الأربعاء ، 15 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / المعركة المؤجلة

المعركة المؤجلة

كمال الشارني

عندما رابط مواطنون أمام بوابة التلفزة بعد الثورة احتجاجا على محتواها، وقفنا ضدهم ليس لأن التلفزة الوطنية لا تمس، بل لأنه لا يمكن إصلاح الورثة الكارثية فيها بتلك الطريقة أيا كانت الشعارات، وكل النظريات الغاضبة أو النقدية تجاه الإعلام العمومي تفشل أمام نجاح أسخف البرامج في القطاع الخاص التي تستثمر في الغباء بشكل فاضح.

لا يمكن “تطهير الإعلام” بشكل عام إلا بمقاطعته والمقاطعة لا تأتي إلا بتوفير بديل مهني صناعي لأن الطبيعة تأبى الفراغ. فشل الإعلام العمومي في تحقيق البديل ونجح الإعلام الخاص وحتى الأكثر فسادا لأنه يستمد شرعيته ممن يتابعونه وفق قاعدة العرض والطلب. عشنا وضعيات أكثر بؤسا: إعلام عمومي من أموال الشعب ينافس الإعلام الخاص على أجندات الإشهار والإثارة والعداء للثقافة والتوظيف السياسي والمالي.

السؤال الشرعي يوجه دائما إلى رئيس التحرير في الإعلام العمومي: لماذا فشلت في اكتساب ثقة دافعي الضرائب ؟ كم أقنعت من دافع ضرائب “دافع أجرتك” لمتابعتك ؟ الإقناع، عندنا نحن محترفو الصحافة بصفتها عملا صناعيا له مقاييس علمية ومعادلة رياضية بحتة في عقد أهداف. الحياد كذبة كبرى، الحقيقة الوحيدة هي الكفاءة المهنية في الإجابة عن أسئلة الناس، علم طرح الأسئلة الحقيقية، ومن حق رئيس التحرير أو أي صحفي أن ينتمي حتى إلى عبدة الشيطان، لكن من واجبه أن يحافظ على الموضوعية المهنية، وعلى عكس ما يتصور البعض، هو لا يشتغل عند الشعب، بل عند مهنة الصحافة التي تفترض الموضوعية وليس الحياد، لذلك اخترعت الصحافة علم الفصل بين الخبر والتعليق مثلا، الرأي الخاص مقدس مثل الخبر، لكنه ليس عملا صناعيا، قد لا يهم أحدا سوى صاحبه، يجب تمييزه حتى لا يخلط بالخبر.

كل هذا هامشي، الأصل هو أن الحكومات المتعاقبة قد تقف يوما في مواجهة الإعلام العمومي لكي تسأله: هذا ليس مشروعا خيريا، ماذا تفعلون بالمال العمومي ؟ ما نسبة تمثيلكم في الرأي العام ؟ هل أن دافعي الضرائب مضطرون إلى دفع كلفتكم الباهضة دون حساب ؟ أخشى أن لا نجد أحدا نتهمه سوى أنفسنا، عندما يفوت الأوان.

شاهد أيضاً

العالم مبني على الأكاذيب والأفكار الرائجة

أحمد الغيلوفي تعتقد النسوية التونسية أن المرأة لها قيمة في الثقافة الغربية وفي الثقافة الفرنسية ...

اترك رد