الثلاثاء ، 21 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / أنا لا ألوم الإعلام

أنا لا ألوم الإعلام

ليلى حاج عمر

أنا لا ألوم الإعلام ووجوهه وظلاله وما ظهر منه وما خفي فهذه الأجهزة كانت منذ ما قبل الثورة إلى مابعدها آلة لتغييب الوعي وللتتفيه وتبخيس المعنى الحقيقي مقابل إشاعة اللّامعنى.

ذاكرتنا قصيرة وإلا لما نسينا جرائد مثل الحدث والإعلان وغيرها ولما نسينا برامج التمجيد والكذب المزوّق المصوّر لمباهج العيش في تونس السعيدة التي تنام قريرة على فوهة بركان وعلى جثث في القناطر وأخرى في الغياهب. ذاكرتنا قصيرة وإلا لما نسينا وكالة الاتّصال الخارجي والأموال التي تضخّ لأقلام مشبوهة من أجل تزييف الحقائق. ما نعيشه اليوم له جذور عميقة ضاربه في المشهد الإعلامي الذي تربى وكبر على أيد غير نظيفة باستثناء من صمدوا وحاولوا أن يكونوا الاستثناء ومازالوا. مانراه اليوم هو الثمرة العفنة التي نخرها دود الفساد منذ زمن بعيد ولكنّها صارت الآن أكثر عفنا بعد أن تجنّدت قوى عديدة لقتل المعنى الجميل الذي ولد ذات لحظة ليعيد الروح إلى الوطن. إطفاء الوهج احتاج مطرا من الأموال لصنع “قتلة” يبتسمون كلّ يوم على الشاشة وهم يطلقون رصاصا كثيرا على القيم والأفكار والمعاني الجميلة ويقولون كلاما لا يشبه شيئا من أجل صنع حالة الذّهول التي تجرّ الجميع دون وعي إلى مربّع اللّامعنى والعبث والعدميّة.
وسط حالة الانجرار والذّهول لم يقم المثقّف بواجبه ليصنع للمجتمع “حصانة كافية” تسمح بالوقوف في وجه هذه الرياح العنيفة التي تخرّب نفوسا كثيرة بل إنّ الكثير من المثقفين ينجرّون بدورهم إلى القاع.
إنّ الخوف الشّائع والشّاسع من “الأوبئة” التي يشيعها الإعلام ببرامجه المختلّة فكرة ومعنى مردّها الشّعور “بضعف المناعة” وبعدم قدرة الجسم الاجتماعي الواهن على محاربة هذا الوافد المخيف والمجهول هويّة. برامج “خفيّة” بلا هويّة وبلا معنى وبلا قيم وبلا رؤية للحياة لا يمكن إلّا أن تكون مصدر هلع وهذا في حدّ ذاته إيجابيّ ولكن هل يكفي التعبير اليوميّ عن الهلع؟
من الأكيد أنّ الهلع لا يداوي الجسم بل يزيد من ضعفه إلى حد التهاوي. ومن الأكيد أنّ البرء يحتاج تقديم “ما ينفع الناس”. وليس دور المثقف التعبير عن الهلع أو السخط والغضب فحسب بل دوره إخراج الناس من مدارات الذّهول واللاتفكير والانتحار البطيء إلى مدارات التفكير والوعي بما يحدث. إخراج الناس من مدارات الرداءة بإنتاج الجميل الجميل.
هم ينتجون ونحن نستهلك ثمّ نصاب بعسر الهضم ونظلّ نتجشّأ. أليس هذا غريبا؟
لا حلّ غير الإنتاج المضاد. أن ننتج النصوص المدهشة والبرامج المدهشة والفكرة المدهشة التي تشكّل الإنسان المدهش. الإنسان الذي يقطع مع كلّ ما هو ردئ وسخيف ومسفّ. ذلك الذي يضحك من دناءة بعض المتطفلين الذين انتعشوا وسط مستنقع الرداءة، والذي يحاصرهم ولا يحاصرونه لأنّه كاره للزّيف، والذي يفضّل زرع وردة في الطريق على مشاهدة برامج القتل المعنوي.
ربّما آن أوان تلفزة ثقافية لا يحتلّها “بائعو” الثقافة والبهلوانيون والهازئون بالعقول. تلفزة ثقافية تشبه في جديتها ورقيّها إذاعة تونس الثقافية. المشهد الثقافي الأفضل في تونس تقريبا. تلفزة تحترم المشاهد وتؤصل فيه وجوده الحقيقي.
في انتظار ذلك، نفضّل زراعة الورد وكتابة الشعر وقراءة الروايات والمقالات الجادة التي يكتبها غير العالقين في المربع.

شاهد أيضاً

شباب !!!

نور الدين العويديدي كان شيخنا الجليل الاستاذ منير شفيق يقول لنا أيام اشتداد محنة النفي ...

اترك رد