الأحد ، 23 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / حملة انتخابية بمنطقة ريفية ساحلية

حملة انتخابية بمنطقة ريفية ساحلية

ناجي حمزة

ملاحظات عابر سبيل
هي مجرد محاولة لرصد الحراك الانتخابي بالجهة، وتسليط الضوء على خفاياه وممكناته، كما تهدف الى والمساهمة في فهم المناخ تواصلي في المناطق الريفية. 
سيتم في هذا المقال تقديم القائمات وملابسات تكوّنها، ميولاتها وتركيبتها، رؤساؤها وخلفياتهم، نوايا التصويت، التحالفات الممكنة، كما سيتم تناول موضوع الأحزاب وعلاقتهم بالجهة، والأسباب العميقة لتعثر السياسة بالمنطقة.

1. القائمات :
لقد ساهم تأخير الانتخابات البلدية من أكتوبر إلى شهر ماي في تزايد عدد القائمات المترشحة لتبلغ ثمانية في منطقة بلدية تعد ريفية وصغيرة وليس لها تقاليد انتخابية وحزبية، ثماني قائمات، ستة منها مستقلة يعد عددا كبيرا للاعتبارات السابقة خاصة إذا قورنت ببلديات ضخمة وذات عراقة في العمل السياسي تقدمت فيها أربع أو خمس قائمات فقط. حتما هناك تفسيرات واضحة للأمر ويمكن تلخيصها في التالي: الفراغ الناشئ من غياب العمل الحزبي أغرى المستقلين بملئه، غياب إطارات ورمزيات سياسية مدربة جعلت المجلس البلدي المنتظر في متناول أي طالب له. بدعة القائمة المغلقة العشائرية أدت إلى بروز قائمات مقابلة بدافع حمائي ضدي.
كان معلوما لدى الجميع أن حزبي النهضة والنداء سيترشحان لكن لا أحد ينتظر من بقية الأحزاب أن تغامر بولوج أرض بوار خالية من القواعد الحزبية، بيد أن الكل مجمع على معطى آخر مهم وهو تآكل شعبية الحزبين المذكورين بالجهة غير الممثلين بمكتب محلي. من هنا وجدت القائمة المستقلة طريقها المفتوح فتكونت تباعا.
وحتى نفهم أكثر فإن منزل الحياة المنطقة الشاسعة التي تضم قرى ريفية عديدة في أقصى ولاية المنستير تعد تاريخيا منطقة ذات ولاء تجمعي لا معارضة فيها وخالية تماما من أي حراك سياسي غير هيمنة الشعب الدستورية الخاضعة والتابعة لما تسطره المدينة. هذا الإرث ألقى بكلكله على المواطن مؤخرا وجعله يسبح في فراغ ويعيش أزمة انتماء، إذ شهدت المنطقة في وقت ما مدّا سلفيا لافتا ترك بدوره فراغا من بعد في نفوس الكثيرين، كما عرفت اختراقا سهلا للعريضة الشعبية التي انسحبت أخيرا من الاستحقاق البلدي. المعطى الأخير هو النفور القوي لدى الناس من الأزلام ومن العائلات التي مسكت برئاسة البلدية منذ تأسيسها في 1986.

إذن هذا الفراغ أسال لعاب بارونات المال والأعمال الصغيرة الصاعدة والتي كانت محتجبة في الصفوف الخلفية للتجمع لتقفز إلى حلبة المناورة عبر تقديم مرشحين بلا ماض ولا صيت ولا انتماء لتضمن من خلالهم مجلسا بلديا تابعا وخادما، والهدف المعلن دائما هو إنقاذ البلدية من الأزلام والأحزاب وخوض حرب الاستقلال عن هيمنة المدينة باستجماع مقومات السيادة واسترداد الأراضي والمشاريع المنهوبة. لكن أهدافا خفية لا تخطؤها عين المراقب ذات طابع قبلي عشائري مجيّر لخدمة مصالح شخصية وعائلية اصطبغت بها جل القائمات.
ابتدع بعضهم فكرة غاية في الخبث الانتخابي مستغلا ثغرات قانونية في المجلة الانتخابية ليركز قائمات مغلقة في أكثر من جهة، كل منها تتكون من مترشحين من العرش نفسة لتضمن عدم ذهاب أصواتهم خارجا، وتعمل القائمات منفردة ثم تلتقي بعد إعلان النتائج في تحالف رأسي يحدده المؤسس والداعم الخلفي. وهكذا نشأت قائمات أخرى مقابلة تعمل بمنطق الضد لقطع الطريق على عشيرة بعينها أو على داعم آخر. مما كاد يغذي تطاحنا وتنازعا ذا لبوس قبلي مقيت.

