الخميس ، 16 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الشاهد وديناصورات السياسة الثلاثة

الشاهد وديناصورات السياسة الثلاثة

عبد اللّطيف درباله

يوسف الشاهد يسير في طريق مسدود.. ويتوهّم أنّه يستطيع أن يُصَارِعَ ويَصْرَعَ ديناصورات السياسة الثلاثة السبسي والغنّوشي والإتّحاد لوحده.. ويهزمهم جميعا معا.. بمفرده..؟؟؟!!!

لو كان المطرب عبد الحليم حافظ لا يزال حيّا لغنّى مرّة أخرى مقطع أغنيته من كلمات الشاعر نزار قبّاني وأهداه خصّيصا ليوسف الشاهد: “لكنّ سمائك ممطرة .. وطريقك مسدود مسدود”..!!
غير أنّ يوسف صبيّ عائلة السبسي.. عديم الخبرة السياسيّة.. ما كان سيسمع إلاّ صوته الداخلي.. وصوت غناء شلّة المستشارين الدائرين به في القصبة.. !!
والمضحك أنّ غروره.. وكذلك مستشاروه من شلّة عديمي الخبرة السياسيّة مثله.. يصوّرون له الطريق المسدود بأنّه طريقا سريعا (“أوتوروت”) إلى كرسي السلطة والحكم.. !!

عندما انقلب يوسف الشاهد على وليّ نعمته الباجي قايد السبسي.. وأدار ظهره لحزبي النهضة والنداء.. والذي جاء الشاهد أصلا للحكم كممثّل للائتلاف الحزبي الحاكم الذي يملك الحزبان الأغلبيّة في مجلس نوابه في نظام برلمانيّ.. أعتقد يوسف الصغير.. بقليل من الكِبَرِ ومن وسوسة المحيطين به.. أنّه قادر على أن يشقّ لنفسه طريقا غير طريقهما.. وأن يخلق لنفسه سلطة خارج سلطتهما.. مغترّا بوهج وبريق كرسي الحكم في القصبة..!!

اتّكأ يوسف الشاهد في البداية على الاّتحاد العام التونسي للشغل.. ووجد في أمينه العام نور الدين الطبّوبي حليفا قويّا.. في علاقة منافع متبادلة.. هو يعطي للإتّحاد ما يريده من الحكومة.. والاتّحاد يحمي في المقابل رئيس الحكومة من غضب السبسي وخطر عزله من الحزبين الحاكمين النهضة والنداء..

في بحثه عن دعم أكبر وأقوى للاستحواذ على الحكم.. وضمان ما بعد 2019.. اعتقد يوسف الشاهد أنّ الدول والمنظّمات والقوى الأجنبيّة يمكن لها أن تهديه السلطة رغما عن الجميع إن أرضاها وبيّن لها أنّه رجلها الوفيّ والمطيع والخدوم في تونس.. فطفق ينفّذ طلباتهم وإملاءاتهم وبرامجهم ولو على حساب المصلحة الوطنيّة.. والحسابات الداخليّة.. والواقع السياسي والإجتماعي ببلادنا..
لكن عندما تعارضت برامج ورؤية صندوق النقد الدولي والمانحين الأجانب والإتّحاد الأوروبّي مع رؤية الإتّحاد العام التونسي للشغل وتوجّهاته.. خاصّة في مجال الخوصصة وبيع المؤسّسات العموميّة الكبرى.. وعارض الاتّحاد ذلك.. خرج يوسف الشاهد في حوار تلفزي أُعِدّ على عجل وعلى القياس من جوقة الإعلاميين المحيطين به.. فجلس وهو يضع رجلا على رجل.. وينفخ صدره.. ويرفع رأسه إلى فوق مزهوّا.. كعادته منذ أن أهداه كبير العائلة الباجي حكم تونس على طبق من ذهب.. وقال أنّه هو الحاكم.. وهو العارف ببواطن الأمور والحلول.. وهو من يقرّر.. وهو من يقدّر مصلحة البلاد.. وأنّه سيمضي قدما في برنامج بيع بعض المؤسّسات العموميّة حتّى وإن كان الاتحاد يعارض ذلك.. باعتبار أنّ الحكم بيده لا بيد الإتّحاد..!!!

