الإثنين ، 20 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / ما وراء البيان عدد 1 لمافية الثقافة

ما وراء البيان عدد 1 لمافية الثقافة

أبو يعرب المرزوقي

لم أعلق على بيان “مثقفينا” عدد 1، أقصد من نصبوا أنفسهم مثقفينا، إلا على طبيعة هذا المصطلح “بيان 1”:
هل هو يأس من انتظار جنيسه المعتاد، فاكتفوا بالاستعارة؟
أم هو دعوة إلى جنيسه، وحينها لن يكون عدد 1 بل عدد 2 الذي لن يصبح عدد 1 إلا بإلغائهم كما فعل بطلهم ومثلهم السيسي؟

وهو ما يعني أنهم يريدون أن ينهوا آخر ما يمكن أن ينسب إلى بورقيبة من فضيلة:
الجيش الوطني الذي لا يتحول إلى دكتاتورية فاشية كما يوجد عند من يتمنون أن يوجد لدينا.
ولن أجادل في خياراتهم فهم فيها أحرار، ولكن في مدى جدية دعواهم أنهم يمثلون ثقافة تونس التي يريدون المحافظة عليها.

فالنظام البورقيبي حتى في أضعف فتراته، لم يعسكر النظام، بل كان ضد أي دور للجيش وحتى للأمن (كما فعل ابن علي) في سياسة تونس بل كان أحرص الناس على مدنيتها والاعتماد على حزب سياسي.
ومهما وظف أدوات الدولة الإدارية والسياسية، فهو لم يوظف أجهزة قوتها كما فعل من بعده ابن علي.
ولم أفهم سلوكهم مع بورقيبة ومعارضتهم له باسم نفس العنوان “المثقفون التنويريون واليساريون والقوميون” بمعنى أنهم كانوا منذئذ مستعدين للتضحية بأكثر من عشرين ألف تونسي من أجل أن يصبحوا مفكري النظام على الشكل الفاشي اليساري الذي صاروا يسمونه الآن “الديموقراطي”.
وهم في الحقيقة يسمون “ديموقراطي” الآن في الأقوال الديموقراطية الليبرالية ما يعنونه في الأفعال، أي الديموقراطية التي تجعلهم هم كهنوت الحكم على الطريقة الستالينية.

ولما كانت تونس ليس لها إمكانية أن تستقل بمثل هذا النظام، فهي ستكون كهنوت المافية الخفية التي تحمي مصالح الأم الفرنسية.
وقد تكون هذه الأم “هجينة” فرنسية إماراتية سعودية باسم علمنة ليبرالية في الأقوال، وقبلية في الأفعال، إذ كلنا يلاحظ أن حفتر في ليبيا يعمل مع “اللفيف الاجنبي” الفرنسي، وطبعا فهذا اللفيف ليس متقنا الهجنة الخليجية لكنه يفعل خوفا من خسران الساحة وخروجه منها لصالح من يحرك دمى الثورة المضادة.

ورغم أني استبعد أن يكون جيشنا الجمهوري، وحتى داخليتنا التي لا يمكن أن تعارض موقف الجيش، يمكن أن يسمع لمثل هذا النداء الصريح للانقلاب، فإن ممن يدعون الانقلاب عليهم السياسيين -استعملوها للتعميم- من يقود مثل هذه الدعوة لأن دعوته الاولى -الرز بالفاكهة- توقفت دون دفع ثمن 20 ألف.

ولا أحد يجهل أن الصف الثاني الذي يستهدفونه لو كان مثلهم مستعدا لخيانة الثورة بإيصال تونس إلى ما يسعون إليه، لكانت المهمة أيسر. فعددهم جميعا دون العشرين ألفا التي هم مستعدون للتضحية بهم.

لكن تونس فيها عقلاء من فرعي نفس الحزب الذي حررها من أمثالهم “حركيي” تونس.
فلن تجد بورقيبيا أو ثعالبيا على ما بينهما من خلاف واختلاف -لعل التاريخ بين أن تقاربهما أصبح ضرورة، لأن كلا الخيارين ثبت فشلهما في تركيا وفي تونس وفي أي بلد اراد أن يستأنف دوره بوهم القطع الجذري مع ماضيه أو بوهم المحافظة عليه كما هو- يقبل بالتضحية بتونسي واحد من أجل “رفاهه الشخصي”.

