الإثنين ، 16 يوليو 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / تونس: من أزمة إقتصادية حادة إلى أزمة سياسية قاتلة

تونس: من أزمة إقتصادية حادة إلى أزمة سياسية قاتلة

نور الدين الختروشي

“لا نقدم تنازلات على حساب المصلحة الوطنية” عندما نطق رئيس حركة النهضة بهذه الجملة انتبه النابه وغير النابه أن للجملة ما بعدها. فما قاله الشيخ لا يعبر فقط عن موقف النهضة من النقطة 64 في وثيقة قرطاج 2 والداعية لإزاحة الشاهد، بل كانت تعبرا أكثر عن “قرف” نهضوي وربما وطني هام من التلاعب المشبوه بالمصلحة الوطنية.
فشل لقاء قرطاج 2 وعلق الحوار حول وثيقته الثانية، ولم يترقب نداء تونس بزوغ فجر جديد وشروق الشمس ليحبر “بلاغا حربيا” مفاده أننا نحن المصلحة الوطنية، ونحن الدولة، ونحن من حكم وسيحكم، وأن طاولة قرطاج 2 نصبناها للتأييد والتزكية وليس للنقاش والحوار وتداول الرأي.

نداء تونس الذي يريد “الانقلاب” على رئيس حكومته يلتقي مع اتحاد الشغل في شرط إزاحة الشاهد، والظاهر من خلال النبرة الاستعلائية التي كتب بها بيان الساعة الثانية من هزيع الليل؟ أن الالتقاء مع المنظمة الشغيلة في هذه النقطة هو أكثر من التقاء بل بداية تحالف جديد، وقد أشار إلى ذلك البلاغ الإعلامي حيث أكد على تمسكه بالتوافق مع المنظمات الاجتماعية ولم يذكر المكونات الحزبية.
كان يمكن أن يكون تعليق الحوار حول الوثيقة أمرا عاديا، لا يثير دهشة، ولا استغراب، ولا مخاوف، ولا تأويلات خارج سياق الاختلاف السياسي السوي في تحديد موقف تقديري من اليوميات، أو التجاذبات المعروفة في مثل هذه الحالة، ولكن خبر التعليق كان بمثابة صدمة للرأي العام لأنه ببساطة ومن وجهة نظر وازنة هو بالنهاية إعلان عن تمزيق “خيمة التوافق” التي أمنت المسار السياسي بعد انتخابات 2014 إلى اليوم.
فإعلان التعليق هو بمؤشر القادم الوطني، إعلان عن تغيير في خارطة التحالفات جوهره معاقبة النهضة على فوزها الانتخابي الأخير في المحليات، والعودة من جديد إلى بناء الشرعيات السياسية والحزبية على قاعدة العدائية الشرسة للنهضة.

يبدو أن من يهندس لـ “غزوة أحزاب” جديدة ضد النهضة لا يهمه من قريب أو من بعيد كلفة فك الارتباط معها، وخرق سفينة التوافق التي يركبها الجميع. فتحطيم المركب براكبيه كانت إلى أمس قريب استراتيجية اليسار الاستئصالي الذي عبر تصريحا وممارسة عن استعداده لإراقة الدماء قطعا للطريق أمام النهضة.
نداء تونس اليوم وهو يبحث عن مبررات لهزيمته الانتخابية في البلديات، يبدو أنه قد يمم وجهه من جديد شطر استراتيجية المقامرة بالمسار في مقابل تحقيق أهدافه أو هدفه الأساسي وهو ليس البقاء في السلطة فهو فيها ومن يقودها منذ 2014، بل احتكار السلطة والتفرد بها انسجاما مع ثقافته السياسية المتناقضة أساسا مع الزمن الديمقراطي الجديد.
لا يهم هذا “النداء” عبثية المشهد وخرابه الذي يصنعه تحايل قياداته، وقد كنا سنفهم المنطق السياسي في موقف النداء من رئيس حكومته لو كان الحزب يناور لحساب مصلحة سياسية ملموسة، إلا أن “قيادة أركان” النداء ليست بصدد المناورة بل بصدد التحيل المكشوف لتمرير رغبة “شقوقه” في الالتفاف على العملية السياسية واستعمال المباح وغير المباح لاستدامة بقاءهم في الحكم.

