الثلاثاء , 13 نوفمبر 2018
الرئيسية / مقالات / الحرب السعودية على أهل السنَّة

الحرب السعودية على أهل السنَّة

محمد مختار الشنقيطي
صدر في العقد المنصرم كتابان مهمان يصفان انهيار الكتلة التاريخية المعروفة باسم “أهل السنة والجماعة” وصعود الكتلة الشيعية في كل أرجاء المشرق الإسلامي. أحدهما كتاب الأكاديمي الأميركي من أصل إيراني والي حسين نصر: “صحوة الشيعة”، والثاني كتاب الصحفية الأميركية دبورا آموس: “أفول أهل السنة”، ويكاد الكتابان يصفان الظاهرة ذاتها، لكن بلغتين مختلفتين، فكتاب والي نصر يفصِّل صعود الشيعة السياسي في المنطقة، خصوصا بعد الغزو الأميركي للعراق، مع تحيز واضح للمحور الشيعي، وشيء من نشوة النصر السائدة الآن لدى النخب السياسية الشيعية، وتحريضٍ لأميركا بالتعويل على القوى الشيعية الصاعدة، لا على القوى السنية الآفلة.
وأما كتاب دبورا آموس هو يصف انهيار القوة السنية في المنطقة، خصوصا بعد الغزو الأميركي للعراق. مع تعاطف مع محنة أهل السنة في العراق، وكشفٍ استقصائي لما تعرضوا منه من تقتيل وتهجير، وإزاحة من مواقع الصدارة في الدولة العراقية تحت شعار “اجتثاث البعث”. ويمكن إرجاع هذه الظاهرة في وجهيْها -صحوة الشيعة وأفول السنَّة- إلى أن أهل السنة والجماعة أصبحوا سنة من غير جماعة بسبب السياسات السعودية، وهذا ما نحاول تجليته في هذه الورقة من أوراق الربيع.

لقد تذكرتُ هذين الكتابين في الأيام الأخيرة وأنا أراقب -كما يراقب كثيرون مثلي- التخبط الفكري والاستراتيجي المذهل الذي تعاني منه إحدى أهم الدول السنية في الشرق الإسلامي، وهي المملكة العربية السعودية، وهو تخبط ليس بالأمر بالجديد، ولكنه اتخذ منحىً دراماتيكيا في الأعوام القليلة الماضية. والسبب في الربط بين الكتابين وبين السياسة السعودية هو أن السلطة السعودية هي أكبر مسؤول عن محنة أهل السنة، وتشتت كلمتهم، وافتراق صفهم، خلال العقود الأخيرة، سواء بتصدير ها لخطابها الديني المتحجر، الذي حصر مفهوم الإسلام في دائرة ضيقة، وحصر مفهوم أهل السنة في دائرة أضيق، أو في استراتيجيتها المرتبكة المتناقضة التي حرَمت أهل السنة من النجاح في التعايش مع الشيعة أو في التدافع معهم.

لقد حافظ جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعة على مستوى من اجتماع الكلمة وحفظ الكيان الإسلامي على مر العصور بفضل مبدأين، أولهما مبدأ “لا نكفِّر أحدا من أهل القِبلة”، وهو مبدأ جليل مستمد من الحديث النبوي: “من صلَّى صلاتَنا، واستقبل قِبلتَنا، وأكل ذبيحَتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تُخْفروا الله في ذمته”. (صحيح البخاري). وأورد النسائي هذا الحديث في باب “صفة المسلم” من سننه.

وقد صان هذا المبدأ الجليل المجتمعات الإسلامية في جل مراحل تاريخها من التكفير الممزِّق للصف، المفرق للكلمة. وعبَّر الحافظ الذهبي عن هذه المحاذرة من تكفير أهل القِبلة، فيما يرويه عن أبي الحسن الأشعري، وعن شيخه ابن تيمية، فقال: “رأيتُ للأشعري كلمةً أعجبتْني، وهي ثابتة رواها البيهقي: سمعتُ أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرُب أجَلُ أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد دعاني فأتيتُه، فقال: اشهدْ عليَّ أني لا أكفِّر أحداً من أهل القِبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا اختلاف العبارات. [قال الذهبي] قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية أواخرَ أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم” (الذهبي، سير أعلام النبلاء).

