السبت ، 22 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / كل الاحتمالات الممكنة للخيبة

كل الاحتمالات الممكنة للخيبة

كمال الشارني

يحدث لي أحيانا أن أفكر بطريقة شاذة: أن أصدق الدولة الوطنية وأترك سيارتي لكي أمتطي الميترو،

كان ذلك مساء الأحد ولا أدري بأية معجزة كان ثمة كرسي فارغ، لكني سريعا ما فهمت سبب وقوف امرأة لأن السيد الذي يجلس في الكرسي الآخر يفتح ساقيه النحيفتين على عرض صالون وزاري، نظرت إليه خفية: له ملامح عدو: قذر، سروال ممزق وشعر أشعث كث طويل ما فوق الرأس على طريقة حمقى هذه الأيام، أظافر قذرة وجسد ملوث بأوشام بدائية وجراح، غارق تماما في سماع موسيقى صاخبة لمزود وخليط من الراب، من المستحيل أن يكون اقتطع تذكرة، من الصعب أن يكون قد دخل الجامعة أو انحنى أمام العلم والقيم، أو قرأ شعرا، فكرت في أن أقول له “لم ساقيك” وفكرت في كل الاحتمالات الممكنة للخيبة في ظل الغياب التام للدولة والعدالة والمحاسبة، أن يغدرني بضربة على وجهي مثلا، أنا لا أحتمل الضرب على الوجه وقد أقترف أية حماقة وقتها، في حالات الخوف والضغط أعود إلى التفكير بالطريقة التي بقيت بها على قيد الحياة لثلاث سنوات في العالم السفلي للسجون الجهنمية لبر تونس وأنا في التاسعة عشر من العمر، الأفضل أن أعطيه “كرد صحيح مليان” في أحد عينيه يجعله لا يفرق بين الصديق والعدو لخمس دقائق، ثم أقول له تلك الكلمة السحرية: “لم ساقيك من فضلك”.

قام صديقنا ذي الساقين المفتوحتين لينزل في محطة قريبة، صعد بعدها شاب آخر، في الخامسة والعشرين، بسروال ممزق أيضا، لم تكن ساقاه مفتوحتين مثل من سبقه، “لقد كفى الله المؤمنين شر القتال”، إلا أن العجوز في الكرسي المقابل كانت تبتسم لي ساخرة، وقد أحسنت بها الظن على أساس أنها تضحك لشيء ورائي، ولما أردت التثبت، اكتشفت أن جاري في الكرسي كان يمد ذراعه وراء رقبتي كأنه يحضنني، “وليدي أنا في سن أبيك، عمري أكثر من ضعف عمرك أيا كانت نواياك من هذا الحضن وعبث أصابعك وراء رقبتي”.

هذا حقا، اشتهيت أن أعطيه كردا حقيقيا يهشم فمه، قال لي بوقاحة: “أش قلقك عمي الحاج كي نمد إيدي ونرتاح، متاع بوك الكرسي ؟”، فكرت في الكرد الصحيح، ورد الفعل، والحاكم الذي لا يأتي إلا عندما تسيل الدماء، السجن والأبحاث وفقدان مهنتي مرة أخرى وأنا في سن الثالثة والخمسين، وخصوصا تأنيب البوليسية، كل البوليسية: “ما تحشمش راجل كبير بو صغار، في عوض تعلم الصغار تولي مجرم تكسر فم واحد صغير في مقام ولدك”، وعجزي عن أن أقول لهم “لو كنتم تقومون بواجبكم لما احتضنني مراهق قذر في المترو، ولما احتجت لتهشيم كشخته القذرة”، لا يقال ذلك للبوليسية لأنهم لا يضربون بالكرد أو البونية مثلنا، بل بأشياء تسبب إعاقات دائمة، أحيانا تقتل.

شاهد أيضاً

حول إضرابات الاتّحاد

نور الدين الغيلوفي اتّحاد الشغل يقرّر إضرابًا عامًّا بيومين: يوم من نصيب القطاع العام والآخر ...

اترك رد