الثلاثاء ، 21 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / النهضة: بين ممكن المصالحة مع الدولة واستحالتها مع النخب

النهضة: بين ممكن المصالحة مع الدولة واستحالتها مع النخب

نور الدين الختروشي

انتهينا إلى خلاصة “شاذة” عن المألوف في مقاربة مرجعية حركة النهضة الأيديولوجية، ومفادها أن النهضة كلما تقدمت في تجربتها تباعدت عن أصولها الإخوانية، فمسار تطورها السياسي هو نفسه مسار تخففها من الأيديولوجي وفي هذا ربما يكمن سر قدرتها على التكيف والتطور.
المقصد عندي لا يتصل بتقرير شائع يؤكد على أن المشكل وعوائق التطور لدى النهضة تتصل بالمرجعية الإخوانية. ما يهمنا ويثير انتباهنا هو ديناميكية التطور الفكري والسياسي التي فتحت على مخرجات مؤتمرها العاشر وحقيقة “بدعة الفصل” التي أثارت ردود أفعال متباينة في دائرة الإسلاميين والمتابعين والخصوم. فهاجسنا في سلسلة المقالات في الموضوع هو محاولة المسك بالعناصر المتحكمة في مسار التطور وهي في تقديري ثلاثة:

1. ظروف وملابسات النشأة: والمقصود تحديدا حدة التوجه الثقافي العلماني للبورقيبية واندراج المشروع البورقيبي ضمن المدرسة التي انتصرت لضرورة استلهام النموذج الأوروبي في التقدم على قاعدة القطيعة مع الدين وموروث ما قبل عصر النهضة فيما عرف بتيار المعاصرة أو التغريب في قاموس أنصار الأصالة. ولقد كانت الثغرة التي واكبت مشروع التحديث البورقيبي والمتصلة بجموح إرادة التثوير الثقافي للمجتمع في اتجاه التنوير الغربي والتردد بل رفض إسناده بالتحديث السياسي وتمثل الديمقراطية. فكانت تلك الثغرة أو التصدع في جدار البورقيبية هو المدخل والمساحة التي شرعت لولادة الإسلامية الحركية بدالة مشروع التغيير الشامل -وليس الشمولي- وطموحه رد الاعتبار للهوية من ناحية وافتكاك الحرية من جهة ثانية.

من هنا بدأت الازدواجية في مشروع حركة النهضة، فالازدواجية قبل أن تكون خيار الضرورة السياسية والتنظيمية في زمن القمع والعمل السري هي بالأساس ضرورة واقعية بحكم “المهمة التاريخية التبشيرية” التي رشحت الحركة الإسلامية نفسها للقيام عليها. فمذ لحظة ولادتها وجدت الحركة الإسلامية نفسها على جبهتين يلخصها قول شاعر لا اذكره “يحدث أن تصير الأرض أرضين: أرض الرحيل إليك.. وأرض الترحل فيك”. ولم تستقر الساق اليمنى للحركة الإسلامية بتونس طويلا في رحلتها على أرض الثقافي حتى وجدت ساقها اليسرى غارقة في أرض الترحل في السياسي. وبين ثبات ووضوح نسبي في حقل الدعوي/ والثقافي عموما وانزلاقية مربع السياسي وضبابية مسالكه وبين النسق التراكمي الهادئ لتطور الثقافي وصخب وسرعة وصداع تحول السياسي، بدأ مسار البحث عند النهضويين عن خيط التوازن بين الثقافي والسياسي، وكان الهاجس الذي عبرت عنه بوضوح لوائح المؤتمر العاشر هو تجاوز فكرة الشمولية والفصل المنهجي بين منطق الحركة الجامعة لأبعاد الطموح بالتغيير الشامل والتمكين للمشروع الرسالي إلى حاضنة حزبية قانونية ومدنية مفتوحة لكل التونسيين الراغبين في الانخراط في الشأن العام.