والمبدأ الثاني الذي حافظ به جمهور المسلمين على كيان الأمة الإسلامية هو مفهوم “أهل السنة والجماعة”، الذي كان في الماضي مفهوما واسعا يستوعب جمهور المسلمين من كل المذاهب والمشارب. ومِظلَّة فضفاضة تستظل بظلها غالبية المسلمين، بسلفيّيها وخلَفيّيها، من محدِّث وفقيه ومتكلم وصوفي…الخ، وكانت قوة مفهوم “أهل السنة والجماعة” تكمن في مرونته وقدرته على استيعاب مدارس إسلامية شتى، مما جعله يتَّسع للغالبية الساحقة من المسلمين.

وهكذا كان مفهوم “أهل القِبلة” يجمع جميع المسلمين تحت مظلة واحدة، بمن فيهم السنة والشيعة، وكان مفهوم “أهل السنة والجماعة” يجمع جمهور المسلمين -من غير الشيعة- تحت راية واحدة. لكن مفهوم “أهل القبلة” يكاد يتلاشى اليوم من الثقافة الإسلامية، كما أن “أهل السنة والجماعة” أصبحوا في عصرنا سنَّة من غير جماعة. والسبب في هذين الانحرافيْن يرجع بالأساس إلى ثقافة التكفير والتشهير التي بثتها السلطة السعودية -السياسية والدينية- في أرجاء العالم الإسلامي، وهي ثقافة تفرِّق ولا تجْمع، ولا يمكن أن تتحقق معها مظلة جامعة للمسلمين مثل مظلة “أهل القبلة”، ولا أن ترتفع معها راية جامعة لجمهور المسلمين مثل راية “أهل السنة والجماعة”، ولا يجهل أحد أن تلك الثقافة هي النبع الذي نهلتْ منه جميع حركات التكفير والتشهير في أرجاء العالم الإسلامي.
ثم كانت الجناية الثانية التي جنتها السلطة السعودية على الأمة الإسلامية بشكل عام، وعلى أهل السنة والجماعة بشكل خاص، هي إقحامها أهل السنة في حرب وجودية طائفية مدمِّرة مع الشيعة. وكانت نتيجة هذه المواجهة كارثة على عموم المسلمين، ومصيبة مضاعفة على أهل السنَّة والجماعة، لأن القيادة السعودية فاشلة حتى في حربها الطائفية.
فالعلاقة بين السُّنة والشيعة لا يمكن تصورها إلا عبر مسارين اثنين. أحدهما: مسار التعايش السلمي الذي يحترم الخصوصية المذهبية، ويعترف بحق الاختلاف، ويسعى لضمان العدل والحرية للجميع دون ازدواجية ولا مثنوية. وهذا هو المسار الأفضل إسلاميا وإنسانيا. وثانيهما: مسار التدافع السياسي والعسكري الذي يحقق توازن القوى، ويُقنع الطرفين أن لا بديل عن التعايش، وأن فرْض إرادة أي طرف على الآخر أمر عبثي، لن يقود إلا إلى الدمار الشامل للطرفين، وللأمة الإسلامية بأسرها.
وقد حرمت الاستراتيجية السعودية الفاشلة في مواجهة الشيعة عموما، وإيران خصوصا، أهل السنة من تحقيق أي شيء على أيٍّ من المسارين. فقد حرمتْهم بخطابها التكفيري التشهيري من خيار التعايش السلمي مع الشيعة، ثم خذلتْهم سياسيا وعسكريا في خيار التدافع الفعال ضد التوسع الشيعي. وهكذا حرَمتْ السلطة السعودية أهل السنّة والجماعة من الاجتماع على مبدأ ديني، بثقافة التكفير والتشهير التي بثتها في أرجاء الأرض، ثم حرمتْهم من الاجتماع على موقف سياسي، بخذلانهم وطعنهم في الظهر. فتحول أهل السنة أدواتٍ بيد السلطة السعودية لاستنزاف إيران (وقبلها الاتحاد السوفييتي)، ضمن المنظور الاستراتيجي الأميريكي، وليسوا طرفا أصيلا يراد له أن يحقق مكاسب إيجابية، سواء عن طريق التعايش أو التدافع.
ثم كانت الجناية الثالثة هي تصدُّر السلطة السعودية لخطيئة الثورة المضادة، وتوجيهها طاقتها السياسية والمالية ضد الشعوب منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، وحربها الاستئصالية على القوى الإسلامية السنّية التي كانت رافعة تلك الثورات، وهو ما خلخل البناء العربي كله، وفتح ثغرات مُهلكة في الجسد العربي، وفي الكيان السني الأكبر، دخلت منها إيران وروسيا وغيرهما. وقد أسفرت الإستراتيجية السعودية الخرقاء عن تراجعات كبرى لقوة أهل السنة، السياسية والعسكرية، وحتى الديمغرافية، في أكثر من بلد من بلدان المشرق العربي:
