الثلاثاء ، 21 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / رجاء فرحات يقع في غرام قاتل أبيه أو عقدة أوديب المزمنة…

رجاء فرحات يقع في غرام قاتل أبيه أو عقدة أوديب المزمنة…

نور الدين الغيلوفي

“الإنسان أشكل عليه الإنسان” – أبو حيّان التوحيدي

1. لا أكاد أطيق الممثّل رجاء فرحات.. يظهر لي دعيّا متصابيا توقّف نموّه عند لحظة مبكّرة من لحظات تكوينه الأولى.. قد يكون فنّانا قديرا وهذا أمر يحكم به أهل الاختصاص.. ولكنّني أسمعه أحيانا على أمواج الإذاعة يفتي في كلّ شيء.. فهو يفهم في الفنّ والفكر وفي التاريخ والجغرافيا والسياسة والنزاعات الدولية ويفقه في علوم النبات والحيوان وتربية الأسماك ومطّلع على علم الفلك ومواقع النجوم وألوان السحاب ومواعيد نزول المطر في البرّ والبحر.. وهذا الجنس من الكائنات يثير حفيظتي ويصيبني سماعه بما يشبه الغثيان… ولو توقّف الأمر عند هذا الحدّ ما كان ليلفتنا غير أنّ تصدّي الرجل للإفتاء في ما ينبغي أن يكون عليه شيخ مدينة تونس بعد الذي أثارته موقعة الانتخابات البلدية من جدال بين التونسيين قد استفزّني للكتابة فيه..

2. لقد قال الرجل: إنّ السيدة سعاد عبد الرحيم المرَشَّحة عن حرب حركة النهضة لا تصلح لتتولّى مشيخة المدينة لسبب بسيط هو أنّها ليست من أصول بلديّة ولم تولد بتونس العاصمة.. وعند هذا الحدّ من القول يحقّ لنا أن نناقش الرجلَ، موضوعَ حديثٍ لا طرفًا فيه.. وممّا تجدر الإشارة إليه بمناسبة قوله:

3. رجاء فرحات من أبٍ قابسيّ من مدينة النحّال وأمٍّ من ربوع سليانة وتحديدا من قرية تدعى جامة تقول روايات المعاصرين بأنّه (الوالد) كان يدرّس معلّما بها.. وذلك يعني أنّ الرجل آفاقيّ نازح إلى الحاضرة وليس من ساكنتها الأصليين إن كان لمدينة تونس ساكنة أصليون يمكن أن يُعيّنوا…

4. الحجّة السابقة لا تعدو ذريعة ذكرها الرجل وأخفى خلفها خلفية رأيه المتأرجح بين أطراف متمايزة يطلب ترضيتها.. ولعله إنّما يتصرّف بما احترف فيه من بهلوانية مسرحية إرضاء لأطراف متناقضة جغرافية واقتصادية وسياسية.. فلتصريحه ظاهر يستهدف سعاد عبد الرحيم، لا باعتبار أنوثتها كما قال زميل له اختزلت عبقريته السنة كلّها في ليلة القدر، ولكن باعتبار نسبتها غير الحاضريةّ (نسبة إلى الحاضرة).. وذلك في ذاته لا يعني شيئا.. وله باطن يتمثَّل في أنّ الرجل يبدو مكلَّفا بالدفاع عن حظوظ الحزب المنافس الذي يعتقد أن المدينة حُبسٌ عليه بفعل الوراثة السياسية والعائليّة.. أو قد يكون متطوّعا لله في سبيل الله!.. وقد فنّد ادّعاءَهُ الرئيس الأسبق فؤاد المبزّع حين ذكّر بمشيخة السيد محمّد سعد الله القادم من القيروان.. إذن فترشيح السيدة سعاد عبد الرحيم الآفاقية للمشيخة لن يكون بِدْعًا…

5. أمّا ما يؤكّد تهافت الممثّل رجاء فرحات فعلاقته غير المفهومة بالرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة التي يمكن عدُّها مفتاحًا يُقرأ به مجمل مواقفه.. يعلم الجميع أن والده المرحوم الصحبي فرحات كان ضمن مجموعة لزهر الشرايطي صاحب المحاولة الانقلابية ضدّ بورقيبة سنة 1962، وقد قُتل تحت التعذيب وألقى بوليس بورقيبة بعد قتله بجثّته أمام منزل العائلة وانسحبوا!.. غير أنّ ابن القتيل وقع في غرام قاتل والده وذلك أمر محيّر لا يكفي أن نقول في تفسيره إنّ الرجل قد قبل بترضية بورقيبة له عندما استعمله مديرا لمهرجان قرطاج ورتّب معه لقاء عرض عليه فيه روايته لمقتل أبيه وأدلى ببراءته من دمه بين يديه، وقد صدّق صاحبنا رواية الحاكم وسلّم بأنّ والده تُوفي قضاء وقدرا…

