السبت ، 22 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / التربية، علة مأزقها، سطحية فهم طبيعتها

التربية، علة مأزقها، سطحية فهم طبيعتها

أبو يعرب المرزوقي

أزمة التعليم في تونس ليست خاصة بها بل هي تعم كل بلاد العرب وعلتها غلبة الرؤية الساذجة لوظيفة التعليم النظامي (أعني الذي يجري في المؤسسات التعليمية الرسمية) اعتمدت بالأساس نظرة الثقافة العامة المعممة على الجميع حتى صارت بالتدريج لا تتجاوز محو الأمية لفقدانها غاية التعليم الرئيسية.

وقبل تأليف أول حكومة بعد الانتخابات الحرة والنزيهة الأولى بعد الثورة، دار الحديث على اختيار الوزراء فجاءني المرحوم الزميل منصف بن سالم وكلمني في الموضوع وحاورني الأخ عبد الكريم الهاروني في نفس الأمر فأعلمتهما بأني أفضل البحث في إصلاح التعليم وألا أتحمل مسؤولية دون استراتيجية.
فالحكومة التي كانت ستعين ملتزمة بأنها لن تحكم أكثر من سنة والمجلس تأسيسي بالجوهر ومن ثم فستكون في مستوى الحكم وكأنها لتسيير الأعمال ولا يمكنها أن تشرع في أعمال هيكلية للإصلاح. وقبلت أن أكون مستشارا برتبة وزير للتفكير في استراتيجية إصلاح التربية عامة بمستوياتها التالية.
بدأت بما يشبه الترجمة الذاتية في مسألة عامة تهم تونس لكنها تشمل الأمة كلها لأن أزمة التربية التي لها علاقة بهذا الموقف تشمل كل النظام التربوي ليس من اليوم بل هو أساس كل ما مرت به الأمة من انحطاط. فقد كان التعليم قبل بداية النهوض مهملا من الدولة وصار منذ بدايتها مهملا من المجتمع.
والتعليم كان قبل النهضة لا يتجاوز المعارف الدينية ولا صلة له بشروط الاستعمار في الأرض والعلم بفنون التعامل مع الطبيعة لإنتاج الثروة ولا حتى بشروط الاستخلاف فيها والعلم بفنون التعامل مع التاريخ لإنتاج التراث المؤسس للحياة المشتركة بين البشر ولا يزال كذلك لعدم صلته بالبحث العلمي.

لم نفهم بعد أن التربية تجاوزت الحفظ والذاكرة اللفظية إلى المهارات المتعلقة بالبحث العلمي وتطبيقاتها في المستويات الخمسة التالية:
1. ما قبل الابتدائي
2. الابتدائي
3. الثانوي
4. الجامعي
5. ما بعد الجامعي أو التكوين المستمر المصاحب للممارسات الفنية في العمل المنتج لرعاية الجماعة وحمايتها.
لكن التعليم في تونس ومثله كل بلاد العرب لم يتجاوز بعد الثقافة العامة المبنية على حفظ الموجود ولم ينتقل إلى فعل نظري وعملي يتعلم فيه الشباب البحث العلمي بتعلم مؤلف من بعدين:
1. إعادة اكتشاف المكتشف وكأنه ليس مكتشفا.
2. واكتشاف ما ليس مكتشفا في مجالات البحث العلمي. فالمدرسة مخبر.
فيكون التعليم بهذا المعنى هو استراتيجية تكوين الأجيال في ما يسقطه المجتمع من ذاته في المستقبل المتوقع لذاته لتمكينهم من قدرتين وأخلاقهما:
1. الإنتاج العلمي الممكن من فهم قوانين الطبيعة وسنن التاريخ والمساهمة في تطويرهما.
2. القدرة على ترجمة ثمراتهما في الرعاية والحماية.

فينتج عن هذا التصور أمران:
1. أن التربية بهذا المعنى أي هي التكوين الخلقي والعلمي والذوقي أساسها تعلم الإبداع والبحث العلمي لتحقيق شروط الرعاية والحماية للجماعة ككل.
2. وأن هذا التعريف يجعلها ثقيلة الكلفة المادية التي ينبغي أن تتوفر لئلا يتردى مستوى المربي وتجهيزات البحث العلمي.
وطبعا من شروط فهم ذلك فهم دور هذا التكوين في التنمية المادية والروحية للجماعة. وتبعا كذلك فهذا لا تفهمه المجتمعات التي ما تزال فيها الأنشطة المادية (الاقتصاد) والروحية (الثقافة العلمية والتقنية والدوقية والخلقية) بداية غنية عن التكوين الحرفي الذي يعمل على علم ولا يكتفي بالعادات.
فلا يوجد شيء في المجتمعات الحديثة يمكن أن يتعلم بالعادات من دون نظرية سابقة ومهارة تقنية تتعلم بالممارسة في مختبرات البحث قبل الانتقال إلى الإنتاج في المؤسسات الاقتصادية والثقافية التي هي المرحلة الثانية من التعلم الدائم من المهد إلى اللحد ومن هنا ضرورة إضافة مرحلتين في التعليم.

فمرحلة ما قبل المدرسة الابتدائية لها علتان: عمل الأم وفضل التعلم النظامي في أصغر سن ممكن وخاصة في ما يتعلق بالسلطان على البدن وعلى اللسان (تعلم اللغات). ومرحلة ما بعد الجامعة أو التكوين المستمر لها علتان كذلك: سرعة تطور المعرفة والحاجة إلى الانتقال بين الحرف لتحرك سوق العمل.
فينتج عن ذلك كله أن التعليم والتربية أصبحتا أهم مقوم للحياة الاقتصادية والثقافية وأهم شروط الرعاية (تحقيق شروط العيش المادية والروحية) والحماية (تحقيق شروط الدفاع عن الجماعة أرضها وحريتها). الدولة الحديثة حداثتها رهن هذه الرؤية للتربية بل هي بالأساس نظام البحث العلمي وتطبيقاته.
ومن دون أن يكون عملي مبنيا على هذه الرؤية باستراتيجية هدفها جعلها تصبح سياسة طويلة النفس لتحول التربية إلى نظام مخابر للبحث المبدع لم يكن لتكليفي بوزارة تباشر التعليم العالي أو التربية ذا معنى. وكان لا بد من التفكير في الامر مليا وبيان شروطه البنيوية وهو ما قدمته علنا صوتا وصورة.