ففي العراق دفع أهل السنة ثمن التعويل على السلطة السعودية، والانطباع التي قدمتْه لهم ولغيرهم عن استعدادها لمواجهة التمدد الإيراني، وحربها الكلامية الجوفاء مع الشيعة، فكانت النتيجة مفزعة: تقتيلا وتنكيلا وتهجيرا، وإبعادا عن مواطن التأثير والقرار، في دولة كانوا يحكمونها طيلة التاريخ الإسلامي، باستثناء قرن واحد من الحكم البويهي.
وفي سوريا كان الثوار على بُعد بضعة كيلومترات من قصر السفّاح بشار الأسد في دمشق، فضغطت السلطة السعودية من أجل الاستئثار بملف الثورة السورية، وتهميش الداعمين الآخرين، خصوصا من القطريين والأتراك، فكانت النتيجة تمَزُّق الثورة السورية على جبهتها السياسية، وتضعضعها على جبهتها العسكرية. وذهبت عنتريات عادل الجبير عن إسقاط الأسد بقوة السلاح أدراج الرياح.
وفي اليمن تستحق تقلبات السياسة السعودية أن تُدرَّس في كليات العلوم السياسية مثالا على التخبط والتناقض والارتجال. فقد أنقذت السلطة السعودية علي عبد الله صالح من ثورة شعبه، بل وأنقذت حياته لما هوجم هجوما قاتلا في صنعاء، وأعادته إلى اليمن معززا مكرَّما ليعبث بمصائر الثورة، ودعمت الحوثيين من أجل استئصال التجمع اليمني للإصلاح، القوة السياسية السنية الكبرى في اليمن. ثم انتهى المطاف بالسلطة السعودية إلى محاربة علي صالح وتدمير اليمن من أجل التخلص منه ومن الحوثيين.
وفي تركيا كانت السلطة السعودية داعمة للانقلاب العسكري الغاشم، الذي كانت غايتُه تعطيل مسيرة تركيا، من خلال تنصيب قائد عسكري من نمط عبد الفتاح السيسي، قاهرٍ لشعبه، مقهورٍ أمام الغرب، ليعيد تركيا إلى حالة التبعية، والعداوة الصريحة للإسلام وللعرب، والارتماء في أحضاء إسرائيل، والتخلي عن الآمال العراض التي تعلقها جماهير المسلمين في أرجاء العالم على تركيا الجديدة، كدولة إسلامية قوية، متصالحة مع محيطها الإسلامي.
وقبل ذلك في مصر كانت السلطة السعودية الداعم الأكبر للانقلاب العسكري الغاشم الذي وأد أجمل الثورات العربية وأعظمها أثرا في المعادلات الإستراتيجية في المنطقة، وسعت السلطة السعودية بذلك إلى استئصال جماعة الإخوان المسلمين، أكبر القوى السياسية الإسلامية في العالم، وأوسعها انتشارا، وأكثرها اعتدالا ومصداقية. ويكفي أنها القوة السياسية التي حازت على أصوات الغالبية، في أول انتخابات رئاسية نزيهة في تاريخ مصر، أكبر الدول العربية.
ثم جاء حصار قطر خاتمة سيئة لحرب السلطة السعودية على أي قوة سنية صاعدة، حتى ولو كانت أقرب الناس إليها ثقافيا وجغرافيا وديمغرافيا. فهدمت السلطة السعودية آخر خطوط دفاعها، ومزقت مجلس التعاون الخليجي، وهو القوة الإقليمية التي شكلتها السعودية بيديها عام 1981 من أجل احتواء الثورة الإيرانية، ودرء خطرها عن الأنظمة الحاكمة على الضفة الغربية من الخليج.
ولعل أهل السنة في لبنان سيكونون آخر جماعة سنّية تغدر بها السلطة السعودية، وتسعى الآن إلى رميها في أتون حرب طائفية غير متكافئة، ثم تطعنها في الظهر، تحقيقا لمطامح الرجل المتحفز إلى عرش السعودية اليوم، وخدمة منه لحلفائه الصهاينة الذين ارتمى في أحضانهم بسذاجة، ظانا أنهم المتحكمون في مصائر الكون.
ولم تسلمْ الهيئات العلمية الإسلامية المعبرة عن ضمير الأمة من حرب السلطة السعودية على أهل السنة، فها هي تصم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بوصمة الإرهاب، وهو أكبر منظمة عالمية لعلماء المسلمين من كل المشارب والمذاهب. وقبل ذلك اعتقلت السلطة السعودية خيرة علماء بلاد الحرمين، ودعاتها المعتدلين من مثال الشيخ سلمان العودة ود. علي حمزة العمري، ومثقفيها الإصلاحيين من أمثال د. عبد الله الحامد والأستاذ محمد القحطاني. وهي بذلك تسعى إلى القضاء على آخر الأصوات المعبرة عن نقاء رسالة الإسلام، وعن ضمير الأمة الإسلامية، واحتكار الساحة الإسلامية لمرتزقة الصحافة، ولعمائم السوء من فقهاء البلاط، الذين يستخدمهم المستبد و”يضحك عليهم بشيء من التعظيم، ويسدُّ أفواههم بلُقيماتٍ من مائدة الاستبداد”، حسب تعبير العلامة عبد الرحمن الكواكبي.