الأغرب أنّ رئيس الحكومة يوسف الشاهد اعتقد أنّه بمجرّد بهرج السلطة.. وبضع خطب عاطفيّة رنّانة.. وحملات بروباغندا إعلاميّة تطبيليّة منظّمة.. وحرب مزعومة مزوّرة ومفبركة على الفساد.. يمكنه أن يصنع لنفسه “اسما تجاريّا” جديدا وضاربا في عالم السياسة.. ويكتسب شعبيّة سريعة وكاسحة لدى التونسيّين والناخبين.. وينتصر بذلك على أحزاب مثل نداء تونس والنهضة.. وقد جهل يوسف أو نسي.. بأنّ ما يلوح له الآن من سراب شعبيّة وحظوة لدى بعض الفئات في البلاد وهو على كرسيّ الحكم في القصبة.. هو قيمة للكرسي وللسلطة في حدّ ذاتها.. وليس قيمة له كشخص هو في حدّ ذاته..
ولو اعتبر الشاهد ونظر إلى التاريخ القريب.. لكان تأمّل في تجربة رئيس الحكومة السابق حمادّي الجبالي الذي اختفى واضمحلّ سياسيّا يوم خرج عن حزبه النهضة وأراد أن يؤسّس لنفسه موقعا سياسيّا خارجها بحكومة تكنوقراط مستقلّة عن الأحزاب التي جاءت به إلى السلطة وتملك أغلبيّة الأصوات في البرلمان.. وذلك إبّان اغتيال شكري بلعيد.. وبرغم أنّ الجبالي.. وفي نهجه ذلك بتحييد سلطته وحكومته عن النهضة وأحزاب الترويكا التي جاء منها إلى الحكم.. تمتّع حينها بتأييد ودعم المعارضة القويّة والإعلام والكثير من القوى الأجنبيّة وحتّى بعض قيادات الجيش والأمن.. إلاّ أنّه اضطرّ في الأخير للإستقالة حتّى لا يقال.. وفقد مكانته في حزبه.. ولم يعد له أيّ ذكر سياسي اليوم..
كذلك رئيس الحكومة السابق مهدي جمعة.. فقد اغترّ بما ظهر له أنّه شعبيّة شخصيّة له وهو رئيس حكومة.. وكاد أن يترشّح للإنتخابات الرئاسيّة سنة 2014.. في تحدّ لكلّ الأحزاب والمنظّمات والقوى السياسيّة التي جاءت به لرئاسة الحكومة بعد أن تخيّل أنّ شعبيّته الجديدة تغنيه عن دعمهم.. لكنّه فقد أيّ قيمة سياسيّة بمجرّد مغادرته قصر القصبة لاحقا.. واكتشف أنّ ما لاح له شعبيّة جارفة وهو على كرسي الحكم في القصبة لا يعدو أن يكون إلاّ مجرّد سراب لانعكاس وهج السلطة.. وكانت نتيجته تقارب الصفر في الانتخابات البلديّة رغم أنّه أسّس حزبا جديدا ونشط سياسيّا واستقطب عديد الشخصيّات السياسيّة وصرف ملايين الدينارات..
وحتّى الحبيب الصيد الذي استبسل في الأيّام الأخيرة من رئاسته للحكومة في محاولة للحفاظ على منصبه ضدّ رغبة رئيس الجمهوريّة السبسي في عزله.. ووقفت معه النهضة في البداية.. انتهى به الأمر بالتصويت في مجلس النواب حتى من نواب النهضة على رفض تجديد الثقة له.. وجاء الشاهد مكانه.. ولم يعد للحبيب الصيد أيّ ذكر سياسي بعدها..

