الإثنين ، 18 يونيو 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / عَودة مَهاتير محمّد والاستثناء المالِيزي

عَودة مَهاتير محمّد والاستثناء المالِيزي

سليم الحكيمي

عاد أيقونة نهضة ماليزيا إلى صدارة الحكم بعد إستقالته الطوعية سنة 2003. واستطاع “تحالف أمل” الرباعي أن يطيح بائتلاف حكومي صَلب مكث في السلطة 61 عاما. ساءت سمعة الحكم، فتحالف “مهاتير محمد” مع خصوم الأمس لا من أجل عودة إلى الحكم أو إرجاع شخوص إلى السلطة، بقدر ما هي حاجة سياسية فرضها التاريخ وضرورة الإصلاح، رام من خلالها الناخبون يوم 10 ماي 2018، اسئصال شأفة فساد استشرى، وائتلاف حاكم قلَّ شاكروه وكثر شاكوُه حتى وصل حجم النهب منه 19 مليار دولار.

مقدّمة

في حدث وصفته الصحافة الغربية بـ”التسونامي الماليزي” كسب “تحالف الأمل” الرّهان في مواجهة “ائتلاف الجبهة الوطنية” الحاكم الذي يضم 14 حزبا سياسيا، وعاد الرجل القديم “مهاتير محمد” إلى السياسة بعد غيبة طالت عن أروقتها إثر إستقالته سنة 2016 من “حزب أمنو” العريق، لينضمّ إلى المعارضة لما اشتد وتَر القوس في مواجهة حكومة فاحت رائحة الفساد فيها. ومن بين 220، هي جملة مقاعد البرلمان، حصد ائتلافه 115 واكتفى غريمه بـ 76 مقعدا مُنهيا حكم حزب حكم لمدة 61 عاما، بعد أن تعلّقت برئيس الوزراء نجيب عبد الرازق تهم فساد مالي تصل مبلغ 5 مليار دولار، بل تشير مصادر إلى بلوغ مجمل ثرورته 19 مليار دولار كاملة، وهو ما اكّدته صحيفة “وول ستريت جورنل” الأمريكية بحصوله على مبلغ 876 مليون دولار في مارس 2013، لتنطلق إثر نشر الخبر أبحاث إستقصائية ومالية في بنوك سويسرا وسنغافورة والولايات المتحدة الأمريكية. ظل رئيس الوزراء نافيا للتهمة، ولكن الجو العام كان مهيئا للبحث عن بديل للفساد، فاقتنص رئيس وزراء ماليزيا الأسبق اللحظة، وأطلق رصاصة الرحمة على ائتلاف حاكم فقد مبررات الوجود، وهو ما أكدته منظمات مجتمع مدني حول ضلوع التحالف الحكومي في التزوير وإحياء الموتى في الإنتخابات. وبفضل وعي ناخبين ضجّوا بالشَّكاة واستدقّت عندهم حاسة المقارنة بين عهود الإصلاح الفساد، وإثر بروز سياسيين عادوا إلى إثارة نقْع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد وتسببت خياراتهم في استعار المعيشة التي تذكيها قصص الفساد المالي المدوية بالمليارات منذ سنة 2015، كانت النتيجة الإنتخابية بعد أن تحالف مهاتير محمد في سن 92 عاما، مع من كانوا ضده طيلة فترة حكمه التي امتدت من سنة 1981 إلى غاية 2003.

