الثلاثاء ، 14 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / مكر الله الخير معادلة لحظة الأمة التاريخية

مكر الله الخير معادلة لحظة الأمة التاريخية

أبو يعرب المرزوقي

ما يجري حاليا في بلاد العرب وخاصة في البلاد المتزعمة للثورة المضادة بصنفي أنظمتها القبلية والعسكرية أعتبره من المكر الخير. ففي ظاهره يبدو حربا على الثورة. لكن أصحابها يحققون بالفعل جل ما تسعى إليه الثورة من حيث لا يعلمون.

فالذي هو بصدد القضاء على ركني الأنظمة القبلية هم أصحابها كما في السعودية وفي الإمارات. والذي هو بصدد القضاء على ركني الأنظمة العسكرية هم أصحابها كما في مصر وسوريا.
وأضيف أن الذي يجمع بين الأسس الأربعة التي تقوم عليها هذه الأنظمة العربية في الإقليم أعني الذراع الإيرانية والذراع الإسرائيلية هما بدورهما في وضع لا يحسدان عليه لأن لعبتهما لم تعد تنطلي على أحد.
أولا : فما هما أساسا النظام القبلي في الإقليم :
1. السلطة الروحية لتوظيف الإسلام الإيديولوجي.
2. السلطة القبلية العسكرية للأنظمة التقليدية في الخليج.
ثانيا : وما هما أساسا النظام العسكري في الإقليم:
1. السلطة المادية لتوظيف التحرير والتحرر القومي والاجتماعي.
2. أجهزة الدولة أو الأمن والجيش والمخابرات
ثالثا : كيف تجمع إيران هذه الأبعاد الأربعة
1. فهي ثيوقراطية مثل السعودية بل أكثر
2. وهي عسكرية مثل سوريا ومصر بل أكثر.
رابعا : كيف تجمع إسرائيل هذه الأبعاد الأربعة
1. فهي تتأسس على الدين وتزعم العلمانية
2. وهي تدعي الديموقراطية لكنها نظام عسكري
خامسا: معادلة الإقليم العميقة ودلالة المكر الخير
1. دينامية الإقليم كله هي وجها الثورة المضادة الإيراني والإسرائيلي أو رمز الفتنة الكبرى ورمز الفتنة الصغرى.
2. ويوحدهما الحرب على الثورة وعلى الإسلام في آن : إذن كيف اجتمع الإسلام مع الثورة ومحاربوه مع الثروة المضادة.

لكن العالم كله محكوم بمعادلة مماثلة وهي التي ينبغي أن نعتمد عليها ليستعيد الإسلام دوره التاريخي الكوني استئنافا أساسه فهم المعادلتين التي تبدو خاصة بنا والكونية وهي في الحقيقة دليل على أن دورنا بالجوهر كوني منذ نزول القرآن : فالقرآن عولمة غايتها روحية وأداتها مادية أو هو الوصل الحقيقي بين العالمين الدنيوي والأخروي بوصفهما بعدي كيان الإنسان الذي هو مستعمر في الأرض (البعد الدنيوي) بقيم الإستخلاف (البعد الأخروي).
فوحدة الإنسانية التي هي غاية المشروع القرآني (النساء 1) بمعيار المساواة العرقية واللونية والجنسية واللسانية والطبقية المساواة التي لا تعترف بتفاضل غير التفاضل عند الله بمعيار التقوى (الحجرات 13) هي رهان الحرب على الإسلام وما الحرب على الثورة إلا لأن الشباب بجنسيه بدأ يتحرك لفرض ثمراتها في الإقليم الذي تعينت فيه كل أمراض العولمة فأصبح الداء الكوني وكأنه قد تعين في الإقليم.
وهذا الداء هو العنصريات الخمس التي تتنافى مع الحجرات 13 :
1. العنصرية العرقية (أساس عضوي).
2. العنصرية اللونية (رمز الوحدة العضوية).
3. العنصرية الجنسية: طبيعي بداية (القوة) وثقافي غاية (العادة).
4. العنصرية اللغوية (رمز التمييز الطبقي).
5. العنصرية الطبقية (أساس اقتصادي).
الحدان هما العرقية والطبقية والفرعان اللون واللغة والقلب الجنس. وما هو عجيب هو أن القرآن عالج هذه القضايا الخمس باعتبارها معيقات وحدة البشرية التي هي غاية مشروعه الكوني.