يوسف الشهد قد يكون يحلم بأن يستقطب جزء من عامّة الشعب.. والشقّ الغاضب من نداء تونس.. وقدماء النداء الذين انشقّوا عنه.. وبعض الأحزاب الأخرى الصغيرة والمتناثرة التي لا أمل لها في الفوز بالانتخابات وسيسعدها أن تجد نفسها فجأة ضمن الحكومة.. لكن في كلّ الحالات فإنّ تلك الأحلام مؤجّلة لسنة 2019.. أمّا اليوم في جوان 2018.. فإنّ المضيّ قدما في مواجهة مفتوحة مع الجميع للبقاء في رئاسة الحكومة تبدو مواجهة خاسرة بكلّ الحسابات والمقاييس..

أوّلا..
بالنسبة لإعلان الحرب على حافظ قايد السبسي.. فعلى وجاهة ما تحدّث فيه الشاهد تلفزيونيّا من كون حافظ خرّب نداء تونس.. وتسبّب في تراجع شعبيّته.. وقاده لهزائم متتالية.. فإنّ الحرب على حافظ معناها وبالضرورة الحرب على والده الباجي قايد السبسي.. لأنّ من نصّب حافظ على رأس النداء غصبا ولو بطرد جميع الرؤوس الأخرى من قياديّيه ومؤسّسيه السابقين هو الباجي نفسه..
وسبق للشاهد أن دخل في خلاف مع الباجي منذ أشهر.. وقد فكّر هذا الأخير وقتها في تنحيته.. لكنّه تردّد باعتبار أنّه هو من عيّنه أصلا وجاء به من المجهول.. فارضا إيّاه على الجميع.. قائلا لهم أنّ يوسف الشاهد هو الرجل المناسب لمنصب رئيس الحكومة.. وهو الذي سيجد الحلول ويصلح ما فشل فيه الحبيب الصيد.. وبالتالي فإنّ الاعتراف بفشل الشاهد سكون إقرارا من السبسي بفشله هو شخصيّا في اختياره..
لذلك أبقي يوسف في منصبه على مضض بعد أن وعد بالطاعة مستقبلا.. وفرض عليه تحوير وزاريّ عميق حاصره فيه الباجي ببعض الوزراء الأقوياء منهم خصوصا عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع.. ولطفي ابراهم وزير الداخليّة.. والذين أصبحوا لاحقا في شبه قطيعة مع رئيس حكومتهم الشاهد.. ولا يقيمون له أيّ وزن باعتبارهم يستمدّون سلطتهم أصلا من رئيس الجمهوريّة السبسي رأسا..
لذلك وبعد تصاعد تمرّد الشاهد على السبسي الأب والإبن.. وشبه القطيعة بينه وبين حزبه نداء تونس.. وإحاطته نفسه بمستشارين من غير الأحزاب الحاكمة يسيّرون معه الدولة رغما عن الإئتلاف الحاكم.. قرّر رئيس الجمهورّية عزل الشاهد كما جاء به.. واستدعى مختلف الأطراف من أحزاب ومنظّمات وقوى سياسيّة لما سمّاه “وثيقة قرطاج 2”.. بتعلّة تقييم عمل الحكومة والبحث عن حلول وبرامج لخروج البلاد من أزمتها الراهنة.. وهو يدرك أنّ النقاش سينتهي لا محالة إلى معاينة فشل حكومة يوسف الشاهد.. واقتراح تغييرها وتغييره هو شخصيّا.. وهكذا كان الأمر في النقطة 64 من التقرير النهائي لوثيقة الاتّفاق..
وبذلك فإنّ موقف نداء تونس كحزب حاكم.. وموقف رئيس الجمهوريّة الباجي قايد السبسي محسوم في ضرورة تغيير يوسف الشاهد وعزله من رئاسة الحكومة..
وإن كان النداء لا يملك الأغلبية النيابية لعزل الشاهد.. فإنّ الباجي يملك من التأثير السياسي ومن أوراق اللعب ما يمكّنه من حشد التأييد والنصاب اللاّزم لتحقيق ذلك ..

