الثلاثاء ، 21 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / هل يمكن الرهان على الشاهد من دون التضحية بتوافق الشيخين؟؟

هل يمكن الرهان على الشاهد من دون التضحية بتوافق الشيخين؟؟

نور الدين الختروشي

أكاد أجزم أنها الأزمة السياسية الأكثر تعقيدا بعد أزمة اعتصام باردو التي انتهت بخروج الترويكا وتسلم مهدي جمعه لإدارة بقية العهدة التأسيسية فما إن حققت النهضة نجاحا انتخابيا مريحا في البلديات حتى وجدت نفسها على طاولة الرئيس لتوقع على رحيل حكومة الشاهد الذي جاء بها قبل حوالي سنتين توافق سياسي عريض وبمبادرة من الرئيس.

رفضت النهضة هذه المرة النقطة 64 الداعية لرحيل الشاهد من وثيقة قرطاج، وعلقت الوثيقة، وفي اليوم الموالي استقال رئيس الهيئة العليا للانتخابات.
والمفاجأة الصادمة كانت في كلمة الشاهد التي توجه بها إلى الرأي العام معلنا حربا علنية ومفتوحة مع حافظ وشقه المسيطر على قيادة النداء.
عاشت الساحة السياسية مشهدا سرياليا لا يمكن تعقله خارج مدار العبثية، لا أدري حقيقة هل سيكتب من سيؤرخ من بعدنا لهذا الفصل من تاريخنا السياسي هذا العبث في باب الطرافة أم في فصل الجنون.
هكذا يبدو هيكل الأزمة السياسية الحادة التي نتابع يومياتها الآن، رئيس دولة يتوجه عبر الإعلام لرئيس حكومة هو من أتى به من حزبه للاستقالة والتنحي والمعني لا يرفض فقط بل يفتح حربا مفتوحة مع الرئيس وابنه وحزبه، والنهضة الشريك الأكثر رصانة والملتزمة بخط التنازلات من أجل الحفاظ على التوافق تعاند إرادة الرئيس العراب الوحيد لذلك التوافق وترفض هذه المرة تغيير الحكومة بداعية الأمن والاستقرار والمصلحة العامة.

ماذا يحدث؟؟
المتضررون سياسيا من التوافق الذي “أمّن” المرحلة، والخصوم التقليديين للنهضة وأعداؤها، كانوا الأكثر نشاطا وحضورا و”حبورا” في دفع الأزمة إلى أقاسيها، ومنهم من يراهن على تفسيخ المسار بالدفع نحو تعفينه ومن ثمة الانقلاب الناعم أو المباشر عليه، خطاب هؤلاء وإن كان الأكثر صراخا فهو الأقل مصداقية في قراءة المشهد لأنه يجدد تصعيد رغبته في التضحية بالديمقراطية مقابل تفسيخ وجود النهضة من المشهد العام. يقابله في ضفة أخرى مقاربة الرأي العام والذي تمثله منصات التواصل الاجتماعي تتنازعه عدة قراءات ركز أغلبها على أن تعفين الوضع وضخه بعملية إرهابية في هذا الوقت ليس سوى إعادة إنتاج للظروف المواتية للانقلاب العيني على المسار بتوجيه خارجي مفضوح على ما يتردد في العديد من التحاليل في وسائل الإعلام والتواصل الافتراضي. ولعل أهم المقاربات حضورا وانتشارا المقاربة “المنتشية” لليّ رئيس حركة النهضة العصا في يد الباجي لأول مرة، ورفضه “عرضه” بتغيير حكومة الشاهد مقابل لا شيء، وقد سارع جزء وازن من الرأي العام النهضوي للتبشير بنهاية زمن التنازلات للمنظومة القديمة، وبداية تصحيح خيار النهضة نحو المبادرة والخروج من الزاوية الحادة التي حشرت فيها وشلت قدرتها على التمايز عن حليفها الذي تبينت عدم جديته في أكثر من مناسبة، كانت آخرها ردة فعله الصبيانية العابثة على هزيمته الانتخابية في ألمانيا..
مقاربة أخرى يمثلها صوت المحتكرين للخطاب الثوري، لم تلتقط من عناصر الأزمة ودلالاتها سوى ما يؤكد مقدمتهم البسيطة التي تقول أن كل المسار هو تحريف وتزوير للطموح التاريخي للثورة في بناء دولة الحرية والعدالة، وأن الحل بالنهاية في ثورة ثانية.