قيمة الكاريزما في منعطفات التاريخ

في المراحل الإنتقالية والدول المتخلفة التي ترنو إلى النمو والإنعتاق من ربقة المفاسد، تبدو “الكاريزما” ضرورة للعبور من ضفة إلى أخرى. وكما صرّح “أحمد مرتضى”، رئيس تحرير مجلة التنمية بماليزيا “الدول المستقرة لا تحتاج قائدا كاريزميا لأن النظام فيها يكون مستقرا والإقتصاد فاعلا والمجتمع الرأسمالي حيويا والمجتمع المدني نشيطا. ولكن الدول النامية تحتاج وزعيما له شخصية قيادية قوية يقود بلده نحو التقدم ومحو الفقر”. يعد المهاتير محمد الأب الروحي لنهضة ماليزيا ذات نظام الحكم الملَكي، صاحب رؤية ثاقبة وجَراءة. طرح سؤال النهضة في كتابه الشهير “المعضلة المالاوية” الذي حمّل فيه شعب المالاوي مسؤولية واقعه بسبب خموله وعقلية الإتكال فيه متسائلا: لماذا نحن فقراء؟. وهو سؤال النهضة الذي طرحه شكيب أرسلان في كتابه “لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟”. بيد أن إستفهام السُّوسيولوجيا يكتفي بسبر الظاهرة وتفكيك أسبابها، ولكن لابد أن يعقبه سؤال يتجاوز الفلسفي من الأسئلة متناغما مع منظّر الماركسية “كارل ماركس”: قام الفلاسفة حتى هذه اللحظة بتفسير العالم، وينبغي علينا الآن العمل على تغييره”. لينطلق مشروع التغيير وينتهي بالنهضة الصناعية الماليزية، ومُنهيا حقبة إنسان مهترئ ويرفع إصرا جاثما معلنا صياغة كائن جديد بأبعاد مغايرة. ماليزيا التي ظلت مستعمرة إلى غاية سنة 1957، كانت كأيّة دولة عملت فيها يد الإحتلال، وخلّفت عقلية تجمع بين تسلط الجيش على الحياة السياسية وتحديد وجهة البلد وتعكير تفكير صفوة سياسية ظلت متعلقة بأهداب الديكتاتورية لاستدامة مكانتها، استغنت بعد فقر، بعد أن كانت بلدا زراعيا، اصطرعت فيه 18 ديانة، وتردّى شعبها في الغابات إلى مهاوي الحرمان والخصاصة وشمل الفقر 52 % من سكانه لتنزل إلى 5 % وتنخفض نسبة البطالة إلى 3% في عقدين من الزمن فقط، وانتقل دخل الفرد من 1200 دولار إلى 9 آلاف دولار. وخلف مهاتير للبلاد احتياطيا هاما من العملة الصعبة وبلدا تبلغ منتجاته الصناعية 85% من صادراته. والطبيب الذي بدا مداويا في مصحّته صباحا ومنتقلا إلى مداوة علل الناس بالمجان عصرا، أسس لمفهوم جديد قوامه أن قيمة الإنسان في العطاء، وأن التاريخ سيذكر إسم من أعطى وليس أسماء الناهبين والأنانيين والعلاقة الزبونية مع الدولة. وصل الرجل سنة 1964 البرلمان، ثم صار سنة 1975 وزيرا للتربية، ليتقلد منصب رئيس وزراء ماليزيا 22 سنة بين سنة 1981-2003 أنهاها باستقالة رضائية، رسم خلالها خطة عملية استراتيجية لبلده مدتها عشرون عاما تم فيها فتح 50 ألف مصنع جديد، وحول بلدا ريعيا متخلفا إلى صناعي مهيب الجانب حسن الصّيت ومهيب السَّمت. فقد أدرك باني النهضة الحديثة مضغة التقدم وتمَرة الغُراب على حدّ قول العرب، ورأى أن السلطة السياسية لا تعني شيئا دون قوة إقتصادية وتكنولوجية فارقة. ففي علم الإقتصاد لا يوجد بلد متخلف بل يوجد بلد غير مُهيكل، تضيع طاقاته البشرية والطبيعية هدرا. فضخَّ أغلب ميزانية الدولة للتعليم ومحو الأمية والجهل وتعلّم الإنقليزية وتأهيل الحرفيين والصناعيين والتقنيين وأرسل عشرات الالاف للدراسة في أفضل الجامعات الغربية. وحدد أولويات المرحلة الإقتصادية واحتياجات البلد، وشرع بالفلاحة فغرس مليون شتلة نخيل زيت لتصير ماليزيا أول بلد يصدر زيت النخيل في العالم. وحوّل البلد سياحيا إلى مركز لمسابقات الخيول والألعاب المائية والسيارات، ليرتفع الدخل من عائدات السياحة من 900 مليون دولار سنة 1981 إلى 33 مليار دولار سنة 2003، وتكون التجربة من التجارب التنموية المشرقة والقائدة عمل فيها الموقع الجغرافي عاملا حاسما في تجنب التدمير، إذ لم تكن في قلب الصراع الجيوستراتيجي الدولي كمنطقة الشرق العربي الملتهبة.

أحسن الأب الروحي للنهضة تشخيص الواقع، وهي تقنية تستدقّ عند الأطباء لتحديد العلّة والدواء. رأى أن بلده مرتهن للغرب وخاضع لبريطانيا بالأساس، وهو ما حجب صورة ماليزيا عن نفسها وقدراتها، وحجب السلطان فيها عن الإنسان. وارتاى أن تولي البلاد قبلتها نحو الشرق موئل الأصل وتقترب من حضنها الطبيعي، المُكوّن من الثقافة الصينية والهندية واليابانية وتعود لنسج وشائج تاريخية أراد الإستعمار قطع شِجْنَتها. كل أفكارا الرجل مستوحاة من فكر “مالك بن نبي” الجزائري، وتجربة النهضة المصرية الموؤدة غربيا في عهد “محمد علي باشا” 1805-1884، وهو ما صرح به في محاضرة بمكتبة الاسكندرية.

