الثلاثاء ، 21 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الفصل الأول أو بنية الدستور التونسي

الفصل الأول أو بنية الدستور التونسي

أبو يعرب المرزوقي

هذه محاولة لإثبات صحة رأيي في النخبة التي تدعي الحداثة والعلمانية في تونس وتزعم مواصلة سياسة بورقيبة. فكل ما يزعمونه لا علاقة له بالحداثة أو بالإرث البورقيبي. وبكل مسؤولية أزعم أن الرئيس إذا مرر “تورشون” لجنة التسعة يكون قد خان الإرث البورقيبي والدستور الأول والدستور الثاني. وإذا سعى إلى جعل أي عنصر من عناصره قانونا يكون قد خان الدستور والوطن لأن البند الأول من الدستور يتنافى مع كل هذه العناصر.

وكان ينبغي أن يفهموا ذلك لو كان لهم قدر من الفهم القانوني والمنطقي. وسأحاول بيان ما قلته في مداخلتي عندما وصفت أعضاء اللجنة التي كلفت بإعداد التقرير بالأميين قانونيا ومنطقيا وفلسفيا ودينيا. وسآخذ نص البند الأول من الدستور الذي يجمع الكل على أن واضعه هو المرحوم بورقيبة. وهذا النص وحده دليل على عبقرية الرجل في القانون والمنطق وفي التاريخ خاصة. فالنص تحفة قانونية ومنطقية وتاريخية وهو في آن دليل عمق فلسفي وديني لا يضاهى رغم كل ما يقال في الرجل.

ورغم أني لم أعد بورقيبيا فإني لم أندم بكوني قد كنته. فهذا النص وحده يشفع له ويدفع عنه كل تهمة بخيانة النضال من أجل الاستقلال لأنه لو اتبع ما كان يراد منه لجعل القضية التونسية ورقة بيد بعض الدجالين من الزعماء ولكان حينها قد خان نضال الشعب التونسي. فالقضية التونسية كان يمكن أن يكون مصيرها مصير كل بلاد العرب التي تلوعب بها من القوميين سابقا كما يتلاعب بغيرها من قضايا العرب باسم أدعياء الممانعة أو دمى إيران وأدعياء التحديث أو دمى إسرائيل. تونس أسمى من أن تصبح ورقة لأن زعيم.

نص البند الأول: مبناه
يتألف البند الأول الدستور من تعريف دقيق جامع مانع لدولة الاستقلال أساسا لدستورها الذي ينبني على مقومي السيادة السياسية ومقومي السيادة الثقافية جمعا بين ماضي الشعب (السيادة الثقافية أو الهوية الوطنية) ومستقبله (السيادة السياسية أو الإرادة الوطنية) صورة فريدة ما زلت إلى الآن أتساءل كيف أمكن له أن يصل إليها وكيف لم تنل حظها من التحليل الدقيق لفهم الصريح والمضمر من دلالتها العميقة.
«تونس=دولة أي: 1-(هي دولة) حرة 2-(وهي دولة) مستقلة 3-الجمهورية=نظامها (الضمير يعود على تونس دولة موضوع القضية) 4-والعربية لغتها (الضمير يعود على تونس دولة موضوع القضية) 5-والإسلام دينها (الضمير يعود على تونس دولة موضوع القضية)».
إنها فعلا صيغة عبقرية لعل صاحبها كان واعيا بهذه البنية العميقة وقد لا يكون. فلعلها مجرد توفيق من الله لم يكن صاحبه قصد معناه حتى وإن أعجبه مبناه.
جدل أدعياء الحداثة والعلمانية.

ما جعلني أفكر في كتابة هذا التعليق سخافتان من أدعياء الحداثة والعلمانية وسطحية الرادين عليهم كعادة من يتقيد برد الفعل:
1. الجدل الأول خال من كل معنى: هل الدين ينسب إلى تونس أم إلى الدولة. ولو كان الحداثيون والعلمانيون لهم أدنى ثقافة منطقية وقانونية لما استعملوا هذه الحجة رغم ما يبدو من صواب لساني في حجتهم. والرد عليهم بالجدل حول عودة الضمير في “دينها” لا فائدة منه لأن عودته كما فهمه الحداثيون أفدح عليهم وليست لصالحهم.
2. الجدل الثاني لم يوجد أصلا: لماذا أهملت بنية النص القانونية وخاصة ما تضمره من معاني تتعلق بالسيادتين وعلاقتهما بالماضي وبالمستقبل. ففي النص تعريف لشرطي السيادة السياسية (1 و2) وفيه تعريف لشرطي السيادة الثقافية (4 و5). ومركز هو طبيعة النظام السياسي الذي يجعل هذه الدولة معبرة عن إرادة الشعب الذي ترمز إليه كلمة تونس.
وهنا يكون الجواب المفحم لمشكل إحالة الضمير في “دينها”. فإذا كانت الدولة لا يمكن أن يكون لها دين فمن باب أولى ألا يكون للأرض دين ومن ثم فالمضمر في كلمة تونس هو شعب تونس وليس أرض تونس. ولذلك فكلمة تونس تعني “شعب تونس” يعتبر تونس دولة إلخ…

