الأحد ، 23 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الثورة تنتصر… التوافق ينجح… والنهضة تفوز

الثورة تنتصر… التوافق ينجح… والنهضة تفوز

نور الدين الختروشي

تونس تتنفس الصعداء وتستكمل نصف ثورتها. فبعد تجاذبات حادة ومحاولات بائسة لتعطيل هذا الاستحقاق الانتخابي الحيوي للمواطن والبلاد توجهت النخب السياسية والمدنية طوعا أو كرها إلى صناديق الاقتراع.
صحيح أن نسبة المشاركة كانت ضعيفة، وأسباب العزوف الانتخابي متعددة وقد تناولناها وغيرنا من المحللين بأكثر من تفسير، وجلها ركز على قرف السلوك السياسي خطابا وممارسة للنخب الفاعلة في المشهد، وعلى فشلها في إنجاز الأدنى في عنوان التنمية والعدالة، مما أحبط الغالبية الشعبية التي انتظرت محقة أو مشطة وضعا أحسن من الموجود.

كل هذا وغيره صحيح ومهم، ولكن الأهم أن الصندوق قد تكلم يوم 7 ماي وأفصح عن أسراره، فماذا قال؟
1. الثورة تنتصر:
كنت ومازلت ممن لم يتحمس للثنائية الحادة والمقابلة المطلقة بين الثورة والثورة المضادة، لأنها ببساطة تقفز على حقيقة تركيب وتعقيد الحالة التونسية، سواء من حيث رسم خط الفصل بين الثورية والإصلاحية، أو بالاعتماد على غياب الطليعة الثورية في تفجير الثورة وقيادتها على ما هو معلوم في استثناء الحالة التونسية التي خالفت الهيكل العام للنماذج الثورية في العالم، وقفزت على الطوبولوجيا الكلاسيكية للثورة كما عرفتها بقية الشعوب من حولنا قديما وحديثا.
الخصوصية الثورية التونسية مازالت لم تتوضح تنظيرا وتقعيدا، وهي تنحت مسارها بدالة براكسييس مذهلة من زاوية استواءها على مطلوبها التاريخي والسياسي دون كراس شروط ثورية ولا دليل قبلي يرسم الأفق والخط والدالة، بل برافعة الحيلة والمناورة والمكر النبيل.

هذه الحقيقة العينية، وإن كانت تعمق فكرة الاستثناء التونسي، فإنها لا تقفز على المشترك الأساسي أو المركزي مع بقية الثورات وهو تبلور المواقع ومن خلالها الصراع بين المنظومة المحافظة والمنظومة الجديدة بآليات التدافع السياسي والمناورة. وليس بالسلاح والرصاص كما حدث في محيطنا العربي من حولنا. ولقد استعمل القديم المتضرر من الثورة ما استطاع ليحرم تونس الجديدة من استكمال مسار بناء معمودية النظام السياسي الديمقراطي الوليد، وتهرب وسوّف وراوغ في طريق المحليات والجهويات والبلديات وهو يعي أن جوهر المنجز الدستوري للثورة يتكثف في معاني التشاركية واللامركزية والحكم المحلي.

وستحفظ الذاكرة الوطنية أن تونس الجديدة تمكنت بفضل الله وعزم أبنائها من جر تونس القديمة التي تحالفت مبكرا في زمن حكم الترويكا مع الخاسرين من العملية السياسية إلى مربع إنجاز نصف الثورة، وإرغامها بالقوة الناعمة للتصويت على مجلة الحكم المحلي، ومن ثمة استكمال شرط إنجاز المكسب التاريخي الجديد لثورتنا الأنيقة. من هذه الزاوية وبهذا المعنى وعلى أطراف دلالته وبقطع النظر عن الفائز والفاشل في البلديات، تونس الجديدة انتصرت وثورتها استكملت دورة إنجازها. وفي هذا وحوله يكمن الجوهر التاريخي لمنجز 6 ماي المجيد.

2. نجح التوافق
التوافق أصبح اختراعا و”ماركة مسجلة” للعقل السياسي التونسي، وقصته بدأت على تخوم لحظة تهارج وطني، كادت تتحول إلى تحارب فضيع في الأشهر الأخيرة من حكم الترويكا. فقد رفض الجزء الغالب النخب -قديمها وجديدها- كما رفضت القوة الصلبة للموجود الوطني من بارونات سوق وإعلاميين وإطارات الإدارة والدولة، أن يستأمن الشعب التونسي الإسلاميين على المصير العام بعيد الانتخابات التأسيسية. وتحالف هذا الثالوث مع “صناع” ورشة اللائكية التي كانت منقسمة حول المسألة الديمقراطية، بين مناضل من أجلها في فضاء المعارضة الوطنية، وبين مشتغل على وأد الحلم بها في النظامين البورقيبي والنوفمبري. وسرعان ما تحالفت كل تلك القوى تحت شعار الدفاع على النمط المجتمعي التونسي بدعوى تهديده من مشروع أصولي ظلامي مقابل تمثله حركة النهضة. ولعل من حسن حظ التجربة والمسار أن اختير الباجي قايد السبسي كشخصية مخضرمة ليتولى قيادة الحرب المعلنة على حركة النهضة وحلفائها. فقد اختير الباجي ليكون جنرال الحرب المقدسة باسم معبد اللائكية إلا أنه وبنباهة وطنية عالية رفض بزة الجنرال وتمسك بمعطف السياسي الأنيق. فكان لقاء باريس التاريخي علامة طريق في التأكيد على فكرة بسيطة جوهرها قابلية التونسي من حيث المبدأ للقبول دائما بنصف الحل ونصف المطلوب في أفق إنجاز المطلوب، وهو جوهر السياسة كآلية بحث دائمة عن الأدنى أو الأقصى من المشترك لتجنب الحرب وخراب المدينة.