ثانيا..
الاتّحاد العام التونسي للشغل.. والذي انقلب وتمرّد عليه يوسف الشاهد بدوره بعد تحالف سابق بينهما.. وبعد أن وفّر الاتّحاد والطبّوبي شخصيّا السند والأمان والحماية لرئيس الحكومة في مواجهة حزبي النهضة والنداء اللّذان أدار لهما الشاهد ظهره منذ الأشهر الأولى لدخوله قصر القصبة حاكما متوّجا بلا تاريخ سياسيّ ولا نضال ولا تعب ولا جهد ولا كفاءة ولا أهليّة.. هذا الاتّحاد وأمينه العامّ نور الدين الطبّوبي أصبح موقفهما قاطعا في ضرورة عزل وتغيير يوسف الشاهد.. الذي انقلب عليهما وخانهما في رأيهما..
الاتّحاد أصبح يهدّد صراحة حينا.. وضمنا حينا آخر.. بالعمل على إسقاط الشاهد بما يتوفّر للاتحاد من قوّة ووسائل إن لم يقع تنحيته بالآليّات السياسيّة ممّن جاء به إلى السلطة..
معنى ذلك أنّ رأي الاتّحاد كقوّة سياسيّة ذات وزن بما تملكه من ثقل في الشارع وقدرة على تعطيل مرافق الدولة عبر الإضرابات القطاعيّة في المجالات الحسّاسة (الإدارات، النقل، التعليم، الصحّة…) توافق مع رأي عرّاب يوسف الشاهد نفسه رئيس الجمهوريّة الباجي قايد السبسي.. وأنّه سيستعمل أسلحته الثقيلة متى كان ذلك لازما لوضع حدّ لرئاسة يوسف الشاهد للحكومة مستقبلا..

ثالثا..
حركة النهضة.. وهي بدورها تماما كحليفها نداء تونس.. عانت من جفاء رئيس الحكومة يوسف الشاهد لها منذ أن جاء إلى السلطة بفضل أصوات نوّابها في البرلمان.. ولاحظت أنّه أصبح في شبه قطيعة معها لا يكاد يستشيرها في شيء من أمور الحكم الهامّة.. مقابل استشارة شلّة من الوزراء أحاطهم الشاهد به في القصبة دون أن يكون لأحزابهم أيّ ثقل سياسي.. ولا لهم أيّ وزن في البرلمان.. إضافة إلى افتقادهم للخبرة السياسيّة والتقنيّة اللاّزمة..
وعندما تصاعدت وتيرة تلك الاستقطابات وبدأت حرب الشاهد المزعومة والمفبركة على الفساد.. وبدأت تلوح بوادر تقارب بين الشاهد وبين قوى سياسيّة أخرى وأحزاب صغيرة.. وانطلق الحديث عن تكوين جبهة برلمانيّة مؤازرة وداعمة لرئيس الحكومة.. بعضها من داخل الإئتلاف الحاكم مثل شقّ من حزب نداء تونس ومن كتلته بالبرلمان المعارضة لمدير الحزب حافظ قايد السبسي.. وحزب آفاق تونس.. وبعضها من خارج الإئتلاف الحاكم.. وتضمّ بعض الأحزاب المعادية للنهضة.. مثل حزب المشروع لمحسن مرزوق.. استشعرت النهضة الخطر.. وبعثت فورا تنسيقيّة بينها وبين نداء تونس.. في إنذار شديد ومباشر للشاهد.. وإشارة إلى أنّهما لا يزالان الحزبان الحاكمان.. وأنّهما لا يزالان يمتلكان الأغلبيّة اللاّزمة في مجلس النواب لعزل يوسف الشاهد حتّى في مواجهة الجبهة البرلمانيّة الجديدة الموالية له..