مغادرة زاوية الرؤية من الهيكل العام للأزمة إلى تفاصيلها ربما تسعفنا في المسك بخيط ناظم لفهم ما يجري اليوم على مربع الأزمة المفتوحة التي نتابع يومياتها.
في تقديري تحليل الأزمة من زاوية “قصة الشقوق” ومعارك الندائيين المتجددة سيضعنا أمام نهاية دائرية للتحليل تنتهي من حيث بدأت من دون الانفتاح على معنى أو أفق في فهم وضبط مآلات ما يجري.
لعل التناسي المؤقت لمعطى النداء في الأزمة ودوره وتأثيره في مآلاتها قد يساعد على نزع عنصر تشويش في التحليل، ذلك أن نداء حافظ لا يبدو كطرف سياسي في أزمة سياسية بل كنادي أصدقاء لابن الرئيس يتقاسم فيه أعضاؤه مواقع وأدوار وغنائم لا علاقة لها بأجندة سياسية لحزب حاكم تتربع قياداته على الرئاسات الثلاثة.
حصر تحليل عناصر الأزمة بثالوث الرئاسة والقصبة ومونبليزير وتجاوز النداء لا يضر جوهر السعي وجديته في مقاربة الأزمة، وقد يفيد في فهم الموجود ومن خلاله المسك بممكنات تطوره.
الثابت أن هناك أزمة هي الأولى من نوعها بين قرطاج والقصبة والثابت أن موقف النهضة هو الذي سيحسم بالنهاية مخرجات الأزمة.

يبدو الشاهد مستعدا لخوض معركة دستورية وسياسية سائبة ومفتوحة، فمنذ جرّد الرئيس من حجمه السياسي أو الاعتباري وأعاده إلى “حجمه الدستوري” فهم الملاحظون أن الشاهد بصدد المراهنة على تعقيد مسار الإطاحة بحكومته من زاوية دستورية أي باستعمال آليات وقنوات “الصرف الشرعي” وأن تعقيد المشهد السياسي وهشاشته وخارطة التحالفات الموجودة أو التي من الممكن أن تتشكل من جديد والتي يبدو أنه قد أصبح رقما جديدا فيها على اعتبار التحاق شقا جديدا من النداء به وإعلانهم مساندته مما عزز من فرضية بروز حزب الشاهد في المستقبل المنظور، كل هذه العناصر تبدو في رغبة الشاهد في البقاء في القصبة إلى أخر العهدة الانتخابية.
مؤسسة الرئاسة بالنسبة للنهضة وفي تباعد وتقابل كامل تقريبا مع مقاربة الشاهد أو إرادته في تقليص موقعها السياسي ووزنها الاعتباري، كانت دائما محل رهانها الحيوي في الحفاظ على توازن المشهد وسلامة المسار، لا بحساب موقع الرئيس الدستوري بل بالرهان تحديدا على القيمة الاعتبارية والسياسية المضافة لشخصية الرئيس فالقيمة “المافوق دستورية” التي يسعى الشاهد في نزعها عن الرئيس هي نفسها محل الرهان الاستراتيجي للنهضة في الحفاظ على توازنات المشهد منذ لقاء باريس الشهير.
فالباجي قايد السبسي أستمد شرعيته السياسية من خلال دوره التاريخي والأدبي في التأثير على هندسة المشهد الوطني ومن خلال قدرته الاستثنائية على إعادة إدماج حركة النهضة في مجتمع الحكم الإطاحة بها سياسيا وانتخابيا، فمن موقع المطارد للنهضة إلى موقع الضامن لإعادة إدماجها في العملية السياسية وفرض التوافق معها انتقل الباجي برشاقة ولكن بثمن سياسي مكلف دفعه حزب النداء بتفككه السريع المذهل، فقد تداول الرئيس على موقعين متناقضين لم يفهمهما ولم يقبل بهما جزء كبير من رفاقه المؤسسين لحزب النداء كحاوية استجمعت كل الخاسرين من الثورة أولا ومن مسارها السياسي ثانيا وكأداة مواجهة للنهضة ثالثا.