لم تتثاقل خطوات الشيخ الغنوشي في الطريق إلى لقاء باريس، ولم ترتبك يمين الباجي وهو يمدها للشيخ، وأثبت الرجلان أن إرث التمدن والسلم الأهلي تونسيا أعمق من منزع التوحش والتنافي فكانت النتيجة المباشرة “لشجاعة” اللقاء بين الرجلين تنظيم رئاسيات وتشريعية سنة 2014 والتي فتحت على اختيار التوافق كرافعة أساسية للترفق بالسير في اتجاه تدشين زمن الحداثة السياسية تونسيا. وما إنجاز الاستحقاق البلدي هذه الأيام سوى الشاهد الجديد على حكمة اختيار التوافق. تاريخا، ونجاعته سياسةً.

3. النهضة تفوز مجددا
لم يكن مفاجأً أن تفوز النهضة بهذه الانتخابات، سواء بجرد المواقف التي حاولت ما استطاعت تعطيل السير نحو البلديات فمخاوفها كانت بالنهاية تحوم حول هذا الممكن المفزع لها، أو بحساب جاهزية الحزب وقدرته الوازنة على الحفاظ على وحدته وتماسكه ونجاعة أدائه طيلة السنوات السبعة الماضية.
فالنهضة التي كانت تخوض منذ الثورة معركة مزدوجة مع داخلها الحزبي الذي كان يعاني من خدوش سنوات الدخان ومع خارجها الوطني الذي كان مترددا في الأدنى ورافضا في الأقصى في القبول “ببساطة حقيقة” كونها جزء من الحقيقة الوطنية. كابدت النهضة برصانة مذهلة في ساحة معركة النقد الذاتي والبحث عن التجدد على محارق “دروس التجربة” وفي الساحة العامة مع خصومها الذين استعملوا المباح وغير المباح لدفعها إلى الزاوية الحادة وجرها إلى معركة مصير جديدة.
المؤتمر العاشر ومخرجاته التي كثفها شعار الفصل والتخصص كان عنوان النقلة النهائية من مشروع الحركة إلى برنامج الحزب. يومها لم تخلع السياسة على النهضة أبواب الأيديولوجيا بل فرش لها العقل العملي في مونبليزير السجاد الأحمر لتدخل في محفل انبجاس الوعي بالمسافة بين المأمول والمنشود بدالة القيمة والمبدأ والمشروع، وبين المطلوب والممكن بدليل الواقع وقسوة الضرورة ومطمح البرنامج.

بتسارع رشيق واكب الرأي العام تداعيات مخرجات المؤتمر العاشر فالتحقت الكفاءات الوطنية من مشارب أيديولوجية مختلفة بمؤسسات الحركة واختير يهوديا ليترأس قائمتها في مسقط رأس الزعيم بورقيبة وانخرطت طاقات نسوية غير متدينة ومحسوبة على “النمط” بمونبليزير، في ثورة مذهلة شهدها جسم النهضة من دون تأثير على وحدتها وتماسكها وجاهزيتها السياسية والميدانية.
فازت النهضة في هذا الاستحقاق، وكان يجب أن تفوز إذا قرأنا نتائج الانتخابات من زاوية الأخذ بأسباب وشروط الفوز وفي مقدمتها التنظيم والانضباط والانسجام والقناعة وروح التطوع والنجاعة التواصلية.
وكل هذا وغيره توفر للنهضة، وعليه لا غرابة ولا صدمة في فوزها، وكان سيكون صادما أن تنهزم النهضة الجديدة، وكان سيكون مدهشا حد الفزع أن ينهزم خط النهضة الجديد. فعلى مداه حبّر النهضويون ما نزّ من تجربتهم الأربعينية من رحيق العقل المتقاطر من جدل النقد المزدوج. نقد الذات والموضوع. أو “ذلك” الامتحان الذي سقطت فيه بقية الأطراف ذات المشاريع الأيديولوجية الشمولية، ونجحت فيه النهضة.
نجحت النهضة هناك بعيدا في أعماق كهوف الذات قبل أن تفوز هنا قريبا في البلديات.
وربما “هنا” فقط تكمن حزمة المعنى.

شاهد أيضاً

بأي معنى يمكن أن نتحدث عن “الإنقلاب” في تونس ؟

عادل بن عبد الله قد لا تكون كلمة “انقلاب” من أكثر الكلمات الدائرة على ألسنة ...

اترك رد