بيان الغاضبين والغاضبات رقم 1 هو تعبير عن يأس وأمل.
يئسوا مما حاوله اصحاب الرز بالفاكهة ويسعون إلى “الرز بالثقافة”.

وطبعا بعض مفكريهم لا يخفون أنهم مستعدون لدفع ثمن أكبر من 20 ألف تونسي.
ذلك أن ما حصل في تونس من مسار ديموقراطي يصعب النكوص دونه بكلفة أقل من الأولى.

لو كان لهؤلاء الذين نصبوا أنفسهم مثقفين ليس باسم ثورة ثقافية، بل باسم ثورة عسكرية، بدليل المصطلح، كان لهم ذرة من عقل لفهموا أن ما عجز دونه الاستعمار لمدة 75 سنة وما عجز دونه بورقيبة رغم شرعيته التاريخية لمدة ثلاثين سنة وما عجز دونه ابن علي لمدة ثلاث وعشرين سنة، لن ينجح فيه أدعياء الحداثة السطحية.

شعب تونس هو الذي يحدد مقومات كيانه وهو الذي يدافع عنها، وهو الذي تجد في جيشه وفي أمنه وفي نخبه الصادقة التي تواصل مهمة أجدادهم الذين حرروه من الاستعمار المباشر ومستعدين لمواصلة العمل من أجل تحريره من الاستعمار غير المباشر، لن يخيفه “حركيو” الحداثة القشرية.

ولن يخفي الخلط بين المطالب الشرعية التي تتعلق بالوضع الاقتصادي والاجتماعي بما يراد إخفاؤه عند الكلام على “ما بقي من عقل” في تونس كناية على ما يسمونه “جبهة الديموقراطيين” أو على ما هو اخطر، أي اجهزة القوة الشرعية للدولة بنية دعوتها للقضاء النهائي على الارث البورقيبي.

ولما كانت كنايتهم مبهمة أو ملتبسة فلن أبالغ في التأويل وأكتفي بقرينة “بيان عدد 1” لأن هذه القرينة بينة الدلالة ولا حاجة لتأويل بعيد.
ولما كنا نرى كثيرا أماني الكثير ممن يعبرون عن أحلامهم يترقبون ويستدعون البيان عدد 1 من مجلس عسكري أو أمني، فإن الدعوة واضحة.
فمجلس قيادة الثورة الآن صار له دلالتان:
دلالة “مثقفي” الثورة المضادة مدخلا ثانيا بعد فشل المدخل الأول الذي هو ارث بورقيبة الجيش الوطني الذي لا يغير تقاليده الجمهورية لتكون قيادة جبهة الإنقاذ الثانية التي يسمون المنتسبين إليها بالديموقراطيين الذي يريدون أن يحكموا بمنطق الانقلابات.

وحتى نخرج من تبادل التهم فليبدأ “المثقفون” التخلي عن كذبة “الديموقراطيين” التي تعني استثناء الإسلاميين.
لكأن الديموقراطي صار يعرف بغير الإسلامي.
ألا يوجد فاشيون من غير الاسلاميين؟
من حكم بلاد العرب طيلة قرن كامل؟
مسؤولية ما آلت إليه الأحوال هل يتحملها غير الحداثيين المزعومين؟

وإذا كانت ثورة الشباب بجنسيه قد حصلت ضد الماضي الذي صنعه أدعياء التحديث والإسلاميون لم يحكموا إلا سنتين بالكاد، فلماذا يحملون مآل الامور في تونس؟
إذا كانت تونس على أحسن ما يرام، فلماذا ثرتم وقد زعمتم أنكم أنتم من ثار على الوضع؟
ثم من يحكم منذ 2014؟