فتكلمت في العناصر المقومة للعملية التربوية وهي التالية:
1و2. متعلم البحث العلمي ومعلمه
3و4. المستفيد الأول (أسرة المتعلم) والمستفيد الثاني (مستعمله)
5. بإشراف السلطة الشرعية التي تمثل إرادة الجماعة أو الدولة الديمقراطية التي تقر خطط التعليم التي يضعها خبراء استراتيجية الاستشراف.
وبهذا المعنى فالمدرسة مؤسسة اقتصادية لها منتجان: الأول هو المتعلم الذي يصبح كفاءة في مجال معين وهو إذن عامل إنتاج مستقبلي في مجال اختصاصه وعليه أن يسهم في كلفة المؤسسة التي كونته والأهل عليهم أن يسهموا فيها لأنها تكون إبنهم أو إبنتهم والمعلم يسهم بوصفه مواطنا وكولي لأبنائه.
ومن سيستخدم خريجي نظام التربية هم أرباب العمل. وهذه أربعة إسهامات ويأتي دور الدولة التي هي المساهم الخامس. فإذا تم ذلك تصبح كلفة التربية جزءا من الكلفة العامة لحياة الجماعة في كل مجالاتها. أما عندما تبقى كما هي الآن على كاهل الدولة فهي تصبح مهما حاولت التغطية عاجزة عن الضروري.

فينتج من ثم أن مجانية التعلم هي العائق الأساسي في نظام التعليم في تونس وفي كل بلاد العرب. وهي كذبة من خرافات الشعبوية الدكتاتورية التي استعملت فكرة الدولة الحاضنة التي ولدت الكسل وجعلت المؤسسة تفقد شروط النجاح الاقتصادي بتحويلها إلى تكية للبطالة المقنعة بإثقالها بفائض العمالة.
وبينت أن تردي مستوى التعليم والتربية جعل الأسر تدفع أكثر مما كان يمكن أن تدفعه لو لم يكن التعليم مجانيا. فترديه جعلهم يدفعون مرتين:
1. الدروس الخصوصية.
2. ثم التدارك لأن الوقت الذي يقضيه التلميذ في المدرسة الرسمية لا يفيد في شيء ووقت الدروس الخصوصية لا يكفي للتكوين.

واليوم وصلنا إلى المأزق ولا أحد يريد التفكير الجدي في الحل: فالمعلمون معذورون لأن أجورهم لا تسمح لهم بحياة من يتفرغ للبحث العلمي والدولة معذورة لأن كلفة التعليم ليست في متناولها. والمسؤول الأول هو الشعبوية التي تفرض مجانية التعليم: الجميع ينبغي أن يسهم في كلفة تعليم مبدع.
الدولة تسهم باسم الجماعة مما تحصله من جباية وللجميع فيها سهم حتى وإن لم تكن عادلة. لكن لا بد من إسهام آخر مباشر موجه إلى نظام التربية بوصفه أساس كل الانظمة الأخرى في الجماعة: فهو ينتج المنتجين وطرق الإنتاج وأدواته وقيمه: شرط الرعاية وشرط الحماية ويحفظ حرية الفرد وسيادة الجماعة.
وذلك هو ما أعنيه بأن أهم شيء في الجماعة صار أمرا لا توليه الجماعة أدنى أهمية بخلاف ما كان عليه الأمر في الماضي حيث كان التعليم مسؤولية المجتمع الأهلي والدولة لا تعني به. وفي ذلك خطأ في الحالتين. التربية مهمة الدولة الجماعة الأهلية في آن ولا يمكن أن تكون أشرف حرفة مجانية.
ولا يمكن أن تكون الحرفة التي لا حرفة أخرى من دونها لأنها أصلها جميعا أن يصبح أصحابها أدنى المحترفين في الجماعة. المعلم صار أذل من أي صانع مهما تدنت صنعته رغم أني أعتقد أن كل الصناعات شريفة. لكن التعليم هو صناعة الصانعين. ولهذه العلة فنحن في آخر الركب لأننا أهنا صنعة الصانعين.
وإذا اعتمدت ما يجري في النظام العام في المغرب العربي فيمكنني القول إن الاستاذ الجامعي لا يستطيع أن يشتري كتابا في الشهر من المراجع المعتبرة في مجاله لأن أجره لا يكاد يفي لعيشه نصف الشهر. فيضطر إلى القيام بأعمال جانبية تلهيه عن البحث العلمي حتى لو توهمنا أن بقية الشروط متوفرة.
لا يمكننا -ولا استثني الثروة المؤقتة لأصحاب البترول- أن نحقق شروط النهوض الفعلي في التنميتين المادية والعلمية الشارطة لها لعلتين:
1. حجم «المحميات» العربية لا يكفي لنظام تعليم مبدع في البحث العلمي المشروط في الاقتصاد والدفاع.
2. كذبة مجانية التعليم تؤدي إلى منزلة مهينة للمعلمين.

شاهد أيضاً

مأساة الحسين أم مأساة المسلمين ؟

محمد جميح بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام الحسين في كربلاء، التي تصادف اليوم، يمكن إثارة بعض ...

اترك رد