6. قلت: لا ترضيني رواية الرجل لحقيقة علاقته بالرئيس الذي قتل والده.. وليس في ذلك تسليم بمنطق الثأر ولكنّ قتل الوالد أمر جلل على الولد وليس من السهل الصفحُ ولا من السهولة التسليمُ برواية المتّهم وإلّا لما وصفنا ظالما بالظلم ولا اتّهمنا قاتلا بجريمة.. وأذكر هنا ما يروى عن موقف النبيّ محمّد لمّا جاءه وحشيّ قاتل عمّه حمزة ليعلن إسلامَه.. قال له: هل تستطيع أن تغيّب وجهك عنّي؟ ذلك نبيّ مدعَّم بوحي السماء لم يستطع بحكم جبلّته البشرية أن يرى وجه قاتل عمّه فما أدراك بقاتل الأب؟

7. ولمّا حاولت تفسير الأمر صرفني الخاطر إلى فرويد.. وذكرتُ به ما توصّل إليه عندما تحدّث عن عقدة أوديب.. استوحى فرويد من أسطورة سوفوكل “أوديب” تفسيره لما رأى فيه أحاسيس جنسية مكبوتة لدى الطفل تجاه أمّه، وقال بأنّ هذه الأحاسيس تترجَم إلى صراع مع الأب في لحظة معيّنة من لحظات النموّ.. ويعتبر هذا الامر مرحلة سليمة في تطور الطفل وتنتهي باختفاء الأحاسيس الجنسية تجاه الأمّ وبظهور شعور التضامن مع الأب.. أمّا مَنْ توقّف لديه التطوّر وظلّ حبيس المرحلة الأوديبية، فهو يعاني من مشاكل جنسية ومن سلوك عصابي يستبدّ به.. وعندما لا يستطيع الطفل تجاوز الوضعية الأوديبية بسلام يقع في دائرة العقدة الأوديبية، بمعنى إذا لم يستطع التصالح مع الأب وتأكيد حبّه له فإن ذلك يجعله طفلا أوديبيا، أي طفلا معقَّدا أوديبيا.. ويترتب على هذا نسق من العيوب الخلقية والنفسية والجنسية عند الطفل.. ولعلّ من أكبر العيوب أن يتنازل اليتيم عن مشاعره إزاء قاتل والده طوعا.. الحديث هنا عن المشاعر والمواقف التي قد لا نريدها ولكنّنا نقع فيها لا إراديًّا…

8. لقد تجاوز أوديب فعلته بالندم الذي سلك به مسلك التكفير عنها بمعاقبة ذاته.. ويفسّر فرويد ذلك السلوك منه بكونه بداية تشكّل القيم الأخلاقيّة لدى الطفل وولادة الأنا الأعلى وما يتعلّق بها من محرّمات.. أمّا السيد رجاء فرحات فقد تعطّل به النموّ عند تلك اللحظة وهو في عمره الذي نرى.. فالرجل قلّما حضر حوارا لم يتحدّث فيه عن المسألة الجنسية بشكل أو بآخر.. ففي مناسبة انتقد قرار إغلاق المواخير مع الثورة ودعا إلى إعادة فتحها في حضور مذيعة في عمر حفيدته.. وفي مناسبة أخرى كشف عن معرفته بجميع المشاهير المثليين في التاريخ العربيّ كما لو كان مختصّا في بحوث المثلية الجنسية أو أنّه لا يجد موضوعا للحديث غيرها..

9. لست بصدد محاكمة أخلاقية للرجل لأنّني من أنصار الحرّية المطلقة، نعم المطلقة.. ولكن رجلا في مثل سنّه لا يجد أدنى حرج في محادثة فتيان وفتيات في أعمار أبنائه وأحفاده عن موضوعات لا تخرج عن الجنس.. وأحاديث الجنس قد تدلّ، ما كانت في غير سياقها، على عقدة مزمنة لدى الرجل تشخّص تعطلّ النموّ لديه.. وذلك ما قد يفسّر تصالحه المجانيّ مع قاتل أبيه.. ومن كان على تلك الحال المزمنة لم يُعتَدّ بقول له ولم يؤخذ منه برأي ولم يعاتب على تزوير.. رُفع عنه القلم… والله أعلم…

رجاء فرحات
رجاء فرحات

شاهد أيضاً

في جدلية الوصائية والشعبوية

مصدق الجليدي يسقط المثقف الوصي ويحيا الشعب الحر الأبي هنالك انزلاقات من طبيعة معرفية وانحرافات ...

اترك رد