بيئة النشأة ومحيطها الوطني فرض على حركة النهضة أو الجماعة الإسلامية في أخر السبعينات تحديا مزدوجا يتعلق عنوانه الأول بالتحرر الثقافي لإعادة صياغة الفرد والمجتمع باستلهام الأصول والجذور الدينية والنموذج الصحابي أو نمط الجيل القرآني الفريد كما حددت ملامحه أدبيات الإخوان، ويتصل عنوانه الثاني بالتحر السياسي أو فرض الحريات والقول هنا أن المعركة الشاملة والمفتوحة التي انخرطت فيها النهضة بدالة المشروع الشامل ورافعة التنظيم الشمولي واستراتيجية العمل المزدوج بين عمق الثقافي وسطح السياسي، هو حالة نهضوية خاصة وفريدة أو شاذة قول متسرع وغير دقيق اذا انتبهنا إلى أن حال النهضة هو حال التنظيمات اليسارية والقومية فجلها مارس السرية باستتباعاتها وفي مقدمتها الازدواجية والإمعان في دروب التخفي والمناورة فالسياسة في أنصبة القمع حرب وجود مفتوحة على كل استراتيجيات التنافي وجوهر القول هنا أن تلك المعركة انخرطت فيها النهضة ضد “دولة التغريب والاستبداد” لم تكن من اختيارها مساحة حجما وأفقا، بل من طبيعة التحدي الذي واجهته حركات التغيير في تلك المرحلة من تاريخنا السياسي الوطني وقد كان ذلك حال بقية مكونات الأيديولوجية والسياسية فاليساري والقومي استند على نفس الفلسفة وثوابت الصراع ضد البورقيبية مع التخفف من البعد الثقافي الذي وان اختلف القوميون خاصة مع بعض عناوينه فإنه كان وفي عمومه منسجم مع هاجس التجديد على قاعدة العلمنة الشاملة لدى التيارين اليساري والقومي. فشمولية المشروع وجذرية الخط وازدواجية الأداة وقبلها وخلالها ازدواجية الجبهة بين الثقافي والسياسي لم تكن بدعة للحركة الإسلامية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي بل كانت من مقتضيات وضرورات الصراع الشامل الذي خاضه جيل السرديات الأيديولوجية الكبرى ضد مشروع الدولة البورقيبية الطامح إلى وضع تونس في ركب الحضارة على ما كان يردد الزعيم بورقيبة والفارق اليوم وبحكم الحواصل إن حركة النهضة وعلى ما شهد مؤتمرها العاشر حاولت عقلنة مسار تطورها ونظمه ضمن مسار تطور تراكمي بدأ في مؤتمرها الخامس منبها بحدة لضرورة مراجعة مبدأ الشمولية وانتهى في مؤتمرها العاشر إلى الحسم في مسألة الفصل بين الثقافي والسياسي على قاعدة وظيفية انتصرت لدالة التخصص ورسم الحدود بين حقل السياسي والثقافي هذا في حين مازال القطاع الأوسع والأكثر تأثيرا من اليسار والقوميين في منطقة رمادية مترددة في مغادرة ثوابت رؤيتها وشمولية مشروعها.

2. العامل الثاني الذي تحكم في مسار تطور حركة النهضة من الجماعة إلى الحزب أو من الشمولية إلى التخصص هو تعدد المصادر المرجعية داخل السردية الإسلامية المعاصرة وانفتاح الحركة الإسلامية في تونس على تلك المصادر والقدرة على استيعابها من دون التضحية بهويتها ومرجعيتها ولا بوحدتها، وقد كان لصعود الجيل الطلابي في بداية الثمانينات إلى مواقع صنع القرار في هياكل الحركة أثرا وازنا في ديناميكية التطور الداخلي للحركة وهو الجيل الذي تشكل وتبلور وعيه السياسي والحركي في مربعات التثاقف والسجال والصراع المباشر مع اليسار حتى أنني أزعم أن الإسلاميين في تونس قد تطوروا خطابا وممارسة من خلال صراعهم الأيديولوجي والسياسي مع اليسار التونسي. وتقديري أنهم إذا بذلوا نفس الجهد في فهم ومساجلة البورقيبية لكان تطورهم السياسي قد أخذ نسقا أسرع في الاتجاه المطلوب اليوم، أي، تجذير خط الإصلاحية السياسية الواقعية والمسؤولة والبحث عن مقاطع التواصل والاستمرارية في ديناميكيات تحول الحالة الوطنية، سواء بالمنظار التاريخي والثقافي أو من زاوية السياسي ومعادلات التحكم في مساره ومآلاته.
المهم هنا هو التأكيد على أن البيئة التونسية الوسطية كانت الحاضنة الطبيعية لنزوع الإسلاميين نحو البحث عن الأقوم والأنجع لتحقيق الممكن السياسي من مشروع التغيير الحضاري الشامل الذي التقى عليه جيل التأسيس، وأزاحه جيل المؤتمر العاشر من دائرة المطلوب سياسيا إلى أفق المأمول تاريخيا.