تحليل التعريف البورقيبي فريد النوع
لماذا هذا التعريف يجمع بين المستقبل والماضي؟ وماذا فيه من مضمرات؟ ولماذا كانت ضمائره هي مسلوبات خفية تدل على هذا الجمع وعلى ما لأجله قامت ثورة التونسيين للمطالبة بما تضمنه هذا العريف العميق. فالنضال التونسي كان من أجل تحقيق هذا الهدف الذي يعرفه البند الأول من الدستور الذي ينسى الحداثي المزعوم أنه إسم الحزب الذي قاد النضال وليس إسم الحزب الذي ينتسب إليه الكثير من أجداد هؤلاء المدافعين عن نزع أهم ما في البند الأول.
فـ ”تونس دولة” هي الموضوع في هذه القضية الحميلة. والمحمولات عليها هي المقومات الخمسة الموالية وكلها فيها هذا التعريف مضمرا كما صغناه إما قبل لا مقوم أو بعده لبيان على من يرجع الضمير. وهي كلها محمولات مقومة للموضوع “تونس دولة”. فبها تكون “تونس دولة” لها هذه الصفات المقومة الخمسة.
وهي مقومات بعضها كان مفقودا بالفعل وإذن فالإشارة في إضمار التذكير بما يستعاد (أي المقومان السياسيان) وبعضها كان مهددا بالزوال فعلا وإذن فالإشارة فيها إضمار التذكير بما كان مهددا (أي المقومان الثقافيان: المؤتمر الافخارستي).

وطبيعة النظام التي تتوسط بين نوعي التقويم السياسي الذي يعيد إلى الشعب سيادته السياسية ليكون هو “الموضوع” في القضية “تونس دولة” أو الذات السياسية ونوعي التقويم الثقافي الذي يحميه الشعب ليحفظ سيادته الثقافية. فالدولة التي لها السيادة السياسية والسيادة الثقافية هي الدولة التي لا يحكمها إلا شعبها وهو معنى الجمهورية نظامها. وإذن فالبند الأول يحسم خمس مسائل:

المسألة الأولى: السيادة السياسية
مضمران يسترجعان السيادة السياسة التي كانت مفقودة:
1. المضمر الأول التونسيون لم يكونوا أحرارا بل كانوا رعايا
2. المضمر الثاني التونسيون لم يكونوا مستقلين بل كانوا في حماية
المسألة الثانية: السيادة الثقافية
مضمران يحولان دون تهديد السيادة الثقافية:
4. المضمر الرابع الاستعمار كان يريد تبديل اللغة
5. المضمر الخامس الاستعمار كان يريد تبديل الدين.
المسألة الثالثة: قلب المعادلة السيادية في الدستور
ويمثلها قلب التعريف العائد إلى عبارة “تونس دولة” فيحدد طبيعة النظام الذي يكون بحق ممثلا لشعب صاحب السلطة لحماية هذه المقومات الأربعة.
المسألة الرابعة: العلاقة بالسيادة السياسة
استرجاع السيادة السياسية هي الوصل بالمستقبل وهي الحرية والاستقلال اللذين جعلهما الشباب بجنسيه أهم مطالبه ومن ثم فشباب الثورة أكثر ولاء للدستور بهذا المعنى الذي حاولت بيانه.
المسألة الأخيرة: العلاقة بالسيادة الحضارية
حماية السيادة الثقافية التي تمثل استمرار وجود الشعب وصلا بين ماضيه وحاضره ومستقبله باللغة العربية والدين الإسلامي. ولذلك فما يجري حاليا ليس مواصلة للإرث البورقيبي الذي يحقق التحديث المتصالح مع الذات ولا خاصة تعميقا للنضال الشعبي من أجل شروط سيادته التي وصفت والتي هي أهم مطالب ثورة الشباب بجنسيه.

شاهد أيضاً

في جدلية الوصائية والشعبوية

مصدق الجليدي يسقط المثقف الوصي ويحيا الشعب الحر الأبي هنالك انزلاقات من طبيعة معرفية وانحرافات ...

اترك رد