الجمعة ، 17 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / حجبنا الأعداد ولم نحجب المعرفة

حجبنا الأعداد ولم نحجب المعرفة

صالح التيزاوي

يقول وزير التّربية بأنّه لا يفاوض تحت ضغط الحجب،
قد يكون من المفيد، أن نذكّر بأنّ الجامعة العامّة للتّعليم الثّانوي قد رفعت مطالب منظوريها إلى سلطة الإشراف في وقت مبكّر منذ مطلع السّنة الدّراسيّة. وقد دخل أساتذة التّعليم الثّانوي في احتجاجات قبل الفروض وقبل الحجب. فلماذا لم تبادر إلى تفاوض جدّي قبل استفحال الأزمة؟ ولماذا لم تطلق إصلاح المنظومة التّربويّة التي أصابها ترهّل وعجز لامسا مختلف جوانبها؟فماذا تنتظر وزارة التّربية وقد مضى وقت طويل على إقالة ناجي جلّول؟

إن حجب الأعداد وإن تعلّق في ظاهر الأمر بمطالب مادّيّة (لا ننكرها) فهو صرخة، لفتت انتباه أحرار المجتمع ونخبه الحيّة إلى الحالة المزرية للتّعليم العمومي وماهو عليه من انحدار فظيع أخطر ما فيه تفقير الأستاذ، وتبخيس دوره في المجتمع وإهمال المدرسة العموميّة، ضربا لقيمة المعرفة. هل من المعقول أن يتهرّب الأثرياء من الضّرائب، وهل من المعقول أن تعفو الدّولة عن لصوص المال العامّ وفي المقابل لا تبذل مجهودا لتحسين وضع المربّي؟ لقد رأينا حماسا منقطع النّظير لتمرير قانون “المصالحة” سيّء الذّكر، ولم نر مثله لحلّ أزمة التّربية والتّعليم في بلادنا. بل إنّنا نعايش يوميّا إهمالا للمدرسة العموميّة: (نقص في إطار التّدريس، وفي إطار التّسيير والتّأطير، وفي العملة). ورغم الوضع المزري (حرائق، انعدام النّظافة، قلّة التّجهيزات، غياب الصّيانة)، فإنّ المدرّسين لم يفاقموا من أزمتها بحجب المعرفة عن أبناء شعبنا.

ألا يستدعي الأمر تدخّلا عاجلا وناجعا من سلطة الإشراف لإيقاف انحدار المؤسّسة التّربويّة العموميّة بدل التّهديد بقطع الأجور؟ وهل بقطع الأجور ستحلّ وزارة التّربية أزمتها مع المدرّسين؟ وهل ستحلّ مشاكل المدرسة العموميّة؟ وهل قطع الأجور سيعجّل بتلافي مكامن العجز والقصور في المنظومة التّربويّة؟ وهل سيرتقي بالمستوى المعرفي للتّلاميذ ؟ إنّ منطق “وبكلّ حزم” جُرّب من قبل، فهل نفع من اتّخذه سلاحا ليسكت كلّ صوت نادى بالإصلاح ؟ وهل أغنى ذلك عنه شيئا؟ لقد كشف عجز وزارة التّربية عن ابتكار الحلول المناسبة للمشاكل المستفحلة في قطاع التّعليم عن مشكلة أساسيّة في هذا الوطن، أنّه مازال يدار بعقليّات قديمة. فلا منوال التّنمية تغيّر ولا منوال التّربية تغيّر هو الآخر فكيف يمكن أن تتحسّن أوضاع المجتمع ؟ أزمة وزارة التّربية مع أساتذة التّعليم الثاّنوي هي أعمق من مجرّد مطالب مادّيّة (وهي مشروعة)، فهي أزمة خانقة متعدّدة الوجوه: أزمة برامج لم تعد تستجيب لتطلّعات الشّعب ولا لسوق الشّغل، أزمة بنية تحتيّة مهترئة، أزمة تصوّرات لملامح الشّخصيّة التي يُراد بنائها، أزمة اختيارات لم تعد تقيم للمعرفة وزنا.

وممّا يزيدها تعقيدا، غياب الحلول وغياب الأمل في حلّ يعيد للتّعليم العمومي نجاعته ويكسبه القدرة على مواكبة التّحوّلات الإجتماعيّة، وينقذ المدرسة العموميّة (مدرسة الشّعب) ممّا يدبّر لها.

شاهد أيضاً

دولة الإكراه

نور الدين العويديدي قامت الثورة التونسية في العام 2011 باعتبارها إنتفاضة شعبية عارمة على تجربة ...

اترك رد