ولقد قابلت النهضة إلى يوم المفاوضات على وثيقة قرطاج 2 التزام الرئيس بتفاهمات لقاء باريس وإصراره على التوافق كمنهج وحيد وممكن لإدارة المرحلة والمسار بتنازلات مسؤولة ورصينة ساهمت في الحفاظ على الأساسي من عناوين المرحلة كاستكمال البناء الدستوري لمعمودية النظام الجديد وعدم سقوط التجربة في مآلات بقية دول الربيع العربي.
السؤال هنا هل النهضة بإعلانها رفض تغيير حكومة الشاهد بصدد نسف مقدمات خطها الاستراتيجي في اعتماد التنازلات والتضحية بالمصلحة الحزبية المباشرة لصالح خيار التوافق مع الرئاسة أساسا، إذا ذهبت نحو الأقصى في مساندة الشاهد والاندراج في الاستراتيجية التي اعتمدها الشاهد لمواجهة قرطاج وخطوتها التكتيكية الأولى نزع معطف “الأب” عن الباجي والتعامل معه “كربع رئيس” كما حدد الدستور موقعه ودوره وصلوحياته في النظام السياسي الجديد؟؟

تقديري أن النهضة تعي جيدا استتباعات دفع الأزمة نحو هذا الأفق وتعي أكثر أن إضعاف الباجي والتضييق على هامش المناورة هو بالنهاية نزع للغطاء التاريخي والأخلاقي والسياسي الذي حماها من ممكن انزلاق التجربة إلى دوائر التهارج والتحارب الأهلي الذي سقطت فيه بقية دول الثورات العربية ونهاية قصة الاستثناء التونسي الذي توج دوليا بجائزة نوبل للسلام وحقق المطلوب من السند الإقليمي والدولي الذي ساهم بنشاط في إسقاط التجربة المصرية وهي الأقرب والأكثر حضورا للاستلهام لدى قطاع واسع ومؤثر من الخاسرين من منجز الثورة.
تبدو زاوية الرؤية هذه الأكثر فاعلية في المسك بحيط التطور الممكن للازمة الحادة والشاملة التي فجرها الخلاف حول النقطة 64 من وثيقة قرطاج 2.
وفي هذا الأفق تبدو حظوظ الشاهد بالنهاية في البقاء في القصبة متواضعة بالنظر للكلفة التاريخية والسياسية التي يمكن أن تدفعها البلاد بتمزيق عقد التوافق بين “الشيخين”.
البديهي في تقديري أن تتحرك النهضة في اتجاه دفع الشاهد للخروج السلس من القصبة مع فتح ممكنات لعب أدوار سياسية وازنة في أفق 2019 ليبقى الشاهد مشروع حليف ممكن في خارطة ما بعد محطة 2019. وهذا يقتضي أولا الحفاظ على الحليف الفعلي اليوم ممثلا في شخص السيد الرئيس لأنه وبحساب سياسي دقيق يبقى التحالف مع الباجي هو قاطرة الوصول إلى استحقاق 2019.
النهضة بحساب استراتيجي صلب ليس من مصلحتها ولا من مصلحة البلاد والمسار أن تضحي بتوافق الشيخين وبحساب تكتيكي يومي قد يكون من المناسب لها أن تبقي ورقة الشاهد في متناولها لحاجتها لها في مرحلة ما بعد النداء الذي يبدو أنه قد انتهى حجما وموقعا ودورا في توازنات الخارطة بعد هذه الأزمة.

شاهد أيضاً

في جدلية الوصائية والشعبوية

مصدق الجليدي يسقط المثقف الوصي ويحيا الشعب الحر الأبي هنالك انزلاقات من طبيعة معرفية وانحرافات ...

اترك رد