السبت ، 26 مايو 2018

غضبة للأساتذة…

نور الدين الغيلوفي

إذا رضي عنك إعلام الوباء فاتّهم نفسَك..
أدلّ مؤشّر على أنّ أساتذة التعليم الثانوي على حقّ اصطفافُ وجوه اللوح الإعلامي ضدّهم وسعي الحرافيش الموبوءة في تشويههم..
الأساتذة قوّامون على المجتمع قاطبة.. يطوف بينهم كلّ ساعٍ إلى طلب المعرفة وهم لا يملّون طواف طلّاب العلم بهم.. يقومون على تربية أبنائنا يجاهدون من أجل تنوير عقولهم.. هؤلاء هُمْ سادة العلم وطيور المعرفة ورسل النور.. يبذلون الوسع في تحرير العقول وينفقون جهودا مضنية في إنفاذ سلطان العلم في الناشئة.. في عناء لا يعرفه كثير من الناس.. نزيف أذهان وأعصاب ومشاعر.. والأستاذ إذا لم يمت فوق مصطبة الدرس عاجله الحتف غير بعيد عن انقطاعه للاستراحة.. إنّ عملهم من فرط مشقّته يستنزف أعمارَهم.
الأساتذة يقفون وحدهم على جمر لا يجده غيرهم.. الناس من حولهم ينعمون بالثمر ولا يلتفتون إلى عذاب الزُّرّاع الذين رعوا الثمار حقّ رعايتها حتّى أوصلوها إليهم.. الناس يستضيئون بالزيت ويغفلون عن أوجاع غارسه.. وينسون أن نور زيتهم من مسيل دمعه..
ليس من السهل على الأستاذ أن يترك فصله كما أنه ليس من السهل على المزارع أن ينقطع عن حقله.. إنه، لو تعلمون، يعيش مرارتين تجتمعان عليه: مرارة الظلم من وزارة تستهلكه ولا تنصفه ومرارة تركه الفصل بتعليق الدرس مُكْرَهًا..
لأجل كلّ ذلك ليس من المعقول ترذيلهم ولا من المقبول مهاجمتهم والتشويش عليهم وهم يخوضون ملحمة نضالهم من أجل نيل حقوقهم.. تلك حقوقهم وهم أدرى الناس بها وبكيفية جنيها…

لك أن تنتقد قيادتهم النقابية كما شئت، ما دام القائمون عليها بشرا يأتيهم الباطل كما يأتي غيرَهم.. ولا أحد منهم يدّعي لها عصمة، ولكنّك في الآن ذاته لا تملك إلّا أن تشيد بتكاتفهم وإصرارهم على نيل مطالبهم مجتمعين يدًا واحدة على من ظلمهم.. وهم الذين يعلّمون تلاميذهم “وما نيل المطالب بالتمنّي”…
كنّا نريد أن يصل الأساتذة إلى تسوية أوضاعهم بعيدا عن هذه الضوضاء الحادثة.. وما كنّا نريد أن تصيب تحرّكات الأساتذة النقابية طرفًا من الأطراف حتّى لا تثير حفيظة أحد.. غير أنّ وزير التربية القابع عند خلفيته القديمة يصرّ على حشرهم في الزاوية وحشر نفسه.. لقد عاد الوزير إلى المشهد من خلف صفوف النظام الذي طردته الثورة.. ولمّا لم يعترض عليه أحد، عند تعيينه، فقد دخل الوزارة وفي صدره من الثورة والشعب قنابل موقوتة من الثأر الدفين.. ولعله ظنّ أن الفرصة مواتية ليفعل بالأساتذة وغيرهم ما يريد..
إنّه ما كان ينبغي أن يغفل الأساتذة المناضلون عن كون الوزير العائد إلى وزارة التربية من غير طينة جميع الوزراء الذين عصفت بهم الصراعات منذ سنة 2011.. لقد عاد الرجل إلى المشهد وفي جعبته موقف نفسي من اللحظة المضطربة في بلادنا تحت وقع زلزال الثورة التي ردّته وأمثاله إلى أحجامهم وسلبتهم ما كان من امتيازاتهم.. ولولا رعونة الصراع بين الفرقاء في البلاد ما كان لمثله أن يعود إلى مشهد تربويّ كان فاعلا رئيسا من فواعل إفساده…
فهل يكون برنامج هذا الوزير الدفع باتّجاه مزيد توتير الأجواء لأجل ضرب هيبة الأستاذ وحشر المدرّسين في زاوية لا تزال تضيق عليهم بعد أن تعذّر الحوار بين سلطة الإشراف وبينهم؟
أوَ ليس في تمكينه من ذلك ما يهدّد مدرستنا العموميّة التي كانت، إلى الأمس القريب مفخرة من مفاخر بلادنا؟

شاهد أيضاً

بالفلاقي: مصلحة البلاد قبل الإتحاد

محمد علي الدراجي لعب اتحاد العباسي دورا سياسيا “هاما” خلال أزمة 2013-2014 سبقته عشرات الآلاف ...

اترك رد