الإثنين ، 18 يونيو 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / تعديل حكومة الشاهد ضرورة.. وتغييرها مقامرة

تعديل حكومة الشاهد ضرورة.. وتغييرها مقامرة

نور الدين الختروشي

إنتظارية مخاتلة وحائرة يعيشها الرأي العام وكل الطبقة السياسية في بداية هذا الشهر الكريم، فمصير حكومة الشاهد في الميزان بعد القبول بمبدأ إزاحتها على ماهو مطروح في وثيقة قرطاج 2.
المشهد يبدو سرياليا، بل وعبثيا، يفصح عن إرادة لإرباك الوضع، بأكثر مما يؤشر عن حاسة بحث عن تقويم المعوج وتجويد الموجود.
معلوم أن تغيير الحكومات إذا تكرر وبقطع النظر عن أسبابه المباشرة هو دالة عدم استقرار، ومن تداعياته المباشرة إرباك الإدارة، وتعطيل المشاريع والإصلاحات، وفقدان ثقة الهيئات والمؤسيات الدولية والمستثمرين في الدولة.
هذه حقيقة بسيطة ومعروفة للقاصي والداني، ونسيانها اليوم أو تناسيها من قبل الأطراف المتحلقة حول وثيقة قرطاج 2 ليس سوى مقامرة بوضع سياسي واقتصادي هش وصعب.

مستند مطلب تغيير الحكومة هو فشلها في إنجاز برنامجها وفي حالة حكومة الشاهد هو فشلها في تنزيل وإنجاز مخرجات وثيقة قرطاج الأولى المتصلة بالمحور الأمني ومقاومة الفساد والتنمية وتنشيط الإقتصاد.
لن أستدعي هنا مستندات المواقف المساندة لحكومة الشاهد والتي تؤكد على النجاح الأمني للحكومة، وعلى مؤشرات النمو التي زادت بنسبة 2 في المائة، والتركيز في موضوع مقاومة الفساد على الإرادة السياسية للشاهد في فتح الملفات وتسريع نسق معالجتها قضائيا، فهذه الحجج حاضرة على طاولة قرطاج 2 ومعروفة ومتداولة.
ما يهمنا في هذا التحليل هو البحث في جذور ومنابت عادة “تغيير الحكومة” التي أصبحت ملجأ للعقل السياسي الوطني منذ الثورة.

بدأت القصة بتغيير حكومة الجبالي. ليس بمؤشر عجزها السياسي والاقتصادي بل بمطرقة الإرهاب وبعدها حكومة لعريض ليس لعدم كفاءتها الفنية بل حفاظا على الموجود الوطني من ممكن التحارب، ثم أُطيح بحكومة الصيد لأسباب لا علاقة لها بأدائها بل لرغبة حزبية مسكونة بهاجس الغنيمة والمحاصصة.
في كل الحالات السابقة لم يكن إسقاط الحكومات وتغييرها استجابة لحاجة سياسية محورها وجوهرها تحسين الأداء الحكومي وإنجاز الأفضل على محاور الأمن والتنمية والإستقرار الاجتماعي كما درج منطق تغيير الحكومات في العادة وفي الأنظمة الديمقراطية وفي الأوضاع السوية.
مرة أخرى نسقط في مربع “الاستثناء” والاستثناء التونسي في هذه الحالة يفصح عن شلل للمخيال السياسي لدى النخب المتحكمة في المصير العام، بأكثر مما يحيل على حيوية ودينامكية الحالة السياسية في وضع ما بعد ثوري متحرك ومتسارع ومتموج بطبيعته.
تغيير حكومة الشاهد يعني ببساطة مباشرة تفسيخ السابق، وبداية صفرية جديدة، يعلم الجميع أنها لن تستكمل ورشات الإصلاح التي بدأها فريق الشاهد؟ بل ستعمق حالة العطالة في إنجاز المطلوب وطنيا وقد لا تحافظ حتى على القليل من المؤشرات الإيجابية والإستقرار الأمني والسياسي والإجتماعي.

