السبت ، 22 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / أيقِظُوا بداخلكم مريم..

أيقِظُوا بداخلكم مريم..

نضال السالمي

سورة النّور ركنٌ عظيم من أركان القرآن.. ولا يُمكن لمؤمنٍ راغبٍ في فهم طريق الخلاص أن يمرّ بهذه السورة دون تدبُّرٍ واسع لمعانيها..

غير أنّي سأتوقّفُ قليلا هنا عند آيةٍ بعينها.. وإن كنتُ لا أحفظُ كثيرا من القرآن فثمّة آياتٌ حفظتُها من زمان هنا وهناك.. بل أحفظُها برقم ورودِها داخل السّور لكثرةِ ما توقّفتُ عندها طيلة أكثر من عشر سنوات من آكتشافي الأوّل لمعجزة القرآن..

أقصدُ هنا الآية 19 الّتي يقولُ فيها تعالى :

“إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”

ولقد لاحظتُ هنا أنّه لا يتكلّم عن مرتكبي الفواحش بل جوهريّا عن تلك الفئة من الناس الّذين يعملون على آنتشارها بين النّاس.. إنّهم دُعاةُ الخبائث.. وهم كثيرون للأسف وأذكرُ منهم العديد كما تعرفون أكيد في مُحيطكم عددًا كبيرا من هؤلاء..

منذ زمن المراهقة الأوّل وخلال الجامعة.. كنتُ أسمعهم في كلّ الحلقات يدعونَ أصدقائهم إلى المسارعة بممارسة الجنس مع حبيباتهم دون حدود.. بل يُطلعونهم على أعتى الأساليب للإيقاع بهنّ في سرير الفاحشة مُحرّضين بحماسٍ عجيب وقائلين بثقةٍ بالغة: “سارعوا فإنّ الزمن يمضي.. واليوم قد توافقكَ وغدا قد تنقلبُ عليك، فلا تُضيّع الفرصة يا أحمق.. إلخ”.

كنتُ دوما أتقزّز منهم.. رغم تفهّمي حينها لما يحدث بين العشاق من تلك الحميميّات الّتي لا أفق لها غير هاوية الكآبة والخذلان.. لكن كنتُ أجدُ قرفًا عميقا من أولئك المحرّضين على الفواحش.. وليتهم كانوا يحرّضون على الحبّ والوفاء والحفاظ على تلك البريئات التّائهات في دوّامة الإغواء.. لكنّهم لم يكونوا يؤمنون إطلاقا لا بالحبّ ولا بالأنوثة ولا بجماليّة البراءة الّتي سرعان ما تنكسر عند أوّل لقاءٍ محموم..

بالمقابل كنتُ أُصغي عميقا لأرواح البريئات حين تسيحُ كنثارات بلّورٍ مكسور عند أوّل معاشرةٍ مشبوهة.. ثمّ لا تجدُ بعد ذلك إلا سراب أوهامها بالحبّ حين يمضي فارسها المغوار ليبحث في سوق الفاحشة عن صيدٍ جديد..

ولقد وضعني القدر في طريق مآسي كثيرة من هذا النوع، وكنتُ صديقا موثوقًا للكثيرات.. حدّثْنَنِي بدموعٍ تُذيبُ الجبال عن مرارات الخذلان بعد زمنٍ بديع من الأوهام.. وأذكرُ إحداهنّ قد ذرفت بحضوري دموعا كافية لتصير بركةً عظيمة تسبح فيها كلّ طيور النّدم العابرة في سماءِ ليس تحتها غير دخان الخيبات.

ثمّ لاحظتُ في الآية أمرا عجيبا أعتبرهُ إحدى الدلالات العظيمة على وجود الله وصِدقَ القرآن.. إذ يقول تعالى أنّ لهم عذابٌ أليم في الدنيا والآخرة على خلاف آياتٍ أخرى حول ذنوب مختلفة حين يقول أنّه أخفى لهم عذابٌ عظيم في الآخرة وحدها..

طيّب.. يمكنكم الآن التمعّن في حياة كلّ أولئك الدّاعين للفاحشة والّذين يستمتعون بآنتشارها بين الناس.. وستجدونهم يعانون في حياتهم الشخصيّة عذابا أليما فعلا.. وحينها ستُدركون دقّة النّور الإلاهي وحجم آرتباطه بالواقع الحقيقي للناس.

يجدرُ أن أكرّر أخيرا أنّي لا أعني هنا من يضعفون وتفتِنَهُم الدنيا بزخرفها فيقعون في مطبّات الشهوة وخدع العاطفة البرّاقة.. ولعلّنا جميعا قد وقعنا قليلا أو كثيرا.. هنا أو هناك.. ثمّ عِشنا مرارات الندم وتوتّرات الخذلان.. ولعلّنا فررنا إلى الله راغبين في التوبة والغفران.. لكنّي أتحدّث عن أولئك الّذين ودون شفقةٍ ولا رحمة يساهمون في تحطيم أهمّ أركان الوجود البشري السعيد: أعني براءة الأنوثة.

••

وإذ قال في سورة الأنبياء: “وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ” 91

فلم يذكُر لها من خصالٍ غير أنّها أحصنت فرجها.. فكان الجزاءُ عظيما: فنفخنا فيها من روحنا..

ومعلوم أنّ زينةُ المرأة العظيمة عفّتُها وحياؤها وبراءتُها من الشّبهات والفواحش جميعا..

ولقد تأمّلتُ الآية حتى قلتُ في نفسي: ما أظنّ كلام الله مجرّد روايةٍ لتاريخ مريم.. بل هو في الصّميم يرسُم طريقا للإصطفاء.. حتّى ظهرَ لي أنّ كلّ إمرأة يمكن أن تتلقّى النّفحات الإلاهية وبشائر الرحمة والمحبة الخالدة بمجرّد أن تُحصن نفسها رغم أهوال الحياة ومتاهاتها.. وكثرة الرجال الطّامعين..

لذلك فقط أقول للنّساء جميعا: أيقِظُوا بداخلكم مريم.. وسترونَ من الله عجبا من الكرامات والخيرات العظيمة.. فإنّه قد دلّكم على الطّريق لا لُبسَ فيها.. وآصبِرنَ فإنّ الفتنة عظيمة والشهوات مغرية والحياة كأفعى خبيثة.. وإنّ رجلا يشعرُ بالحبّ حقّا لَكُنَّ.. لن يكون غير يوسفيّا عفيفا سيساعدكم على بلوغ مرتبة مريم.. لا على السّقوط الفاجع في هاوية الفواحش والخذلان.

الحبّ الحقيقي لا أراهُ يجمعُ إلاّ رجلا من طينة يوسف.. وأنثى من نسلِ مريم.. عليهما السّلام… ولذلك كتبتُ دوما أنّ الحبّ أمرٌ يكادُ يكون مُستحيلا إذ يلزمُهُ طاقات خارقة وأرواحٌ إستثنائيّة.. لأنّه نورٌ يهدي.. لا ظلالةٌ تُفنِي.

شاهد أيضاً

حول إضرابات الاتّحاد

نور الدين الغيلوفي اتّحاد الشغل يقرّر إضرابًا عامًّا بيومين: يوم من نصيب القطاع العام والآخر ...

اترك رد