مخيف حدّ الرعب لقيادة النداء أن تجد نفسها بعد إعلان نتائج البلديات أمام ممكن خروجها النهائي من المشهد في التشريعيات القادمة، لذلك لاحظنا ولاحظ المراقبون أن الارتباك الذي واكب الإعلان عن نتائج انتخابات مقعد ألمانيا تحول مع إعلان نتائج المحليات إلى رعب مجنون من فرضية هزيمة انتخابية مدوية في 2019 والتي تعني بالنهاية موت حزب نداء تونس، والذي لا ننسى تأسس في لحظة استثنائية، من أجل مهمة استثنائية، حققت أغراضها أو بعضها في وقتها ثم بدأ مسار تحلل وتفكك “الحزب” أو بالأحرى الماكينة الانتخابية التي تأسست حول الباجي قايد السبسي لإزاحة النهضة من الحكم.

تقديري أن مسار العبث والعدمية السياسية في مسار حزب النداء قد بدأ رسميا بإعلان تعليق الحوار حول مبادرة الرئاسة الثانية فلا معنى في التمسك بأسقاط حكومة ندائية بالأساس لتشكيل حكومة “أكثر ندائية” والمبرر هو انقاد البلاد من أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، وكأن الندا قد اختار أن يفجر أزمة سياسية قاتلة لمعالجة أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، وكأنه يعلن رسميا تدشينه لمسار العبث بالمصير العام والعدمية السياسية وجوهرها “نحن أو الطوفان”.
يمعن النداء واتحاد الشغل في تمزيق خيمة الوفاق السياسي بدعوى الحاجة للتوافق الاجتماعي وفي المقابلة بين الوفاق السياسي والاجتماعي تتقاطع كل استراتيجيات العبث بالمسار الذي عملت النهضة وكل المنحازين لتونس الجديدة ما استطاعوا على تأمينه إلى الآن.
النهضة ليست في الزاوية الحادة رغم أنها تبدو وحيدة ومن غير حزام سياسي حزبي يحميها من تحالف ثلاثي الاستئصال والاحتكار والفساد. فيسارية استئصالية نشطة ومؤثرة في قنوات صنع القرار وتوجيه الرأي العام، ومنظومة تجمعية راسخة القدم في الإدارة ومؤسسات الدولة جوهر ثقافتها السياسية هو احتكار السلطة على أنها غنيمة، وبارونات سوق فاسد مخترقة لأجهزة الدولة وتدير اللعبة ولاعبيها من وراء ستار، هذا الثالوث يبدو أنه بصدد هندسة خارطة تحالفات جديدة هدفها المعلن إزاحة الشاهد وهدفها الخفي التخلص من النهضة للتخلص بالنهاية من المسار السياسي الذي أفرزته الثورة.

هذا الرهان مقامرة غير محسوبة لأنها تقفز على حقيقتين الحقيقة الأولى أن النهضة وإن كانت عماد أساسي للديمقراطية وإحدى ضمانات تأمين المسار فإنها ليست وحدها فالقوى المنحازة للثورة والحرية موزعة بين المجتمع المدني والسياسي وهي رغم تشتتها أقوى كما وكيفا من بقايا جيوب الردة، والحقيقة الثانية هي موقف الخارج الدولي والإقليمي من ممكن اندياح التجربة التونسية نحو الفوضى والذي يؤكد في أكثر مناسبة وعلى أكثر من منبر أن الاستقرار في تونس خطا أحمرا.
تناسي “عمال الشقاء” في ورشة التخطيط لوأد التجربة للحقيقتين السالفتين هو ما قد يجعل كيدهم حسرة عليهم.
تعليق الحوار حول قرطاج 2 ليس نهاية العالم ويقيننا أن حس المسؤولية والانتماء الوطني والوعي بدقة المرحلة وحجم التحديات سيتغلب على إرادة العبث والتخريب ودفع البلاد نحو المجهول.. ولقاء الشيخين المرتقب قد يفتح أفقا مغايرا لإرادة العبث بالموجود.. أو هذا ما نتمناه.

جريدة الرأي العام

شاهد أيضاً

تقرير الحريات الشخصية والمساواة: إعادة تصويب النقاش

نور الدين العلوي أصدرت لجنة الحريات الفردية والمساواة المكلفة من رئيس الجمهورية في تونس؛ تقريرها، ...

اترك رد