الجمعة ، 21 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / إقالة وزير داخلية تونس: أزمة جديدة أم خطوة في اتجاه الحل ؟

إقالة وزير داخلية تونس: أزمة جديدة أم خطوة في اتجاه الحل ؟

عادل بن عبد الله

بعد أن بلغت وثيقة قرطاج في نسختها الثانية مرحلة الأزمة المفتوحة بين أهم مكوناتها (وأساسا بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد والاتحاد العام التونسي للشغل الذي أصبح حليفا موضوعيا -بصرف النظر عن مقاصده- لجناح ابن رئيس الجمهورية حافظ قائد السبسي)، وبعد أن أصرّ رئيس الحكومة على الدفع بالصراع المفتوح بينه وبين نجل الرئيس إلى مرحلة “كسر العظام” والمواجهة “الوجودية” القائمة على منطق النفي المتبادل واستحالة العمل معا في حكومة “الوحدة الوطنية” وفي حركة نداء تونس على حد سواء، بعد ذلك كله جاءت إقالة وزير الداخلية لطفي براهم لتزيد من ضبابية الوضع السياسي التونسي.

ظاهريا، تبدو هذه الإقالة في هذا الظرف بالذات وكأنها ضرب من “النشاز” في النغمة الأساسية لطبول الحرب؛ التي تُقرع في القصبة ضد نجل الرئيس و”رجاله” في الحزب وأجهزة الدولة. فرغم أن وزير الداخلية المقال محسوب على نجل الرئيس وعلى بعض الأطراف النافذة الأخرى، خاصة منها رجل أعمال معروف مُلقّب بـ”صانع الرؤساء”، وهو رجل ظل كانت له -وما زالت- اليد الطولى في ما يُسمّى بـ”الدولة العميقة”، رغم ذلك كله فقد كان من المنتظر حصول أمرين لا ثالث لهما:

1. رحيل الحكومة كلها إذا ما عجز رئيسها عن تليين مواقف اتحاد الشغل، أو عجز عن المحافظة على الغطاء السياسي الذي توفره له حركة النهضة وبعض المغاضبين لنجل الرئيس في حركة نداء تونس، وأساسا المحافظة على دعم الدول الأروبية الكبرى والولايات المتحدة.. هذه الدول التي وعدته بتقديم الدعم بعد تعهده بالمضي قدما في “الإصلاحات الكبرى” وفي شروط “اتفاق التبادل الحر والموسع” مع الاتحاد الأوروبي. ولا يخفى على أحد أنّ تونس مثل كل الدول التابعة والمتخلفة لا تمتلك مقومات سيادتها، ولذلك فهي تشهد تدخلا، سافرا أحيانا وخفيا أحيانا أخرى، في بناء “قراراتها السيادية”، كما لا يخفى على أحد أنّ الدعم الغربي لرئيس الوزراء -أو لغيره- هو أمر مرتبط أساسا بتثبيت العلاقات اللامتكافئة بينه وبين تونس، وترسيخ التبعية في مختلف أشكالها الاقتصادية والثقافية.

2. إجراء تعديل وزاري جزئي قد يشمل وزارات السيادة بما فيها وزارة الداخلية وقد لا يشملها بالضرورة. ولا شك في أنّ إقالة وزير الداخلية خارج هذا التعديل الجزئي هي أمر ذو دلالات هامة من الناحية السياسية، إذ هو قد يعني أولا أنه لا وجود للقيام بهذا التعديل أصلا، وهو ما قد يُفهم منه أن رئيس الحكومة قد تجاوز مرحلة الضعف وأصبح قادرا على إدارة حكومته بعيدا عن بعض “الإملاءات” التي كانت ترفع سقف مطالبها عاليا (مثل سقف رحيل رئيس الحكومة) لتضطره إلى القيام بما هو أدنى (أي تعديل كبير على تركيبة الحكومة). كما أنّ تعيين وزير العدل غازي الجريبي وزيرا للداخلية بالنيابة؛ يعني أنّ أصحاب القرار (أو مكوّنات المركّب الجهوي-المالي-الأمني المتحكم في تونس منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا) قد قرروا التضحية بأحد رجالهم، لكنهم لم يتفقوا بعد على من يعوّضه.