والحل هو بيان وحدة المقومات التي يتقوم بها كيان الإنسان المادي والروحي أو البدني واللابدني ولا يوجد فاصل واضح بين البعدين لأن القرآن يعتبرهما كليهما خالدين في العالم الأخروي. فالبعث لا يقتصر على بعض الإنسان بل كل الإنسان بدنه وروحه بل إن بدنه يصبح ناطقا مثله وقد يشهد بعض أعضائه على صاحبه يوم الحساب.
ولست بحاجة لشرح ما قلته عن نوعي الأنظمة العربية. فلا أحد يشكك في هذا الوصف الأمين لما يدور في النظامين القبلي والعسكري العربيين وخاصة بعد أن أتحدا ضد الثورة والإسلام بين أن تبين ما بينهما من ترابط قيمي ومسعى للتحرر في الداخل والتحرير من الخارج. وتلك هي علة افتضاح تبعيتهما ونخبهما لذراعي الاستعمار في الإقليم أعني إسرائيل وإيران واللتين تتبعان نفس السياسة إزاء أهل الإقليم كلهم وليس العرب وحدهم أعني العرب والأتراك خاصة ومعهم الأمازيغ والأكراد بصورة أقل طمعا في استعمالهما ضد وحدة شعوب الإقليم أي ضد العرب والأتراك.
ما يعنيني هو الكلام في الأمرين الآخرين: أي في الذراعين وسياستهما وفي النظام العالمي الأمريكي وحاجته إليهما حتى يبقى على هذه العنصريات الخمس نظاما خلقيا للعالم. وسأبدأ بالنظام العالمي لأن الذراعين يستمدان قوتهما من كونها أداتين في استراتيجيته حتى وإن كانت لهما أهداف ذاتية تابعة لأنها بحد ذاته ما كانت لتكون لها هذه الفاعلية التي تجعلهما يسيطران على شعوب كبيرة وقوة وثرية وذات ماض تاريخي سيد في الإقليم منذ 14 قرنا.
ومعادلة العنصرية لم أكتبها بهذا الترتيب بالصدفة بل هي نابعة من الضرورة المحددة لمصير الإنسانية خلال تاريخها ببعديها العضوي (العرق والسلطة الحيوية) والاقتصادي (الطبقة والسلطة المادية) حدين أقصيين وببعديها الرمزيين المعبرين عنهما أعني رمز العنصرية العضوية (اللون ورمز الثقافة أو الكلمة) ورمز العنصرية الاقتصادية (الثروة ورمز الاقتصاد أو العملة).
أما المرأة فهي رمز الرموز كلها وفي الحالات كلها. لكنها بخلاف الوهم الذي يزعم تفاضلا بين الحضارات في منزلة المرأة تعامل دائما -خارج الرؤية القرآنية- بوصفها رمزا أداتيا في الحديين الأقصيين والأوسطين مع توظيف مختلف:
ففي الأولين المتقدمين عليها في الترتيب الذي اقترحته تكون أداة لتثبيت العرق. ومن ثم فهي وسيلة عرقية بالجوهر ولا يرى منها غير وظيفة الإنجاب العضوي الذي يحمل العلامة أي اللون «الصافي» عرقيا.
وفي الثانيين المتأخرين عنها في الترتيب الذي اقترحته لا تكون أداة لتثبت الطبقة. ومن ثم فهي وسيلة طبقية بالجوهر ولا يرى منها غير وظيفة تجميع الثروة الذي يحمل العلامة أي الثقافة “الصافية” طبقيا.
ولهذه العلة فالمرأة هي العنصر الأهم في المعادلة سواء في حديها الأقصيين أي في العرق والطبقة أو في الحدين الأوسطين أي في اللون واللغة. وأخطر شيء يتهدد هذا الدور هو اختلاط الألوان واختلاط اللغات وهما المؤشر الأساسي الدال على ما يمكن تسميته بمؤشر العنصرية في أي جماعة. وتلك هي علة الحرب على المهاجرين من الملونين عرقيا (السود واللاتين مثلا) وثقافيا (المسلمون غير المسيحيين) مع اختلاف في درجات العنصرية بين الملونين عضويا بحسب درجات القرب من اللون المسيطر وبين الملونين ثقافيا بحسب درجات القرن من اللون الثقافي. فمثلا العربي المسيحي مقبول أكثر من العربي المسلم.
