الثلاثاء ، 14 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / بيضة السّعادة

بيضة السّعادة

عبد اللطيف علوي

كان في قديم الزّمان وسالف العصر والأوان، فتاة شقراء فائقة الجمال والدّلال اسمها “حكومة”، تعيش في قصر والدها الملك “استعمار” والملكة “امبرياليّة”، معزّزة مكرّمة. وكان في الجهة الأخرى من الغابة الواسعة كوخ صغير ناء يعيش فيه شابّ أسمر نحيل فقير يسمّى “شعب”، يرعى شويهاته في السّهل والوعر، ويربّي هرّا سمينا يلاعبه كلّما أحسّ بالضّجر ودجاجة وحيدة تبيض له بيضة السّعادة كلّ يوم.

وذات يوم شعرت “حكومة” بقلق شديد، فخرجت تتجوّل في أطراف الغابة، في موكب كبير من الحاشية والجنود والوصيفات، وتوغّلت في الغابة حتّى وصلت إلى كوخ منعزل، وغلبها الفضول، فوقفت أمامه ونادت، فخرج لها الشّابّ الأسمر النّحيل، وبمجرّد أن وقعت عليه عيناها أحبّته من النّظرة الأولى وقرّرت أن تتزوّجه، ولم يكن والدها “استعمار” أو أمّها “امبرياليّة” يرفضان لها طلبا، فوافقا على الفور وأقيمت الأفراح واللّيالي الملاح سبعة أيّام بلياليها، وانتقل “شعب” ليعيش مع زوجته في القصر في هناء ورخاء، وأخذ معه قطّه السّمين ودجاجته الّتي تبيض له بيضة السّعادة كلّ يوم. بعد أيّام قليلة ضاقت “حكومة” بالقطّ والدّجاجة، فأمرت حاجبها بأن يذبح القطّ، ويأتيها ببيضة السّعادة لفطورها كلّ يوم. حزن “شعب” كثيرا وبدأت حاله تسوء يوما بعد يوم، وتحوّل حزنه مع الأيّام إلى غضب شديد ونقمة على “حكومة” الّتي حرمته من بيضة السّعادة وقطّه الكسول، لكنّه لم يكن يستطيع أن يعارضها في أمر أو يرفض لها طلبا، خوفا من حاشيتها وجنودها، ومن بطش أبيها ومكائد أمّها، فأسرّ الأمر في نفسه وعاش حزينا ذليلا، لا يستطيع أن يرفع رأسه في حضرتها أو أن يعاشرها معاشرة الأزواج.
لاحظت حكومة ما حلّ بحبيبها، لقد صار دائم التّفكير والشّرود، يعتزلها ويعاف الحديث إليها، ولم تدرك سبب علّته، فأحضرت له كلّ الأطبّاء، لكنّهم حاروا جميعا في علاجه، ونصحوها بأن تطلّقه، لكنّها كانت قد أحبّته كثيرا ولم تعد قادرة على فراقه.

وذات يوم قال لها بمكر خفيّ:
– ما رأيك يا عزيزتي لو نقضي معا شهرا كاملا في كوخي البعيد، دون أن نخبر أحدا، ودون حاشية ولا جنود ولا عسس، نسترجع لحظة حبّنا الأولى لعلّنا نجد السّعادة الّتي فقدناها. فرحت حكومة، واستجابت لطلبه أملا في أن تحلّ مشكلته وتنجب منه شعيبا وسيما تزهو به ويؤنس وحدتها.
وبمجرّد أن وصلا إلى الكوخ، نزع شعب قشرة البراءة عن وجهه، وكشّر عن أنيابه وأنشب فيها مخالبه حتّى كادت تبلغ العظم. ذهلت “حكومة” وراحت تستغيث وتصرخ، وما من مجيب، فقد كان الكوخ منعزلا يبعد عن أقرب المساكن مسافة أيّام. وبدأ “شعب” مسيرة الانتقام من “حكومة”، صار يحرمها من النّوم لساعات طويلة، ويوقظها في الصّباح مفزوعة على قرع الصّفائح والطّبول، ونزع عنها كساءها الحريريّ النّاعم وألبسها جلبابا من الخيش، وقال لها:
– من اليوم أنت خادمتي، أنا السّيّد، لا أمر يعلو فوق أمري، وأنت مجرّد خادمة حقيرة لعينة، وعليك أن تقطعي علاقتك إلى الأبد، بأبيك “استعمار” وأمّك “امبرياليّة”، وإلاّ سوف ألهب جلدك بالسّياط حتّى تخضعي لمشيئتي…
غلبت “حكومة” على أمرها، وصار عليها أن تستيقظ منذ الفجر، كي تطبخ وتكنس وتغسل، لكنّها كانت قليلة الحيلة عديمة الجدوى، فهي لم تتدرّب على شيء من ذلك في قصر أبيها، وصارت كلّما تقوم بعمل تفسده وتقلب الكوخ رأسا على عقب. وكان شعب يغضب لذلك أشدّ الغضب، فيركلها بحذائه الثّقيل على مؤخّرتها حتّى تسقط على وجهها، ويسحبها من شعرها كي يمسح بها الأرضيّة، ويغمس أصابعها في القدر وهي تغلي كي يعلّمها تذوّق الطّعام قبل أن يحترق، ولكن دون جدوى… ازداد احتقاره لها ونقمته عليها، فصار يدعو رفاقه الصّعاليك إلى الكوخ كلّ ليلة، وهم “اتّحاد” و”إعلام” و”أحزاب” وبطّالون وثورجوت، وكان من عادته أن يسكر سريعا وينام، ويسكر البقيّة ويحشّشوا، ويعربدون حتّى الصّباح، وهي تسهر طول اللّيل على خدمتهم بلا توقّف، وهم يسبّونها ويشتمونها ويتبوّلون عليها ويجبرونها على أن ترقص لهم عارية وتسعدهم في الفراش… كلّ ذلك كان يتمّ في اللّيل، و”شعب” نائم لا يشعر بشيء، وحين يستيقظ ينسى كلّ شيء لأنّه كان سكران مسطولا…
استمرّ الحال أيّاما حتّى أيقنت “حكومة” أنّ الحياة معه صارت مستحيلة، فلا هي قادرة على أن تتعلّم الكنس والطّبخ والغسيل وإسعاد رفاقه الصّعاليك، ولا هو قادر على أن يكفّ عن الطّلبات والسّهر والسّكر وتناول الحشيش والنّوم كلّ ليلة تاركا رفاقه يستغلّونها بفحش ونذالة…
وذات ليلة، حضر الجميع للسّهر كعادتهم. فوضعت لهم السّمّ في الأكل، وعادت لتحيا في سعادة وهناء، في قصر والدها الملك “استعمار” والملكة المعظّمة “امبرياليّة”.

شاهد أيضاً

السيادة الحضارية المعارضة التونسية بين صيد الفرص و”نمط الفترينة”

أبو يعرب المرزوقي هل يوجد في تونس معارضة سياسية حقا؟ هل الأحزاب “الذرية” التي تتألف ...

اترك رد