الإثنين ، 20 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / عندما يُحاصر راشد الغنوشي قصر قرطاج

عندما يُحاصر راشد الغنوشي قصر قرطاج

بحري العرفاوي

الاستاذ راشد الغنوشي يمتاز بفرادة في “الشخصية” سواء من حيث هو مفكر إسلامي مفتوح على الكوني أو من حيث هو سياسي مفتوح على التوافق أو من حيث هو رئيس حركة مفتوح على الإختلاف، شخصية تُثير الجدل إذا تكلمت وإذا صمتت وإذا سألت بل إن كثيرا من أهل السياسة والإعلام يؤولون ابتساماته التي لا تُحمل على محمل واحد فلا يفهم من هو قُبالته إن كان يجامله أم يسخر منه أم يتوعده، قرأته لإعلامي بارز مرة يقول عنه “ضحكته مستفزة”.

ثمة سياسيون يُشغلون الرأي العام بكثرة كلامهم وتعدد مواقفهم وسرعة تقلباتهم، وعلى خلافهم ثمة من يُشغل الناس بصمته أو حتى برابطة عنق وهذا الأمر ليس متاحا لأي كان لذلك تحدثت عن “فرادة” شخصية الأستاذ راشد الغنوشي وهو ما سيساعد في تحليل العنوان أعلاه.

الأزمة التي تترنح فيها تونس في السنوات الأخيرة لا يمكنها ردها إلى سبب واحد سواء كان اقتصاديا أو سياسيا أو ثقافيا أو اجتماعيا أو أخلاقيا بل يمكن ردها إلى تلكمُ الأسباب مجتمعة ولعلنا نُضيف سببا آخر وهو “السبب النفسي” وعنوانه “الأنانية” وتحديدا أنانية أغلب السياسيين الذين لا يُفكرون في مصلحة الوطن بما هو بلاد وعباد ولا يفكرون في المستقبل بما هو أجيالٌ وسيادة وطن، لا يفكر أغلب السياسيين إلا بما يحقق مصالحهم الذاتية وليس حتى الحزبية، مصالحهم هم بما هي مكانة في الحكم ومكان في الدولة وبما هي منافع مادية مستحقة وغير مستحقة، السياسيون أولئك نفروا عموم الناس من السياسة وأفقدوهم الثقة في السياسيين وضيّق عليهم حُلمهم وشحنهم بمشاعر هي مزيج بين الكراهية للساسة وبين الجرأة عليهم والتعرض لهم بسوء من أعلى موقع إلى أدنى مسؤولية.
عندما تتحول “السياسة” إلى “نشاط” و “همّ” وعندما يُصبح الانتماء للأحزاب صعودا لسلالم التموقع والتسلق وعندما تتوالد في تونس أكثر من مائتي حزب وعندما تتشقق الأحزاب على نفسها كما جُدران الرمل فلا بد من التساؤل إن كانت الطبقة السياسية سوية الشخصية تفكيرا وتدبيرا وشعورا ؟

منذ انتخابات 23 أكتوبر 2011 وتشكل حكومة الترويكا وصمهم خصومهم بصفة “مؤقت” لتجرئة الناس عليهم ولإضعاف حضورهم كـ”سلطة” في أعين الناس ولاستعجال ذهابهم وزوال حكمهم وهم بذلك يمنون أنفسهم باحتلال مواقعهم وتسلم مقاليد الحكم خلفا لهم وليس يعنيهم أن يُفلحوا في خدمة الناس وتحقيق مصالح وطنية بل كانوا حريصين على فشلهم ومتحمسين لإفشالهم دون نظر فيما قد يترتب عن فشلهم وإفشالهم من نتائج سلبية على معاش الناس وأمنهم، لقد كانوا أنانيين وسيئين لا لأنهم “معارضون” يقدمون بدائل ويُعدون أنفسهم للحكم وإنما لأنهم “أنانيون” يسعون لإفشال خصومهم دون تفكير في الوطن وأهله.

حركة النهضة التي أوصلتها الانتخابات في 2011 إلى سدة الحكم مع شريكيها التكتل والمؤتمر أدركت أن “البيئة السياسية” لم تكن مهيأة بعد لتقبل نتائج انتخابات تكون لصالح إسلاميين حتى وإن أشركت معها أحزابا علمانية أو ليبرالية وقد قرأت جيدا ما حصل من أحداث مؤلمة لم تكن قادرة على منعها ولا على معرفة مرتكبيها، اكتشف النهضة أنها تجلس على “كرسي فوق موقد” لا تدري متى يشتد الحريق لذلك قبلت بتدخل الرباعي لإدارة “حوار وطني” يُشرف على عملية تسليم الحكم وتكوين حكومة كفاءات وتنظيم انتخابات 2014.