لكن هذه الأمور كلها لم تعد مما يقال في الغرب لأن الاختلاط بدأ يسيطر من القاعدة كما بينت في محاولات سابقة بسبب ثقافة الشباب الفنية والرياضية ودور نصفه من النساء وعلاقتهن بالملونين. لكن ما النوع الثاني من العنصريات التي تسيطر على الذراعين وعلى الأنظمة ما تزال صريحة ولا تتخفى.
فالأنظمة القبلية ما تزال عنصرية عضويا وثقافيا والأمر لا يحتاج إلى دليل. وأكثر الناس معاناة من ذلك هي القبائل المستضعفة في الخليج ويبرز ذلك خاصة في الثروة والسلطة والعلاقات الأسرية. وهنا أيضا يبرز دور المرأة في الوظيفتين اللتين شرحت في كلامي على نظام العالم في الدولة المسيطرة عليه.
والأنظمة العسكرية بالتدريج تحولت إلى ما يشبه الأنظمة القبلية لأنها أصبحت بديلا منها مع الطائفة والقوة التي يستمدونها من سلطانهم على أجهزة الدولة وثروة الجماعة. ولذلك فنفس الخطر الذي تمثله الثورة عليهم هو عينه نفسه الذي شعرت به الأنظمة القبلية وبدأت تتعسكر هي بدورها وهو ما سيقضي عليها فتصبح الأنظمة القبلية متعسكرة كما صارت الأنظمة العسكرية متقبلنة. مصر وسوريا عادتا إلى القبلية عن طريق العسكر والسعودية والإمارات ستتعسكران عن طريق القبلية التي تدعي التحديث لأنها بذلك تكون قد قضت على أساس قبليتها أي الدين التقليدي والقبلية التقليدية. ذلك أن قبلية الأنظمة العسكرية قبلية طبقية وإن كان فيها شيء من العروشية والطائفية كما هي الحال في العراق وسوريا واليمن.
أما الداء الأكبر فهو في إيران وفي إسرائيل. فمثلما أن هذه تتأسس على نظرية شعب الله المختار والقبيلة الكونية المفضلة في العالم فإن تلك تتأس على نظرية آل البيت المختارة والطائفية الكونية المفضلة في العالم. وكلتاهما تنبني على نظام مخابراتي وعسكري الدولة هي للعسكر وليس العسكر للدولة. في إسرائيل الأمر لا يحتاج لدليل. لكنه في إيران يكفي لفهمه أن تعوض كلمة عسكر بكلمة حرس الثورة. ففيها مليشيا تحكم شعب وليس شعب له عسكر. وهي تريد أن تحكم الإقليم بنفس النظام بدأ بالعراق ثم سوريا ولبنان واليمن وكل الاختراقات في كل بلاد المسلمين.
تلك هي المعادلة التي تحارب الإسلام والثورة. وهي معادلة مكشوفة ولا يمكن أن يقبل بها أحد في العالمين. لذلك فالمعركة معها ليست خاصة بنا بل هي معركة كونية. وما نتميز به كمسلمين سنة نحافظ على قيم القرآن التي أحاول بيانها من خلال نقد التحريف الذي حصل في علوم الملة هو أن القرآن مرة أخرى يدعونا لاستئناف دورنا الذي باشره العهد الراشدي ثم توقف: تحرير البشرية من دين العجل ومن هذين النوعين من العنصرية بمستوياتها الخمسة التي وصفت. وأختم بملاحظة حول المرأة: المرأة لا تتعين في هذا الدور الأداتي الذي أراد الإسلام تحريرها منها تعينا مطلقا إلا في إيران وإسرائيل. فكلاهما يعتبر المرأة مجرد أداة للجنس وللجوسسة.

شاهد أيضاً

رسالة إنذارٍ وإعذارٍ من أردوغان إلى الأميركيين

محمد مختار الشنقيطي اعتاد العديد من قادة الدول مخاطبة الجمهور الأميركي عبر صفحات صحيفة نيويورك ...

اترك رد