الإثنين ، 16 يوليو 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / في الذكرى 37 للتأسيس حركة النهضة بين التعبئة والتنشئة

في الذكرى 37 للتأسيس حركة النهضة بين التعبئة والتنشئة

بحري العرفاوي

تحيي حركة النهضة اليوم 6 جوان 2018 الذكرى 37 لتأسيسها وفي ظروف مختلفة عن كل السنين الفارطة بما فيها سنوات مشاركتها في حكومة الترويكا.
إحياء الذكرى عادة يكون لتقييم “الحاضر” ولمراجعة تفاصيل المسيرة ولإحصاء المكتسبات والخسائر، الوقوف على التضحيات والبطولات والإنجازات مهم دائما لتحفيز الهمم ولرفع درجة القناعة بصوابية المسار وعدالة القضية وشرف الرسالة، ولكن الأهم هو الوقوف وبوعي حاد وصرامة نقدية على مواطن الخلل والتقصير ومحطات الزلل، الأهم هو طرح الأسئلة وعرض “الجسم” على التحليل والتشريح دون تردد أو تخوف أو إخفاء لحقائق وتفاصيل ضمن منهج عملي تفاؤلي ومستقبلي يُقر بنسبية العمل البشري ويقبل بحقيقة الخطأ لتجاوزه والإستفادة منه دون اعتماد مفردة “لو” وفي الحديث الشريف “…ولا تقل لو فإن لو تفتح عمل الشيطان” وأيضا وهو الأهم دون اعتماد المراجعات كآلية لتصفية الحسابات وإعادة الفرز والتموقع.

أعتقد بأن أسلوب الإستثمار في “التضحيات” -وهي حقيقة ناصعة- قد استنفد أغراضه خلال السنة الأولى من بعد 14 جانفي 2011 أثناء وقبل وبعد الحملة الانتخابية الأولى وقد أثمر فعلا فوزا مهما لقائمات الحركة لا بفعل كفاءة الأشخاص وإنما بفعل الرصيد النضالي ونقاوة الصورة وبفعل ما يعلقه الناس من آمال في النهضة كعنوان وتاريخ ورموز ونضال… وقد أثبتت الانتخابات البرلمانية الأخيرة لسنة 2014 بأن ذاك الرصيد المعنوي قد انتقصت منه التجربةُ العمليةُ في الحكم والممارسة الواقعية للشأن العام والالتحام المباشر بتفاصيل الحياة ومفاصل العلاقات.. إن عامة الناس يعنيهم “طُهرُ” السياسيين لا كقيمة أخلاقية مجردة وإنما كضمانة لتحقيق العدالة وحماية الحقوق ودفع المظالم، أما إذا ما ترافق ذاك “الطُّهرُ” بضعف أو عجز أو تردد أو فشل فإنه لن يشفع لأصحابه وسيبحث الناسُ عمن يحقق أهدافهم المتعلقةَ بالمعاش لا بالمعاني حتى وإن لم يعتمد خطابَ “القيم” و”النضال” وهو ما يجد تأكيداتِه في نتائج انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية.

خطاب التضحيات والنضال هو خطاب “تعبئة” تعتمده عادة الأحزابُ والحركات السياسية في عملياتها الإستقطابية توسيعا لقاعدتها الشعبية وتوفيرا لحظوظها الانتخابية وهو خطابٌ سريع النتائج ولكنه لا يبني وعيا ولا ينشِّئُ أجيالا مُشبعةً بمشروع حضاري وبرؤية عميقة وهو خطاب معرض دائما للاختراق وللصدماتِ… الكُتل البشرية التي تراكمها العواطفُ تشردها العواصفُ.