وعندما حصلت الأزمة السياسيّة الأولى بين الشاهد والرئيس السبسي.. وأشرف هذا الأخير على تنحية رئيس الحكومة الشاهد منذ بضعة أشهر.. اصطفّت النهضة مع النداء.. وأيّد راشد الغنوشي السبسي.. وخرج الشيخ زعيم حركة النهضة في حوار تلفزيّ بقناة “نسمة” لينتقد الشاهد علنا قائلا أنّ طموحاته لانتخابات 2019 قد تكون شغلته عن ممارسة الحكم وحسن إدارة الدولة.. وأضعفت مردوده.. وأنّ على يوسف أن يختار بين الإعلان صراحة عن أنّه غير معنيّ بالترشّح لانتخابات 2019 والتركيز على العمل الحكومي فقط دون حسابات انتخابيّة.. أو الخروج من الحكومة وممارسة حقّه في الترشّح للانتخابات.. وبدا واضحا أنّ تصريح الغنّوشي كان أيضا نقلا بالنيابة لرسالة من السبسي لصبيّ عائلته يوسف..
يعني أنّ تاريخ النهضة مع يوسف الشاهد هو سلبيّ تماما كتاريخه مع النداء..
وتاريخ راشد الغنّوشي مع الشاهد هو سلبيّ بدوره كتاريخ الشاهد مع السبسي تماما..
فلماذا عارضت النهضة فجأة النقطة 64 من “وثيقة قرطاج 2”.. وتمسّكت بالشاهد رئيسا للحكومة حتّى الانتخابات القادمة؟؟
الأرجح أنّ النهضة تمسك بورقة دعم يوسف الشاهد والمعارضة الظاهرة لتغييره.. كورقة مفاوضة قويّة في مواجهة الرئيس السبسي ونداء تونس وكذلك اتّحاد الشغل.. من أجل فرض موافقتها على شخص رئيس الحكومة الجديد.. وعلى تركيبة الحكومة الجديدة.. وخاصّة وزارات السيادة مثل الداخليّة والدفاع والعدل.. وعلى مدى تمثيليّتها فيها.. لا سيما وأنّ الحكومة الجديدة تأتي ويفترض أن تستمرّ في فترة حاسمة قبيل الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة القادمة في أكتوبر 2019..

بالتالي فإنّ النهضة لا تتمسّك بيوسف الشاهد من حيث المبدأ.. ولا تدعمه كشخص أو خيار سياسي.. وإنّما تستعمله كمجرّد أداة للمفاوضة والمساومة ليس إلاّ..
والعارفين بالتحالف الاستراتيجي الذي استقرّت عليه النهضة مع النداء والسبسي.. منذ المصافحة الشهيرة صيف 2013 بين الباجي قايد السبسي وراشد الغنّوشي.. ولقاء باريس.. وما تلاه من تفاهمات واتّفاقات وتوافقات.. لا يشكّون لحظة بأنّ الغنّوشي لن يضحّي أبدا بتحالف استراتيجي طويل مع شخص في الثقل والماضي السياسي للباجي قايد السبسي للدخول في مجرّد تحالف تكتيكي مؤقّت مع شخص مثل يوسف الشاهد.. لا وزن ولا ماضي سياسيّ له.. ولا مستقبل سياسيّ له على الأرجح..
لذا فإنّ تخلّي النهضة عن يوسف الشاهد هو مسألة وقت ليس إلاّ.. وقد لا يطول ذلك لأسابيع.. وإنّما سيقتصر غالبا على أيّام.. إن لم يكن ساعات.. خاصّة بعد أن كشّر يوسف الشاهد عن أنيابه بقوّة وبدا مستعدّا لفعل أيّ شيء لضمان بقائه في قصر القصبة..

