التي تحقق شروط التحديث المستقل وغير التابع وشرطه ألا يثقل كاهل القاطرة الاقتصادية والثقافية حتى تتوجه مباشرة إلى تحقيق ما قضت أوروبا في تحقيقه خمسة قرون بأسرع ما يمكن كما حدث في آسيا.
وبدلا من ترك شعوبهم تعتمد ثقافتها في تحديد الغايات بقيم تساعد على الصبر والمثابرة في العمل والقبول بالتضحيات، يريدون أن يوفروا لقلة متحالفة مع مافيات فاسدة، بل هم بدورهم مافية فاسدة ماديا وخلقيا حتى يعيشوا “الوربيان” بالنمط الغربي دون تضحيات عاشها الغرب قبلنا وبالتنازل على السيادة.

ولما كانت تونس ليست ليبيا ولا الجزائر ولا من دول الخليج، فإن ثروتها الوحيدة هي شبابها بجنسيه الذي ثار، ولو كان المثقفون مثقفين حقا، لكان دورهم تشجيعه على الوصل بين الغايات التي ثار من أجل تحقيقها وبين شروطها التي تتطلب منه تغيير ثقافة العمل لسد الحاجات الفعلية لمجتمعه.
لكنهم بقلب الترتيب بين الشرط والمشروط، وبالمطالبة بالمشروط حتى بمنطقهم هم بدلا من الشرط، تراهم يشجعون الشباب على كل ما حصل من ارتماء في البحر، وحتى مما يتهمون غيرهم به أي الإنتساب إلى حركات مشكوك في صدقها الجهادي، لأن الأبواب سدت أمامه بثقافة ليس له شروطها.

وغاية القول وزبدته، أن مشكل هذه النخبة هو حقا الحمق السياسي والأمية المعرفية في مجال بناء الأمم.
ولأختم بإشارة: الاتحاد الذي يهدد، لا يهدد إلا نفسه.
لو لا قدر الله “بركوا تونس” أو حتى “اخذوا” الدولة، فلن يخسر إلا هو: فهو يعيش من حلب الدولة مثله مثل إتحاد الأعراف. كلاهما يرضع حليب الدولة.
فإذا أفلست الدولة -وهي على أبواب الإفلاس- فإن الإتحاد لن يجد من “يصب” له 2د في 700 ألف مشترك. وسيفلس وينفض عقده قبل إتحاد الأعراف الذي سيهرّب كل ما سرقه من رضاعة الدولة منذ أكثر من 7 عقود. لذلك فلا تهددوا أحدا بكلامكم.
إذا ادخلتم البلاد في الفوضى فأنتم أول الخاسرين.

شاهد أيضاً

هل كان حقا رئيسا لكل التونسيين ؟

عادل بن عبد الله حسب الدستور التونسي، فإن سلطات رئيس الدولة تكاد تنحصر أساسا في ...

اترك رد