حركة النهضة كانت قد تأسست في بداياتها على خطاب “تنشئة” في الحلقات التكوينية داخل المساجد والبيوت وكانت قد تعلقت في العقد الأول من نشاطها بمختلف التعبيرات الثقافية مسرحا وشعرا وأغنية ورسما وسينما وبدأت تتدرب على النشاط في الفضاءات العمومية من دور ثقافة ودور شباب وكشافة ومضايف ومنتديات وجمعيات ولكن الضربات الأمنية هي التي جعلتها “تُضحي” بمختلف الأنشطة لتحافظ قدر الإمكان على “التنظيم” كضمانة لأي عودة مستقبلية للساحة.
اليوم وقد تغيرت الظروف وأصبحت الحركة حاضرة في ساحة مفتوحة لم يعد من حقها التعلل بأي مانع لتفسير تقصيرها في مجال “التنشئة” مجال الأفكار والمعاني والفنون والجماليات -رغم ما يعتمل في المشهد العام من مؤامرات ورغم ما يُخبئه الصمت من فخاخ وألغام-.
لم تعد الحركة مجرد كيانٍ سياسي يبحث عن اعتراف أو مجرد طرفٍ في لعبة الديمقراطية والتوافق وهي أيضا ليست مجرد تنظيم جاهز لسد فراغ أو الحلول محل نظام سابق إنما هي اليوم تتمدد كتجربة وكممارسة مختلفة وكأفكار ومعان وقيم وكضامن محلي وإقليمي ودولي قوي في استقرار البلاد وتجنيبها الغرق في الفوضى.
النهضة معنية اليوم بتجاوز خطاب الإستقطاب والتعبئة وبالتحرر من الشعور بـ”الغربة” السياسية والإيديولوجية داخل المجتمع بفعل عقود الملاحقة والإقصاء، إنها معنية بـ”معايشة” الناس كل الناس على قاعدة المواطنة و”تسليمهم” مشروعها ليكون مشروعهم هم يقتنعون به ويدافعون عنه، معركة التنمية والحرية والهوية والسيادة الوطنية ليست معركة حركة النهضة لوحدها وهي ليست تخوضها ضد التونسيين إنما هي معركة التونسيين أنفسهم يخوضونها ضد الفساد والإستبداد وضد الفقر والجهل والتخلف.

على قيادة النهضة التفكير جديا في حلول عاجلة لمعالجة ظاهرة “شيخوخة” الحركة وعزوف الشباب عن العمل الحزبي والجمعياتي وعن الإنخراط في الشأن العام.. ما هي الأسباب الحقيقية لعدم انجذاب الشباب للعمل السياسي والأنشطة الاجتماعية والثقافية؟ هل هي أزمة خطاب؟ أم أزمة تواصل؟ أم هي أزماتٌ نفسية يعانيها شبابنا في ظل الأزمات الاقتصادية والأمنية والأخلاقية التي تعم العالم بأسره؟ هذا الشباب الذي تعج به المقاهي ومدارج الملاعب وأرصفة الشوارع ما الذي يجول في خاطره وما هي أحلامه وأسئلته ومشاكله؟.

كما عليها أيضا طرح سؤال عن علاقتها بالمثقفين والمبدعين بما هم مبدعون وفنانون لا بما هم ذوو ميولات إسلامية… لماذا يحترز أغلب المبدعين من المشاركة في مناشط الحركة وهي منفتحة فعلا على الجميع؟ لماذا يشعر الكثير منهم بتوجس وقلق وخوف على تجاربهم أمام احتمالات حكم الإسلاميين وهو ما يفسر احتماءهم عادة بكل طرف يرونه قادرا على مواجهتهم والحد من قدراتهم؟

هذه الأسئلة وغيرها سيكون مفيدا للحركة وللبلاد طرحُها والتفكيرُ في أجوبتها تفكيرا معرفيا لا مجرد تفكير سياسي.
وكما أخرج ابن رشد معركة القضاء والقدر من دائرة المتكلمين ومن وضع الإنسان قُبالة مشيئة الله إلى دائرة الفلسفة العملية وإلى وضع الإنسان قُبالة سُنن الطبيعة، فإن على حركة النهضة أن تُخرج التونسيين من وضع اللاإسلامي قُبالة الإسلامي إلى وضع التونسيين قُبالة الفقر والجهل والتخلف والفساد والاستبداد وكل التهديدات الداخلية والخارجية.

• لا يخفى على المراقبين ذوي الخبرة والدراية بأن من حفظ ومازال يحفظ للحركة وجودها هما الجيلان الأولان اللذان تلقيا “تنشئة” معرفية وإيمانية وثقافية وأخلاقية جعلت عناصرهما يظلون أوفياء لفكرتهم ورؤيتهم حتى وإن أتعبتهم القبضة الحديدية أو أحنتْ قاماتهم العواصف أحيانا… إن الأفكار والمعاني لا تُنتزع ولا تغرس بالقوة أما الحماسة فتُوقِدُها بلاغة الخطابة وتُبرّدُها الشدائد.

شاهد أيضاً

النهضة: بين ممكن المصالحة مع الدولة واستحالتها مع النخب

نور الدين الختروشي انتهينا إلى خلاصة “شاذة” عن المألوف في مقاربة مرجعية حركة النهضة الأيديولوجية، ...

اترك رد