3. العامل الثالث الذي تحكم في مسار تطور حزب النهضة من الجماعة إلى الحركة إلى الحزب السياسي المعني واقعا وقانونا بتحسين شروط الموجود الوطني. هو دروس التجربة المتداعية على امتداد ثلاثة عقود من المراجعات والتي يسهل على الباحث رصدها بتتبع لوائح مؤتمرات الحركة. فالورقات التقييمية كانت ثابتة الحضور بقطع النظر عن مدى سرعة ونسق استجابة الجسم لمخرجاتها وتمثلها. وفي عنوان الفصل بين السياسي يهمنا التذكير هنا بالبيان السياسي الشامل الذي صدر عن مؤتمر 1996 في المهجر، والذي ركز على قضيتين أساسيتين وهما ديمقراطية التوافق بدل الديمقراطية التمثيلية، وحيوية الفصل بين السياسي والثقافي والحسم في الازدواجية. وقد انتظرنا نهضة ما بعد الثورة لنتأكد من جدية تلك المراجعات، وأثرها الملموس على أداء النهضة واستراتيجية تعاملها مع المعطى الوطني.. ولعل الخطوة الاستراتيجية المهمة التي قطعتها النهضة نحو تاريخ سياسي مغاير لأفق التمكين كما تحرك الإسلاميون عموما في اتجاهه، تتمثل في تنزيل مبدأ المصالحة الوطنية الشاملة وفي مقدمتها المصالحة مع الدولة. كم كان مدهشا أن نلاحظ بعد سبع سنوات من الثورة أن طريق المصالحة مع الدولة كان أقل تعقيدا وأكثر سهولة بالنسبة للنهضة من مسار المصالحة مع مكونات المجمع الحزبي الوطني. فقد تبين للنهضة أن خصومها الأكثر شراسة ليسوا في الدولة وإنما في الفضاء المدني والسياسي.

مفارقة بحجم السماء أن تكتشف النهضة أن مستحيل المصالحة مع الدولة أصبح ممكنا وأن ممكن المصالحة مع الفضاء الأيديولوجي والحزبي يكاد يتحول إلى مستحيل، فمنسوب الرفض الحاد لخصوم النهضة في الإعتراف بها كشريك وطني وازن في تونس الديمقراطية، قد يفسره قليلا فشل استراتيجيات النهضة في التطبيع مع الفضاء السياسي. ولكن الأكيد أن تفسيره الأكثر وضوحا هو في المنزع الاستئصالي الكامن لدى قطاع وازن ومؤثر من النخب السياسية الفاعلة اليوم في المشهد.
تبدو النهضة غير مستعجلة في مسار تثبيت صورتها الجديدة، ولكن الأكيد أنها تتقدم بنسق محترم في مسار مصالحتها مع الدولة وبنسق معقول في مسار تثبيت مقبوليتها الخارجية وتتعثر وتتثاقل خطواتها في مسار مقبوليتها في المشهد الحزبي..

جريدة الرأي العام

شاهد أيضاً

في جدلية الوصائية والشعبوية

مصدق الجليدي يسقط المثقف الوصي ويحيا الشعب الحر الأبي هنالك انزلاقات من طبيعة معرفية وانحرافات ...

اترك رد