ولست أبرئ إيران وامتداداتها من الطائفية المقيتة، ومن العدوان الصارخ الذي جعل أربع دول عربية تنزف لسنين، بل أرى أنهم ارتكبوا فظائع أبشع مما ارتكبته السلطة السعودية. لكن إيران وحلفاءها لم يجمعوا بين الجريمة والفشل، بين الخطيئة والبلاهة، على نحو ما نراه من السلطة السعودية. وقد كتب أحد الباحثين في معهد الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن منذ بضعة أيام مقالا في صحيفة (نيويورك تايمز) يقارن فيه بين الإستراتيجة السعودية والإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، فتوصل إلى فوارق كبيرة بين الدولتين في التصور وفي الأداء، منها أن لدى إيران العلاقات، والخبرة، والتجربة، والصبر الاستراتيجي، وليس لدى السعودية شيء من ذلك، وأن إيران وفية لحلفائها، وليس كذلك السعودية.

ولو كانت القيادة الإيرانية تفكِّر بمستوى تفكير القيادة السعودية، لرأيتَ انقلابا عسكريا إيرانيا على الأسد في سوريا، ومذبحة ضد العلويين في اللاذقية بتمويل من إيران، وقصفا إيرانيا همجيا على حزب الله اللبناني، والحشد الشيعي العراقي، وحربا إيرانية استئصالية ضد الشيعة العراقيين والخليجيين، وتصنيف الحوزات العلمية الشيعية منظمات إرهابية!! فهل يتصور عاقل أن ينزل التفكير السياسي الإيراني إلى هذا المستوى من الحماقات التي ترتكب السعودية مثلها بالضبط ضد القوى الإسلامية السنّية في كل أرجاء المنطقة؟!

وخلاصة الأمر أن السلطة السعودية ضيَّعت على أهل السنة خيار التعايش السلمي مع الشيعة، ثم ضيعت عليهم خيار التدافع الإيجابي معهم، وحاربت كل عناصر القوة المادية والمعنوية لديهم، وبذلت كل طاقتها لوأد ثورات الشعوب وإبقائها في سجون الظلمة.. كل هذا وهي تدَّعي نصرة الإسلام وحمل راية السنَّة. والحقيقة أن لا مستقبل لأهل السنة في المشرق العربي، إلا إذا حدث تغير ثقافي واستراتيجي عميق في بلاد الحرمين التي هي قلب الإسلام ونبعه، أو انتقل مركز التسنن من السعودية إلى موطن آخر من مواطنه التاريخية الكبرى، مثل مصر، والشام، والأناضول. وما دامت حرب السلطة السعودية على أهل السنة قائمة، فلتسعدْ كل الطوائف والأقليات، وأعداء الداخل والخارج، بالولوغ في دمائهم، وانتهاك أعراضهم، وإخراجهم من بيوتهم، والمظاهرة على إخراجهم..  فيا خيبة من كانت السلطة السعودية نصيرَه هذه الأيام!

شاهد أيضاً

امْنَحُوا الحربَ فرصةً !

محمد مختار الشنقيطي لا يمكن فهم الموقف الأميركي من ثورات الربيع العربي عموما، والثورة السورية ...

لماذا المساواةُ في الصلاة والظلمُ في الحياة!؟

محمد مختار الشنقيطي في رواية (مدينة الرياح) -وهي أعمقُ أثــَـرٍ أدبيٍّ سطَّره قلمٌ موريتانيٌّ حتى ...