الأنظمة العقائدية في لحظات التاريخ هي التي تفصل بين التخلف والتقدم والإنبتات عن الجذور والعودة إلى الحضن الحضاري، بمعنى عَقدي لا يعني بالضرورة الايديولوجي، جوهره فرض اللون والشخصية والهوية الشعبية والرمزية والوجود الحضاري ولاعتلاء منصة التاريخ، ونحت إحداثيات وجود بين خطوط الطول الدولية والعرض الإقليمية. مقابل تجارب عربية منكوبة بالإستبداد والدكتاتوريات، فسنة تولي مهاتير السلطة في البلاد 1981، هي نفسها سنة تولي حسني مبارك السلطة في مصر. انتهى حكم الأول بنهضة ونجاح، بينما انتهى الثاني بثورة شعب على إخفاق شامل، مما يبين أن التجارب الإصلاحية أيسر مسارا في بيئات شرقية أسيوية من العربية شرط توفر الإرادة السياسية. وإذا أردت أن تبني دولة جيدة لابد أن تتوفر لديك قيادة جيدة أيضا. فنجحت ماليزيا في تعويض الولاء للطائفة والقبيلة والعرق واللون بالولاء لمؤسسات الدولة الشرعية ببرلمانها المنتخب والحكومة المنبثقة عنه وجيشها الوطني. ومن هنا، صارت نقاط الضعف مواطن قوة بتغيير وظائف المكونات وتعديل نظرتها للإجتماع الإنساني في البلاد وإقامة الدولة على مفهومها الأصلي: أرض وشعب وقانون متعاقد عليه بين الجميع يسوّي بين الجميع كالموت بعبارة “جون جاك روسو”.

اسلام الحداثة

لم يدخل الإسلام ماليزيا بأسلحة الفاتحين بل بأخلاق التجارة والتجار، ليستقر دينا شافعي المذهب وجزءا من ثقافة تحل التناقضات داخل المجتمع بدل تعميقها. في بلد 30 مليون ساكن والتعدد الإثني، يمثل الإسلام دين الدولة الرسمي. يشكل المسلمون أكثر من نصف السكان أي حوالي 60 بالمائة. وإيمان مهاتير محمد بالإسلام منهج حياة وليس مجرد دين يعلمّ الناس كيف يشعرون بل كيف يعيشون أيضا، لم يمنعه من معرفة الحدود بين المعتقد وطرق تسيير المجتمع. فقد أقام تمييزا حقيقيا بين أسس الدين وأحكام الشريعة، وفصل بين الإعتقاد وسبل إدارة المجتمع دون نفي الإسلام مرجعا للقيم وأخلاق الناس. بل ظل قاعدة فلسفية وقيَمية حكمت البلد وحددت الزاوية الأكثر انفراجا من رسمه الهندسي. لم يوجد الإسلام على نقيض الحداثة، ولم تكن حداثة بنفي الإسلام واعتباره حاشية على متن الحكم والدولة والسلوك الإجتماعي. بل نشأ من نوع من الحداثة كان العالِم فيه سلطانا والسلطان عالمِا. ففي عالم تغزوه التكنولوجيا لا بد من الاعتناء ببناء الإنسان بأبعاده الشاملة وليس إنشاء مسخ منه، وكائنا مبتورا ذا بعد واحد، ولذا لم ترتفع فيه كلمة التعليم بمعارفه وعلومه المتنوعة على كلمة التربية، ونشات في ماليزيا فكرة التعليم الشامل. فكان للدين مكانة مرموقة مهما تنوع الإختصاص، بل يمكن للمادة الدينية في الشعب العلمية كالطب والهندسة والزراعة والمحاسبة والتجارة.. أن تحدد النجاح أو الإخفاق في نهاية السنة الدراسية، لترفع وزارة التعليم العالي قواعد البيت من “الجامعة الإسلامية الماليزية” التي تعد من بين أفضل 500 مائة جامعة في العالم يؤمها 100 ألف طالب أجنبي. وبإسلام صلب وغير جهادي ومنفتح في الوقت نفسه، كما يصفه الباحثون، كانت حصة داعش والجماعات التكفيرية من الشباب الماليزي الأضعف عالميا. إذ منذ سنة 2013 لم يلتحق بداعش في سوريا والعراق سوى 100 جهادي قضى أغلبهم نحبه في سوريا. وقبل ظهور “تنظيم الدولة” بكثير، استبقت الحكومة تنقية الخطاب الديني، وبلغت الحملة النضج والأَوج في عهد رئيس الوزراء نجيب عبد الرازق، وقامت بترشيد المنهج في صرامة ضد الفكر التكفيري، مما مكَّن الوزارة من هيمنة عمودية على الخطاب في المساجد من أكبر جامع حَضري إلى آخر مسجد في قرية ماليزية نائية الموضع والمربَض. وهو ما تؤكده شهادة الباحث “ناصر الدين جعفر” من المغرب: “كل مناطق الإسلام الذي تحيى به ماليزيا دين معتدل، وقد كانت قياداته دائما في أوج التأهب لمواجهة أي فكر تكفيري على أراضيها، عندما كنا طلابا في ماليزيا، ومن داخل الحرم الجامعي للجامعة الإسلامية العالمية في كوالمبور، لا يتم تجديد بطاقة الإقامة للطلبة المتطرفين في عقيدتهم وفكرهم”. ورغم أحداث التنازع العرقي سنة 1969 التي أذبلت صورة التناغم الداخلي ظل بلدا فيه مُركَّز من الثقافة والإثنيات والأعراق التي تمثل تشكيلة البلد والتي استطاعت صهر التنوع الديني والثقافي على أرض واحدة. وهيمنت فيه الإثنيات الثلاثة القوية: الصينيون بنسبة 25 % والهندوس بنسبة 9 % والمالايويين بنسبة 62 %. صهرت منذ القديم المسيحي والبوذي والتايونتي على عقد “التفاهم الودّي”. وتعلمت فيه الأجيال كابرا عن كابر ووارثا عن ناقل، مفاهيم الإعتراف بحدود الآخرين وكيفية التعامل مع نقاط التماس فيها. لتكون العلاقات الإثنية متنوعة وأداة نبذ كل أشكال العنف في البلاد في دولة ربت الناس على أن الإختلاف في الديانة ليست نقيضا للإسلام أو تقويضا له في شيئ، بل هو من صميم الطبيعة البشرية. فتلتقي في شوراع كوالمبور الكوفية لمسلمين بالقبّعة الصفراء لبوذيين.

