الأربعاء ، 19 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / عن احتجاجات المفطرين في رمضان !

عن احتجاجات المفطرين في رمضان !

بشير العبيدي

#أقولها_وأمضي

الممتنعون عن الصيام في شهر رمضان -لغير سبب معتبر- ظلوا أقلية غير وازنة في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، ولم يخل منهم زمن أبدا، وقد يزيد عددهم هنا وينقص هناك بفعل الظروف وتقلبات الأزمان، لكنّهم ظلوا على الهامش دوما.

والصيام من أركان الإسلام الخمسة، معلوم بالضرورة، غير أنه لا يمكن حمل أحد على الصيام، فهو لله، كما لا يمكن حمل أحد على إقامة الصلاة، فلا إكراه في الدين. ويبقى الفيصل في أمر المجاهرة بالإفطار قائما على رافعتين :

1. رافعة ضمير الإنسان ووعيه وإدراكه ومدى اندماجه في المجموعة البشرية التي ينتمي إليها، ومدى إيمانه بأن ترك هذه الواجبات مع الإصرار على المجاهرة بها تدفعه على باب مغادرة نسيج المجتمع وثقافته وموروثه ورؤيته للحياة.

2. ورافعة المجتمع البشري وما يتبناه من مواقف حيال الرافضين لقوانينه ونواميسه وعوائده. أما الدول صاحبة السلطات، فظلت على مدار الأزمان تداهن ثقافة النخب وثقافة المجتمع وتميل حيث مال، وتتخذ الإجراءات الرادعة لكي لا تظهر في مظهر المفرّط في بيضة الدين والملّة، وتتعامى كلّما كانت النّخب متورّطة في الإخلال بركن من أركان الدين، وماتزال الدول تتعامل مع ظاهرة ترك الواجبات الدينية بالمنطق النفعي المكيافيلي الصرف إلى يوم الناس هذا.

ولسائل أن يسأل : كيف التعامل من الجانب الفكري مع المفطرين ومع تاركي الواجبات الدينية؟ علما أن الجانب الفقهي واضح للجميع ومحسوم في جميع المدارس الفقهية على اختلافات جزئية بينها في درجة المرونة، لكن الاتفاق حاصل بأن الاستهتار بأركان الدين على المستوى الشخصي المخفي شيء، والمجاهرة بذلك ودعوة الناس لخلع ربقة الدين صراحة شيء آخر مختلف تماما؟.

إن التعامل مع هذه الظواهر ليس أمرا سهلا، ويتطلب كياسة وسياسة وروية وبعد نظر. والأمر يكون في صورتين :

الصورة الأولى: في حالة كون المجتمعات المسلمة المعنية بهذه الظاهرة تعيش رقيا حضاريا وقوة فكرية ومناعة مع وجود نخب متماسكة ومنسجمة، فالمعالجة تكون بالحزم والعدل، مع ترك مساحة وهامش لدعوة هؤلاء المفطرين بالحكمة والموعظة الحسنة والتحبيب من أجل مراعاة طبيعة المجتمع وعوائده، درءا لسقوط هؤلاء المجاهرين في حبائل الأعداء يستغلونهم لتفتيت نسيج المجتمعات المسلمة واختراقها.

الصورة الثانية: في حالة كون المجتمعات المسلمة تعيش الأزمات الكبرى والهوان وضعف وانهيار الدولة الحامية لثقافة مجتمعها، وهي حالة غالبية بلاد المسلمين باستثناء بعض الدول، فالدور الأول يكون على المجتمع بنخبه وهوانه والذي عليه -في نظري- أن يعالج الأمر بحسابات دقيقة، وفق الرؤية التالية:

لا مجال للتسليم وخضوع الأغلبية لأهواء الأقلية والسماح للمجاهرين بالاستهتار بقيم المجتمع لأن ذلك سيسبب الإرهاب والتطرف وقيام مجموعات من الغاضبين بتجاوز السلطة العامة وقيامهم بعمليات عنف سياسي تسبب انخرام المجتمع. ولأن درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة، فإبعاد شبح الاحتراب أولى من اعتبار حاجة بعض المجاهرين للتعبير عن أنفسهم بالمجاهرة، وعليه، من سيفهم المجاهرون بطريقة أو بأخرى أنه من أراد منهم أن يفطر، ففي بيته متسع، يأكل ويشرب ويطرب فهو حر طليق. أما الشارع، فلا ينبغي تعريض المجتمع لخطر التمزق.

ولأنه يوجد من يفطر لسبب وجيه أو لا يقوم بواجباته الدينية لقلة اقتناع أو لا يريد التطبيق في الوقت الحاضر أو لأية علة أخرى، فمن الحكمة عدم دفع هؤلاء في أحضان الأعداء عبر استعدائهم باستمرار، وعلى المجتمع أن يحيط بهم عبر تنويع العمل الدعوي والإنساني والنفسي والاجتماعي لمساعدة غير الميؤوس منهم على الاندماج الثقافي والديني في المجتمع. وإنني أعتقد أنه في ظروفنا الحالية، ونظرًا لضعف المجتمعات المسلمة وكثرة الهرج، فإن اتخاذ بعض المقاهي أو المطاعم في المدن الكبرى لهؤلاء ممكن مع التفاوض على الشروط، ومثاله: الالتزام بالاستهلاك خلف ستار، والامتناع عن المجاهرة في الشبكات الاجتماعية، وفِي الشارع وغير ذلك، وبشرط تغيير تلك المطاعم والمقاهي سنويا لكي لا يستمرئ الناس ذلك ويتعوّدوا عليه.

وربما من المهم التذكير أنه من الحكمة عدم الخلط واعتبار كل مفطر معاد للمجتمع. فالأعمال بالنيات، ويوجد كثيرون يفطرون لأسباب صحية بحتة، ولا يعادون ثقافة المجتمع ومعتقداته، وهؤلاء لا بد من أن نجعل لهم مكانهم في المجتمع، ولو كنت في موقع المسؤولية في مجتمع مسلم لقمت بتعميم صندوق مالي للمفطرين، لجمع الصدقات التي يدفعها أصحاب الأعذار وتعميم ريعها على المحتاجين والفقراء ومعالجة الحالات النفسية والاجتماعية وغيرها، فالمجتمع ينبغي أن يتضامن ويتآلف ويتحابب أولا وقبل كل شيء، قبل أن يفكر في العقاب والزجر والإرغام.

أخيرا، على جميع الصائمين أن يجتهدوا في تبيان فضائل الصيام وأن يؤسسوا مناسبات كبرى مشتركة في رمضان تجعل منه متعة حقيقية للجميع، بدل التكرار الممل لنفس الخطاب، فالعالم يتطور باستمرار، ومجتمع المعرفة يقتضي أن نراكم خبراتنا الرمضانية ونبدع في تجديدها وإتاحة الفرصة لكل أحد أن يعبر عن نفسه وأن يشارك الآخرين تجربته الإنسانية.

والله هو الهادي إلى سواء السبيل.

– [ ] ✍🏽 #بشير_العبيدي | رمضان 1439 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أَمَلاً |

شاهد أيضاً

دقيقة صمت

حسن الصغير دخلنا الفصل متثاقلين في ذلك الصباح الخريفي الثقيل المشبع بالرطوبة، فالمدارس فتحت أبوابها ...

اترك رد