وبصرف النظر عن أسباب هذه “التضحية” بوزير الداخلية (ضغْط الاتحاد الأوروبي أو المنظمات الحقوقية الدولية بحكم السجل الأسود للطفي براهم في مجال حقوق الإنسان منذ أن كان آمرا للحرس الوطني، تطورات غير معلومة في بعض القضايا المنشورة أمام القضاء ضد لطفي براهم وأساسا شبهات تحوم حول تلاعبه بـ”عملية المنيهلة” الإرهابية، احتواء الغضب الشعبي بعد كارثة غرق عشرات التونسيين في مركب معد لتهريب المهاجرين في منطقة قرقنة، فشل وزير الداخلية المُقال في القبض على وزير الداخلية الأسبق ناجم الغرسلي المتحصن بالفرار منذ أشهر، تغير موازين القوى بين الأطراف المكونة “للدولة العميقة” وأساسا بين جناحي البلدية والسواحلية، استباق سيناريو انقلابي محتمل كان يوظف لطفي براهم باعتباره “الرجل القوي” القادر على تجاوز حالة الفوضى السياسية وضمان مصالح اللوبيات الناهبة العالمية، بعيدا عن أي أجهزة رقابية أو حريات إعلامية).. بصرف النظر عن ذلك كله، فإنّ الإقالة قد أكدت مرة أخرى وجود تحالف استراتيجي حقيقي، يتجاوز التحالف التكتيكي والمرحلي، بين مكوّنات اليسار الثقافي، وبين “صقور” المنظومة الحاكمة، خاصة منهم أولئك الذين قد يُعلنون “البيان رقم واحد” أي الانقلاب على المسار الديمقراطي، أو على الأقل يُقصون حركة النهضة من الحكم تمهيدا لإقصائها من الحقل السياسي كله.

لو أردنا اختزال الأزمة البنيوية التي عرفها الحقل السياسي التونسي بعد الثورة، والتي أدت إلى عودة المنظومة القديمة إلى الحكم، لقلنا إنها تتمثل في قدرة السردية البورقيبية على تدجين السرديات الأيديولوجية الكبرى (أساسا السرديتين اليسارية والإسلامية) وإخضاعها لسلطتها المرجعية فكريا و”جهويا”. فالبورقيبية لم تنجح فقط في استعادة منزلة “الخطاب الكبير” بعد فشل القوى الثورية في بناء “كتلة تاريخية” وإنتاج سردية خاصة بالثورة، بل إنها قد نجحت -وهو الأهم- في المحافظة على سلطة الطرفين المتحكمين في السلطة والثروة منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا: البلدية والسواحلية، كما نجحت في استلحاق بقية النخب، بصرف النظر عن ادعاءاتهم الذاتية، بهاتين الجهتين، وصبّ “خراجهم” الأيديولوجي في خزائن المافيات التي هددتها الثورة… لكن إلى حين.

بعيدا عن أي خطاب جهوي “مضاد” (أي بعيدا عن مهاجمة الجهوية السائدة لاستبدالها بجهوية أخرى)، فإنّ تحليل الواقع السلطوي في تونس يستدعي استحضار “البنية الجهوية للسلطة” باعتبارها أحد متغيرات التحليل، وإن لم يكن هو المتغير الأهم بالضرورة. فالطابع الزبوني للدولة هو طابع مشتق من طابعها الجهوي أساسا. ولم تنجح الأحزاب الأيديولوجية الكبرى (خاصة اليساريين والإسلاميين باعتبارهم قاطرات تنظيمية تعبّر عن مصالح الدواخل والقواحل، وباعتبار انتماء أغلب قياداتهم الفاعلة إلى الجهات المحرومة في الشمال الغربي والوسط والجنوب) في التحرر من عداواتها التقليدية، تلك العداوات القائمة على مسائل هووية ثقافوية بعيدة كل البعد عن استحقاقات الثورة وانتظارات ضحايا دولة “الاستقلال”. ولتأكيد هذه الملاحظة، يكفي أن نلقي نظرة على المنحدر الجهوي لمن يشغلون الرئاسات الثلاث أو المناصب الكبرى في وزارة الداخلية ذاتها.