فإذا ما كان “صبيّ العائلة” يوسف عضّ يد الباجي نفسها التي أعطته كرسي الحكم جاهزا ولم يكن أهلا له أصلا..
وهاجم ابنه حافظ علنا وأطلق ضدّه شتّى الاتّهامات بالتلفزيون وهو من العائلة التي يدين لها بالفضل ليصبح فجأة رئيسا لحكومة دولة.. ومدير الحزب الذي جاء به للسلطة..
وتعامل يوسف قبلا بالجفاء والقطيعة مع النهضة نفسها.. ومع غيرها من أولي الفضل عليه..
وقاد حربا مزعومة ضدّ الفساد أوقف خلالها أشخاصا بقانون الطوارئ بعيدا عن القضاء.. في سابقة لم تحدث حتّى في عهد بن عليّ وفي عهد الترويكا أيّام الاضطرابات الكبرى والاغتيالات.. لكونهم منافسين سياسيين له أو لخلق شعبيّة لنفسه وإخافة الآخرين واستقطابهم خوفا وطمعا..
وعزل وعيّن وزراء دون استشارة الإئتلاف الحزبي الحاكم الذي يفترض أنّه ينتمي إليه..
وبادر هو بالإنقلاب على اتّحاد الشغل الذي سانده وحماه..
فإنّ معنى ذلك أنّ طبيعة يوسف الشاهد أنّه ناكر للجميل.. وأنّه شخص غير موثوق.. وأنّه مستعدّ لكلّ شيء من أجل تحقيق طموحاته الشخصيّة.. وأنّ ضربه للنهضة نفسها قد يكون ممكنا في أيّ وقت مستقبلا إن اقتضت مصلحته ذلك..
لكلّ ذلك فإنّ موقف النهضة وخلافا للظاهر.. هو واضح ومؤكّد في كونها ستساند في الأخير السبسي والاتّحاد لعزل يوسف الشاهد.. وأنّها لن تدخل أبدا في مواجهة أو خصومة أو عداء معهما من أجل رئيس حكومة مثل الشاهد..

هل يا ترى يجهل يوسف الشاهد كلّ ذلك؟؟؟
إذا كان يوسف الشاهد اغترّ بموقف النهضة الرافض لتنحيته في الظاهر.. واعتبره حائطا صلبا يمكنه الاتّكاء عليه طويلا.. فمعنى ذلك أنّه لا يفهم السياسة جملة وتفصيلا.. لا كثيرها ولا قليلها..
لكن الأرجح أنّ الشاهد يدرك تماما أنّ موقف النهضة هو مؤقّت.. وأنّها ستذعن في الأخير لرغبة الباجي والاتّحاد.. ولكنّه يحاول ربح الوقت للهروب إلى الأمام.. علّه يمسك بوسائل أخرى جديدة تبقيه في القصبة.. أو تتغيّر المعطيات والمعادلات السياسيّة فجأة.. أو أن يكبر الإنشقاق في كتلة نداء تونس بالبرلمان ضدّ حافظ قايد السبسي.. فيفشل النداء والنهضة في حشد الأغلبيّة القانونيّة لعزله..
لذلك فإنّ يوسف يعوّل على الوقت المتاح.. ليقوم بإجراءات يرى أنّها قد تقلب المعادلة أو تفرض أمرا واقعا جديدا.. مثل عزل وزير الداخليّة لطفي براهم.. واستعداده لإجراء تحوير وزاريّ آخر في حكومته.. مثلما صرّح بذلك سابقا في آخر ظهور تلفزي له أعلن فيه أنّه لن يرضخ للرغبة في تنحيته.. مظهرا أنّه سيقاوم.. مهاجما حافظ قايد السبسي متوعّدا بالتصدّي له.. وكما أكّده الناطق باسم حكومته إيّاد الدهماني الذي قال بأنّ يقع الإعداد لتحوير وزاري سيعلن عنه قريبا..

