الأحد ، 23 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / رحم الله الّذين سقطوا في الجحيم الأزرق، وصبّر أهلهم وذويهم

رحم الله الّذين سقطوا في الجحيم الأزرق، وصبّر أهلهم وذويهم

عبد اللطيف علوي

لكنّني لن أمجّد “الحرقة” أبدا، ولن أساهم في تمجيد الحرّاقة وتصويرهم لشبابنا كشهداء وضحايا للوضع العامّ. كلّنا ضحايا للوضع العامّ، مئات الآلاف ويزداد إليهم مثلهم كلّ عام هم ضحايا للبطالة والفقر وانسداد الأفق، هؤلاء ضحايا أنفسهم قبل كلّ شيء. ضحايا لثقافة غريبة عنّا، ثقافة “الحلم الايطالي” على غرار الحلم الأمريكي، حلم بالثّراء السّريع والتّخلّص من الجذور والقفز إلى أعلى السّلّم دفعة واحدة. عقليّة كاملة وثقافة مريضة في شبابنا، عقليّة انتظار ضربة الحظّ مع سامي الفهري أو مع قارب يحملك إلى الجنّة الموعودة، هناك خلف البحر الممتدّ كالسّجن الكبير.

أنا أبكي عليهم دما، لكنّني لن أصوّرهم كشهداء. تصويرهم كشهداء في كلّ مرّة سوف يظلّ يلهم الشّباب دائما أن يخوضوا التّجربة هم أيضا وسوف يقنعهم بأنّ لديهم دائما حزمة من الأسباب النّبيلة والحجج والمبرّرات الّتي يستطيعون أن يقنعوا بها أنفسهم وغيرهم وهم يقدمون على ذلك الانتحار الجماعيّ.
لن أفهم أبدا ما معنى أن تدفع مابين ثلاثة آلاف دينار إلى ستّة آلاف دينار ثمنا لموتك، موت محتوم رخيص في قوارب مهترئة تحمل على ظهرها أضعاف أضعاف حمولتها، قوارب تتحوّل مع أوّل هبّة ريح إلى توابيت. لماذا؟
من علّم أبناءنا أنّ حياتهم رخيصة إلى هذه الدّرجة؟
كنّا ندرس طيلة العام ونكدح في الحقل ونشتغل في الصيف ونحن تلاميذ وطلبة من أجل تحصيل كسوة العودة وثمن الكتب، ثمّ نعود إلى مقاعد الدّرس وأيدينا متشقّقة وظهورنا محنيّة من المرمّة، ولم نفكّر يوما في أنّ الحياة لا تستحقّ كلّ ذلك التّعب.
من علّمهم أنّ حياتهم لا تساوي أكثر من سيّارة وفيلاّ وخليلة شقراء وحفنة من اليوروات. ابحثوا عن المجرمين الحقيقيّين في الإعلام، أولئك الّذين يضربون كلّ القيم بدون استثناء، يضربون قيمة العمل وقيمة العلم، وينشرون ثقافة الجشع واسترخاص الذّات والرّبح السّريع الّذي يأتي به الحظّ، ويضربون قيم التّضحية والصّبر والمكابدة في سبيل تحقيق الحلم، مقابل بيع الأوهام.
إنّه نفس الإعلام المجرم، الّذي يحقن عقولهم بتلك السّموم فيدقعهم إلى الانتحار في قوارب الموت، ثمّ يبكي عليهم ويقيم مواكب العزاء.
#عبد_اللطيف_علوي

شاهد أيضاً

للتًفكير: “كتلة المكتب التنفيذي”

أحمد الغيلوفي • 93 % من الإضرابات التي شهدتها البلاد منذ تاسيس الإتحاد حتى الآن ...

اترك رد