من يصدق كذبة حكم الإسلاميين؟
هل مجرد رفض المناورة الثانية المجانسة للأولى التي أطاحت بحكومة الصيد لنفس العلل التي تعود إلى ازمة في الحزب الحاكم الفعلي، يعد دليلا على أن هذه الحكومة هي حكومة الإسلاميين؟
حسنا، لنفرض أن الشاهد وقع له ما وقع للصيد، هل يعني هذا أن ما تدعون علاجه سيتعالج بطريقة أخرى؟

هل يوجد من يصدق أن تونس ستصبح ذات سيادة، كما يدعي المتكلمون باسم الجبهة لو حكموا هم، فتصبح مستغنية عن العلاقة غير المتوازنة مع أوروبا بعصا سحرية؟
وهل يمكن لبلد ارتبط منذ ستة عقود بوضعية جعلته رهن إرادة خارجية، يمكن أن يتخلص منها من دون وحدة وطنية صادقة؟
ما الذي يجعل الأحزاب، التي حتى لو اتحدت فهي لن تصل إلى ما يشترطه أي نظام يحترم معنى الديموقراطية حدا أدنى للتمثيلية حتى يصبح من حقه الكلام باسم الشعب في مؤسسات السيادة فيه، أعني خاصة المجلس النيابي فيصبح من لا يمثل 1 في المائة يدعو للانقلاب برمزه “البيان عدد 1″؟

وكيف يمكن للمتكلمين باسم هذه الأحزاب أن يكون ديموقراطيا في تونس ومتحالفا مع بشار والسيسي واميري الإمارات والسعودية وحتى مع ملالي إيران؟
هل يوجد عاقل يقبل هذا السكيتسوفرينيا؟
وكيف يتكلمون باسم الثورة وهم يرون أمثال شباب تونس الذي ثار يقتلون ويشردون فيصفقون للمجرمين؟

أخيرا، إذا كنتم حقا غيارى على الديموقراطية والعدالة الاجتماعية فلتأتوا لكلمة سواء وليشرع الجميع في تجاوز حزازات الماضي وكاريكاتور التحديث:
فمن يريد التحديث ويعتبر أوروبا نموذجه فيه، فعليه أن يحدد في أي مرحلة نحن من مراحل التحديث الذي تحقق في أوروبا: هل نحن في بدايته أو في غايته؟
ألسنا نرى أن بلاد الشرق الأقصى التي تمكنت من تحقيق التحديث بحق هي البلاد التي عملت بهذا المعيار: فلم تأخذ التحديث بالمقلوب من غايته إلى بدايته، بل هي اتبعت سنن التغيير والتحديث.

فمثلا لو كانت النقابات في الشرق الأقصى تطالب بما تحقق في أوروبا مؤخرا لما استطاعت المنافسة الاقتصادية.
من جعل كل الشركات الوطنية تفلس؟
أليس تحويلها إلى مؤسسات ضمان اجتماعي للتوظيف الأهوج بدلا من الابقاء على شروط نجاحها الاقتصادي أولا؟
فإذا كانت أي مؤسسة اقتصادية تستعمل ثلاثة أضعاف ما تحتاج إليه، فهي لن تسمح بالتطور والاستثمار بل ستفلس حتما وذلك ما يحصل.

تريدون دولة حاضنة بقيم ليبرالية وهو ما لم يحدث في أي بلد في العالم.
فالدول الحاضنة تتخلص من هذا المفهوم لأن من شروط النجاح الاقتصادي أن يكون المجتمع هو المنتج لما يسد الحاجات الاقتصادية والثقافية مواد وخدمات وليس الدولة.
وعندما تكون الدولة، فإنها ستكون بالضرورة فاشية شيوعية.

الكلام على قيم ليبرالية وقيم شيوعية وعلى حداثة مقلوبة تبدأ بالغاية وليس بالبداية، تؤدي إلى التسول الذي نراه في كل البلدان التابعة وهي تتسول فتات ما يسرق من ثرواتها التي تركها شبابها لأنه صار “مثقفا” بالمعنى التي تمثله مافية “الثقافة” في كل بلد عربي بدعوى الحداثة.

شاهد أيضاً

هل كان حقا رئيسا لكل التونسيين ؟

عادل بن عبد الله حسب الدستور التونسي، فإن سلطات رئيس الدولة تكاد تنحصر أساسا في ...

اترك رد