لن أورد هنا كل القائمات وسأركز على أبرزها متبعا ترتيبا تفاضليا حسب مدى الانتشار الذي لاحظته.
أولا : قائمة نحو غد أفضل وهي قائمة مستقلة شبابية جامعة تغطي كل قرى الجهة تقريبا نجحت بشكل لافت في استقطاب الناخبين خاصة الشباب منهم، تنادي بوضوح بالتمايز عن الأحزاب وتذيع خطابا جاذبا يهدف إلى استرجاع الموارد المنهوبة والتشاركية والشفافية والقطع مع الأساليب البائدة في العمل البلدي. نشأت أساسا بمنطق المضاددة للتصدي لمحاولات قائمات عشائرية فئوية متحالفة ثم تطورت لتصبح أهم قائمة تنافس على الرئاسة، نجحت هذه القائمة في حملتها الانتخابية التي تميزت بجانب استعراضي غير مألوف يحيل على الصميمية والقوة والإرادة، هذه بعض جوانب القوة للقائمة والتي استمدتها رأسا من مؤسسها ورئيسها.

ثانيا : قائمة النداء، قائمة بلا طعم، بتركيبة ضعيفة وهشة ولكنها إحدى أهم القائمات المرشحة لنيل الرئاسة وهذا يحتاج بدوره إلى توضيح. فالنداء كوريث للتجمع كان على مدى عقود مرتهنا لرمزيات وأعيان صارت اليوم مسنة واضطرت للتراجع إلى الخلف لكنها لم تسلم تماما ولا زالت تراهن على ماكينة الشعب القديمة لحسم الصندوق لذلك لم يكن النداء جادا في تقديم مرشحين ذوي كعب عال وقدم راسخ قادرين على جذب الناخب، بل راهن كما قلت على اسم الحزب والآلة الانتخابية وعلى التحالفات وحتمية الالتفاف على المستقلين قبل انعقاد المجلس، و من هنا تستمد قائمة النداء قوتها كمرشح رئيس لنيل الرئاسة.
لأنها منطقة ريفية محرومة فرضت عليها امرأة من المكتب الجهوي كرئيسة قائمة رغم تواجد العديد من الخريجات النساء في الجهة إلا أن الكفاءة مفقودة تماما وهذه السيدة المعروفة بشخصيتها الضعيفة ويسر اقتيادها لغياب كارزما القيادة والاستقلالية الذاتية ناهيك عن الخبرة والكفاءة السياسية. هذا الأمر هو نقطة الضعف المحورية في قائمة النداء ينضاف إليه تآكل شعبية الحزب نتيجة الوضع الاقتصادي وضعف التمثيل والتواجد الميداني.

ثالثا : قائمة النهضة، النهضة كحزب ليس له مكتب محلي بالجهة ويرجع بالنظر لمكتب معتمدية زرمدين المهيمن هيمنة كاملة على القواعد وقد مارس منذ تأسيسه وصاية على منزل الحياة فأقصى منخرطيها من جميع الاستحقاقات وهمشهم وسعى لإضعاف تواجدهم بالمكتب وبالبلدة لغايات شخصية وفئوية. يعمل لصالح مركز المعتمدية المنافس لبلدية منزل الحياة على الموارد وبالتالي النقد موجه لهما رأسا في إضعاف قائمة منزل الحياة حتى لا تكون مراهنا جديا، تغييب كلي لرأي قواعد الجهة والتنسيق بمنطق الوصاية، وتنصيب امرأة مستقلة غير مستقرة بالجهة وغير مسيسة على رأس القائمة ولكنها تحذق مهارات القيادة وفنون التسيير لذلك تراها جادة ومتشوفة للفوز وتنفيذ برنامجها الذي بدأ يتبلور حديثا في رأسها وفي تجاهل غريب من الحزب. وفي تقديري الخاص تعتبر هذه السيدة أكفأ رؤساء القائمات الثمانية وأقربهم للصدق والشفافية لما تتميز به من قدرة تواصلية عالية ونشاط مدني وتعفف عن المشاحنات والمزايدات والحسابات العائلية الضيقة… ولكن تبقى إمكانية الفوز بالرئاسة واردة.

النداء هو الأقل اصواتا ولكنه الأوفر حظا لأهمية الغطاء الحزبي وسهولة تأثيره على الأعضاء المستقلين ولأن النهضة تفضل دعمه على دعم مستقل لا ضمانة ولا مصلحة سياسية من وراء دعمه.
في النهاية لا بد من تسجيل ترحيب المواطنين بأجواء الحرية المتاحة وبرغم ما ذكرناه من هنات واحترازات ومؤاخذات لا بد أن نفخر بما نحن بصدده وبما بلغناه.
هذه ملاحظات ليست بالعمق المطلوب حتما ولكنها رصد لما عاينته وسمعته في ثلاثة أيام قضيتها هناك قبل العودة للعاصمة. كل الحب والتقدير للبلدة ولكل المترشحين الذين أعتز بشجاعتهم وبجرأتهم.
#منزل_الحياة
#menzel_hayet

شاهد أيضاً

بأي معنى يمكن أن نتحدث عن “الإنقلاب” في تونس ؟

عادل بن عبد الله قد لا تكون كلمة “انقلاب” من أكثر الكلمات الدائرة على ألسنة ...

اترك رد