في هذا السياق تبدو الرغبة في إسقاط حكومة الشاهد كانعكاس لحيرة، وليس كحل لمشكل. هذا إذا لم نجازف بالتأكيد أنها تصديرا لحاجة حزبية أو فئوية بأكثر مما هي تعبيرا عن مصلحة وطنية. فالمصلحة الوطنية تلح اليوم في حاجتها للإستقرار السياسي والاجتماعي ومبدأ تغيير الحكومة يضرب أولوية الإستقرار في مقتل.
تخارجٌ مقلق حد الفزع بين الضرورة الوطنية التي تستدعي الاستقرار الحكومي، وبين وعي سياسي شقي يرتاح إلى سهولة شطب الموجود والقفز على مبدأ التراكم والإستمرارية.
إذا صح ما توفر لي من معطيات حول كواليس “الجولة الأولى” من المفاوضات حول التغيير أو التعديل الحكومي في ما سمي باجتماع وثيقة قرطاج 2، فإن أكثر المتحمسين لرحيل الشاهد هو إتحاد الشغل وأن المتمسك الوحيد بها هي حركة النهضة.
ومن السهل أن نفهم موقف إتحاد الشغل إذا قرأناه من زاوية “فائض الشراسة” الذي واكب الاحتجاج النقابي بعد الثورة، والذي لم تسلم منه أية حكومة على تعددها باستثناء حكومة جمعة لاستثنائية الظرف والمهمة التي تولتها.،

وبقطع النظر عن مدى وجاهة الرأي الذي يؤكد عن تورط إتحاد الشغل منذ الثورة في العملية السياسية لم يكن لحاجة وطنية، بل لخدمة أجندات سياسية وحتى ايديولوجية معلومة، فإن الثابت أن إصرار الطبوبي على رحيل الشاهد يتناسق تماما مع مبدأ “الحدّية اللامسؤولة” التي تعامل بها إتحاد الشغل مع كل الحكومات التي أفرزها المسار السياسي بعد الثورة. ففي الوقت الذي أجبرت الضرورة الوطنية النخب السياسية على البحث عن المشترك والتوافقات بديلا عن التنافي والتهارج، إنحاز إتحاد الشغل إلى التجذر والقطيعة ولي الذراع. وما حرصه اليوم على رحيل حكومة الشاهد سوى شهادة جديدة على ثابت منطق القطيعة ونسف الموجود في وعي وأداء المنظمة الشغيلة منذ الثورة ألى يوم الناس هذا.
في المقابل ليس مستغربا أن تكون النهضة آخر من يدافع على مبدأ التعديل بدل التغيير فقد أثبت أداؤها في السنوات الأخيرة أنها الأكثر رصانة في التعامل مع الملفات الشائكة.، ولا أدري من طرافة المشهد الحزبي أم من بؤسه أن نرى أن حزب الشاهد لا يمانع في الأدنى ومتحمس في الأقصى لرحيل حكومة الشاهد التي هي بالأساس حكومة النداء ؟ وأن نرى حركة النهضة وهي “الشريك بالأدنى” في هذه الحكومة تدافع عن بقائها.
التعديل الحكومي لتجويد أداء حكومة الشاهد ضرورة لا يختلف عليها عاقلان، وتغيير الحكومة الآن وبحساب الأولويات الوطنية عبث جديد بالإستقرار، قد يكون بسابقية إضمار، وقد يكون بحسن نية، وقد يكون عن غباء، وفي كل الحالات وبكل المقابيس لا يعكس حاجة وطنية ولا مصلحة عامة.

جريدة الرأي العام العدد 58

شاهد أيضاً

الشاهد وديناصورات السياسة الثلاثة

عبد اللّطيف درباله يوسف الشاهد يسير في طريق مسدود.. ويتوهّم أنّه يستطيع أن يُصَارِعَ ويَصْرَعَ ...

اترك رد