الإثنين ، 20 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / الوزير راحل والأساتذة وتلاميذهم باقون

الوزير راحل والأساتذة وتلاميذهم باقون

سامي براهم

هل فشل الأساتذة ؟
هل أساؤوا التّقدير ؟
هل مطالبهم غير مشروعة ؟
هل مطالبهم تعجيزيّة ولم تراع مقدّرات الدّولة ؟
هل تحرّكهم في تعارض مع إكراهات المرحلة ؟
هل الوسيلة التي استعملوها أي حجب الأعداد غير مشروعة ؟

ما هي معايير الجواب الموضوعي عن هذه الأسئلة بعيدا عن الإنحيازات والإصطفافات والتّموقع مع أو ضدّ؟

لا بدّ من الإشارة أوّلا أنّ مشاركة الأساتذة في التحرّك كانت بنسب مرتفعة جدّا لم يثبت أنّ عددا معتبرا تخلّف عنها، وحتّى لو اعتبرنا وجود من شاركوا ضمن عقلية التّضامن أو الحرج من العزل أو الخوف من الوصم مع عدم الإقتناع فإنّ المشاركة الفاعلة التي تعبّر عن قناعة ذاتيّة كانت كثيفة وغالبة، ولا يمكن في كلّ الحالات اعتبار هذا العدد من الأساتذة على إمتداد البلد مجمعين على موقف فاقد للشرعية والمشروعيّة بالمعنى القانوني والنّقابي.

في فلسفة العمل النقابي التحرّكات والمطالب التي تعبّر عن الضّمير العامّ لقطاع من القطاعات هي مشروعة حتّى ولو كانت مصادمة لإرادة وانتظارات صاحب القرار السياسي وهذا ما يفتح على وضع التفاوض وإلا لا معنى للعمل النقابي إذا انطلق من تماه واندماج مسبق بين أرباب العمل والشغّالين أو الإدارة والموظّفين.

التناقض بين الطّرفين طبيعيّ وليس وضعا شاذّا ولا استثنائيّا ولا علاقة له بالوطنيّة وعدم الوطنيّة، بل يمكن لأصحاب التحرّك المطلبي رفع سقف المطالب لتحقيق ما هو دون السّقف المرتفع ويمكن لهم ممارسة أقدار من المساومة التي تتضرّر منها فئات أخرى بأقدار متفاوتة، هذا دارج في كلّ التحرّكات النّقابيّة في العالم بدون استثناء حيث تتعطّل مصالح فئات من المواطنين في إطار سياسة الشدّ والجذب للوصول إلى حلول وسطى من خلال التفاوض الذي يقرّب وجهات النّظر.

لذلك لا يمكن لوم الأساتذة على تحرّك أجمعوا عليه، ولا يمكن لوم الأولياء على الدّفاع عن مصالح أبنائهم، ولا يمكن لوم الإدارة التي تحرص على التخفّف من الأعباء والمسؤوليّات، كلّ هذه الأطراف لا لوم عليها عند هذا المستوى من التّحليل.

لكن اللوم على الوزير ممثّل الحكومة الذي أساء بخطابه للأساتذة واستهزأ بهم وحرص على ترذيلهم أمام الرّأي العامّ وتحريض الأولياء عليهم واستثارة مخاوفهم، كما أنّ عددا من الأولياء سواء بدافع الغيرة على أبنائهم أو بدافع سياسيّ لم يقصّروا في انتهاك حرمة أساتذة أبنائهم وشيطنتهم والتّشكيك في ذممهم في أجواء عدائيّة متشنّجة يمكن أن تجعل صورة الأساتذة تهتزّ في نظر تلاميذهم وما لذلك من تأثير على وضع المنظومة التربويّة والتّعليميّة، أمّا الأساتذة فلم يقدّروا بشكل جيّد مآلات الوسيلة التي استعملوها في السّياق الزّمني الرّاهن رغم أنّها ليست سابقة فقد التجأ إليها الجامعيّون قبل الثّورة من خلال ما سمّي بالإضراب الإداري.

في الأخير استقوت الوزارة بالإعلام الفاقد للمهنيّة وبعدد من الأولياء وبالضغط على المركزيّة النّقابيّة للدّخول في مفاوضات في وضع مريح ودون ضغط، ونجح الأساتذة في الظّهور كقوّة قطاعيّة موحّدة تختزن الكثير من الطّاقة على التّأطير والصّمود وإن برز هذا في الجانب المطلبي فهو رصيد قابل للتّفعيل في إصلاح المنظومة التربويّة والقضايا الوطنيّة.

أرضى الوزير نوازعه وربّما ثأره القديم زمن حراك الثّورة، لكنّه راحل والأساتذة وتلاميذهم باقون.

شاهد أيضاً

مملكة الخوف

صالح التيزاوي تأتي الأخبار من السّعوديّة بما يبعث على الحزن لما آل إليه وضح الحقوق ...

اترك رد