غير أنّ العاقل يتعجّب من الطريق الذي يسير فيه رئيس الحكومة يوسف الشاهد.. فهو في الواقع لم يحقّق أيّ إنجازات تذكر في فترة حكمه.. بل أنّ جميع المؤشّرات الاقتصاديّة والماليّة سلبيّة وفي تراجع وانحدار.. والوضع الإجتماعي متوتّر ومتأزّم.. ولا برامج لحكومته تعطي أملا في تحسّن الوضع قريبا.. وحكومته غارقة في الفساد وهو يزعم أنّه يقاوم الفساد بحملة شنّها على معارض سياسيّ له (وإن كان يملك ملفّات فساد).. وعلى مجموعة من “الكناتريّة” لا تصنّف أعمالهم (برغم عدم قانونيّتها) من قبيل الفساد كما تعرّفه المنظّمات الدوليّة..
وقد قاطع الشاهد الأحزاب التي أوصلته للحكم في سابقة لا تستقيم سياسيّا..
وهو اليوم يريد أن يبقى في السلطة بالرّغم من أنّ غالبيّة أصوات نواب أحزاب الإئتلاف الحاكم في البرلمان ستصوّت ضدّ بقاءه وستصادق على بديل جديد له..
وهو في المقابل لا ظهر سياسيّ له.. ولا ينتمي عمليّا الآن لأيّ حزب.. وبالتالي فإنّ رئيس الحكومة الشاهد لا يملك أيّ ثقل في البرلمان بالرغم من أنّه جاء للحكم في نظام برلماني..
وحتّى علاقته بالأحزاب المعارضة للنداء والنهضة مهتزّة ومتذبذبة.. وقد لا يمكن التعويل عليها.. خاصّة وأنّها بدورها قد تختار في النهاية الدوران في فلك السبسي من جديد على تحدّيه مع الشاهد..
أمّا التعويل على اكتساب شعبيّة عارمة وجماهيريّة كاسحة بين التونسيّين.. فهو وإن كان أمرا غير مؤكّد.. ويصعب تخيّله.. فهو لن يخدمه حاليّا من الناحية الدستوريّة بأيّ شكل للبقاء في منصبه..
فإن فشلت الوسائل الدستوريّة لإزاحة يوسف الشاهد من الحكم.. فإنّ الاتّحاد العام التونسي للشغل سيكون بالمرصاد له في الشارع وفي الإدارات والوزارات ومختلف القطاعات لسدّ الطريق أمامه وجبره على الإستقالة..
وسيكون ذلك بالتأكيد بدعم من الحزب الحاكم نفسه النداء.. وربّما النهضة..

يعني أينما سيولّي يوسف الشاهد وجهه فأمامه طرقا مسدودة..!!!

ولا يملك الرجل.. يوسف الشاهد.. أيّ تاريخ سياسيّ.. أو أيّ خبرة في الحكم وفي المناورات السياسيّة.. ولا فريق عمل وأنصار قويّ من ذوي الكفاءات والحنكة.. ولا يملك كاريزما شخصيّة.. ولا إنجازات حكوميّة باهرة في فترة تولّيه السلطة.. ولا يملك مثلا دعم أحزاب سياسيّة أخرى كبيرة داخل أو خارج البرلمان في المعارضة أو في غيرها.. قد تعطيه كلّها أو بعضها المجال لأن يفعل ما يظهر وأنّه مستحيل.. ويقلب الطاولة على الجميع.. ويخرج منتصرا..
وبناء على هشاشة موقفه.. والوضع السياسي العامّ.. وشخصه.. وما يملك من وسائل وأدوات في يده.. وما يفترض أنّه يحشده معه حاليّا من طاقات سياسيّة وبشريّة.. وبالنظر إلى طبيعة وحجم خصومه والمتربّصين به.. فإنّ الحقيقة أنّ يوسف الشاهد أظهر قدرا مدهشا من التهوّر والسذاجة السياسيّة والغرور.. فهو أعتقد أن “صبيّا” مثله مبتدأ في عالم السياسة الغارق والواسع والمعقّد.. في بحر هائج متلاطم الأمواج منذ ما بعد الثورة.. يمكنه أن يصارع في نفس الوقت.. ولوحده.. ثلاثة ديناصورات سياسيّة محنّكة ومن ذوي الخبرة الكبيرة والطويلة في الصراعات والمناورات.. هم الباجي قايد السبسي وراشد الغنّوشي واتّحاد الشغل ممثّلا في نور الدين الطبّوبي.. وأن يغلبهم جميعا وهم مجتمعين معا.. وبمفرده..!!!

لذا فإنّ يوسف الشاهد ومهما فعل من أعمال ومن قفزات سياسيّة بهلوانيّة هذه الأيّام.. هو في الواقع والمنطق يسير في طريق مسدود.. مسدود.. ما في ذلك شكّ..

شاهد أيضاً

السبسي خيانة مؤتمن دستورية وخلقية

أبو يعرب المرزوقي لما انتخب السيد قائد السبسي -وكان اقل الشرين- اعتبرت عهده قد بدأ ...

اترك رد