خاتمة

خطر الشخصيات القيادية السياسية حين لا تقدم أنموذجا لتراكم النضّج في الحكم، فحينئذ تكون وزنا معطّلا في التاريخ ومجرد رقم فيه، ومربكا لمساراته ومعيقا للنمو الطبيعي للدولة، وهو ما استدعى رجوع مهاتير محمد. عاد “الأسد الشيخ” في زمن ما بعد السياسة بحكم فجئية العودة، محلِّقا فوق سماء عالم السياسة التقليدي. قائدا لم يفكر في التشبث بالسلطة يوما، أو توريث أبنائه الحكم رغم كل المناشدات لإثنائه عن رغبته حين استقال، معلنا أن ماليزيا تحتاج قيادة جديدة. أخيرا قال الشعب الماليزي كلمته في 10 ماي، معتبرا رجوعه سببا في انتصار “تحالف الأمل” ليصرح مهاتير أمام الحشود: “أعرف إلى أية درجة بلغت بكم الرغبة في طرد حكومة السّراق وسَوْقِها إلى الباب”. وانهزمت دول خليجية راهنت على إبقاء رئيس الوزراء على نجيب عبد الرازق في منصبه لزجر إسلاميين من جنسيات عربية مقيمين في البلاد. وفى بوعده، وغادر أنور إبراهيم السجن ومن المنتظر أن يتولى منصب رئيس الوزراء بعد تخلى مهاتير الذي صرح أنه سيغادر الحكم بعد سنة أو سنتين في أقصى تقدير. فـ”تحالف الأمل” من الأحزاب الأربعة القادة كان منصّة لإطلاق دورة إصلاح جديدة وليست غايته إعادة أشخاص إلى الحكم. وسن 92 حوْلا، لا تسمح لأي رئيس بالقيادة العمليّة للدولة. ستكون الحكومة القادمة شبابية متنوعة من الرجال والنساء، في مواجهة تحديات أهمها استرجاع الأموال المنهوبة ومحاربة سرطان الفساد في مفاصل الدولة. وإجمالا، للنهضة شروط ورجال وطنيون. وينجب التاريخ الحديث رموز إصلاح حقيقيين: مهاتير محمد، بائع الموز في شوراع كوالمبور، وأردوغان بائع البطيخ الأحمر في أزقة إسطمبول، وكلاهما رمز لفهم جيّد لأسباب التنمية و للإسلام والعلمانية على السَّواء.

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

شاهد أيضاً

الشاهد وديناصورات السياسة الثلاثة

عبد اللّطيف درباله يوسف الشاهد يسير في طريق مسدود.. ويتوهّم أنّه يستطيع أن يُصَارِعَ ويَصْرَعَ ...

اترك رد