في كل تلك المراحل بتعقيداتها وتفاصيلها كان الأستاذ راشد الغنوشي يدير “المعركة” في صمت، معركة إنقاذ البلاد من فتنة دموية يخطط له تونسيون سيئون.
ظل الأستاذ راشد الغنوشي يقدم تنازلات بدتْ لمناضلي حركته مُذلة حتى أن بعضهم صرخ: “دعنا نموت واقفين يا شيخ”، ولكن الأستاذ راشد كان قد عاد بمفهوم جديد للسياسة وللنضال قوامه بناء الإنسان وصناعة الحياة وتنمية الأوطان وخدمة الناس وإقامة علاقات “تعارف” مع العالم.
القبول بتسليم السلطة، القبول بالمصالحة الاقتصادية، التنازل عن العزل السياسي، القبول بتمثيلية رمزية في الحكم، التصويت على قانون انتخابي يسمح بترشح الباجي للرئاسة، التصريح في قناة نسمة عشية الدورة الرئاسية الثانية بكلام يشجع على انتخاب السبسي… كل تلك التنازلات كان يحتج عليها أغلب أبناء النهضة وكانت محل تساؤل من قادة مناضلين في الحركة.
بقدر ما كان الأستاذ الغنوشي يتعرض لنقد مناضلية كان يجد امتداحا في الخارج ويُستقبل في المنتديات الدولية استقبال الزعماء الكبار وكان مكتبه بمونبليزير مزارا للسفراء ومبعوثي الدول المؤثرة في الشأن الإقليمي والدولي.

الأستاذ الغنوشي وبمجرد ظهوره برابطة عنق أدار الأعناق الكبيرة إلى قصر قرطاج وتوالدت الأسئلة إن كان الرجل يستعد لدخول القصر الرئاسي؟ وبدأت اختبارات الرجل في نواياه حتى صرح مرة بأنه لا ينوي الترشح قُبالة الباجي وهو نصف جواب لا ينفي نية الترشح في المطلق وهو ما سيُزعج الحالمين بقصر قرطاج وهم كثير وكلهم لا يرون ضامنا لهم إلا الأستاذ راشد ولا يرون منافسا لهم إلا الأستاذ راشد، إنه يُحاصر أحلامهم “خوفا وطمعا” يطمعون في دعمه ويخافون منافسته. مرة أخرى تتكشف الأمزجة النفسية الفاسدة أي أنانية أغلب السياسيين.

كلما اقتربنا من 2019 ازدادت الأزمة التونسية حدة وعنوانها “الرئاسة” وعقدة الخيط فيها هو صمت الغنوشي الذي لم يُعلن عن نواياه تجاه “القصر” ولم يقبل هذه المرة بالتنازل في “الظلمة” حين رفض عزل رئيس الحكومة خارج البرلمان وحين لم يطلب من كتلة حزبه التصويت لرغبة الرئيس بل وبوضوح لرغبة ابنه الذي يرى في الشاهد منافسا له لا في حزب النداء فحسب وإنما وفي “وراثة” أبيه في قصر قرطاج خاصة وأن الأستاذ راشد الذي دَرّب حافظ على السياسة لم يعبر له عن دعمه إذا أراد الرئاسة بل ثمة حديث عن كونه عبر له عن عدم دعمه وهو ما جعله يغضب ويتكلم بطريقة أكبر من حجمه وأقل من أن ينته إليها الزعماء الكبار.
سواء ترشح الأستاذ راشد أو لم يترشح للرئاسة في 2019 فإنه سيظل يُحاصر “القصر” في أنفس وخيالات وأحلام الطامعين فيها بما يجعله فوق الرئاسة وبما يجعله أكثر السياسة تأثيرا في الأحداث وتوجيها للحوادث وإثارة للأحاديث.

شاهد أيضاً

هل كان حقا رئيسا لكل التونسيين ؟

عادل بن عبد الله حسب الدستور التونسي، فإن سلطات رئيس الدولة تكاد تنحصر أساسا في ...

اترك رد