لقد سُقنا الملاحظات السابقة لنمهّد للحقيقة السياسية التالية: إن رحيل لطفي براهم هو مجرد تعبير عن صراعات داخلية داخل “المنظومة الحاكمة”، ولا علاقة له بانتظارات المواطنين أو بطبيعة أدائه خلال مسيرته الأمنية. ولذلك، فإن هذه الإقالة قد تكون جزءا من الحل، لكن من منظور رهانات ومصالح المتنفذين داخل المركب “المالي-الأمني-الجهوي”؛ الذي كان وما زال هو المتحكم الحقيقي في دواليب الدولة، كما قد تكون تلك الإقالة حلاّ من منظور حلفاء هذا المركّب والوافدين الجدد عليه (أي حركة النهضة)، بحكم ارتباط الوزير المقال ببعض السيناريوهات الانقلابية المحتملة، ولكنّ هذه الإقالة تبقى أساسا مجرد مظهر من مظاهر الأزمة لأنها تضعنا أمام الواقع التالي: إنّ من يصنع القرار هو أساسا طرف لا علاقة له بالثورة ولا بالأيديولوجيات والسرديات الكبرى، أما من يتفاعل معه، من منظور أيديولوجي اختزالي، فهو طرف لا علاقة له بصنع القرار، ولكنه طرف قد رضي بأن يكون مجرد “شارح” لتلك القرارات، سواء أكان شرحه تثمينا أم مهاجمة لها.

وللوقوف على هذه الحقيقة، يكفي أن ندرس “موقف” بعض مكونات اليسار مع حدث الإقالة هذا، خاصة “موقف” العائلة “الوطنية الديمقراطية” المعروفة بقربها من أجهزة الدولة منذ عهد ابن علي، والمعروفة أيضا بمقارباتها الثقافوية للصراع وبعدائها المرضي للإسلام السياسي بمختلف تشكيلاته. فرغم أنه من المعلوم عند الدارس المبتدئ لأي حقل معرفي أنّ عليه تجنب التفسير بـ”العامل الأوحد”، ورغم أنّ المنتمين لليسار يدّعون تمثيل “العقل العلمي” وآخر مكتسبات “العقل الحديث”، فإنهم يعجزون (بحكم مقاربتهم الثقافوية للصراع) عن تجاوز المنطق الاختزالي والتثبيت المرضي على حركة النهضة. ورغم أنه لا أحد ينكر تحول النهضة تدريجيا إلى جزء من المنظومة الحاكمة، فإنّ اختزال الأزمة البنيوية فيها أو شيطنتها هو استراتيجية واعية لتخفيف الضغط عن نداء تونس، ولمنع أي تغير حقيقي في بنية السلطة.

ولا شك في أنّ استمرار أغلب القوى اليسارية في اعتماد هذا المنطق والقبول بهذه الوظيفة؛ يحرمان التونسيين جميعا من أمرين على غاية الأهمية، وهما أمران لا يمكن تحققهما إلا بمشاركة عقل يساري وطني حقيقي: أولا فهم حقيقة الصراع داخل السلطة وحولها، وفهم طبيعة الرهانات الاقتصادية والاجتماعية المتحكمة في مختلف الفاعلين، وثانيا بناء “كتلة تاريخية” تتأسس على المشترك المواطني وتتجاوز الإشكال الهوياتي الذي هو في نهاية التحليل؛ أعظم حليف للنواة الصلبة للمنظومة الحاكمة في تونس بلحظتيها الدستورية والتجمعية.

وفي حالة ما واصل اليسار، وتحديدا “السلفية اليسارية” التي هي النواة الصلبة لـ”إرهاب الدولة”، إدارة الصراع على أساس العداء المرضي للإسلام السياسي، بل للإسلام ذاته أحيانا، وفي صورة مواصلته التحالف الموضوعي مع البرجوازية اللاوطنية للدفاع عن “خرافات النمط المجتمعي”، وما تخفيه من بنية جهوية-زبونية للنظام، فإنه لن يتجاوز أبدا دور “الشارح” ولا وضعية “الهامش” في المتن النيو-تجمعي بقيادة نداء تونس وحلفائه، وعندها لن تكون إقالة وزير أو تعيين غيره إلا شكلا من أشكال البحث عن توازنات داخل المنظومة الحاكمة، ولا علاقة لها بأي “شرح” مؤدلج. فمهما كانت قوة استعارات ذلك الشرح، لن يكون مدارها إلا الفراغ، ولن يكون محصولها إلا تقوية قبضة المنظومة حتى في عقول من يدعون أنهم أكثر الناس تحررا منها.

“عربي21”

شاهد أيضاً

تفتت “الحراك” أو ماراتون الجيش المكسيكي

أبو يعرب المرزوقي ترددت كثيرا قبل قرار الكتابة في آخر حدث يمر به حزب المرزوقي. ...

اترك رد