الخميس , 15 نوفمبر 2018
الرئيسية / تدوينات تونسية / معركة تأجيل المعارك…

معركة تأجيل المعارك…

عايدة بن كريّم
أجدادنا رحمهم الله وغفر لهم صمتوا أمام خيانات حزب الدستور الجديد وانقلابه على الحزب القديم وإزاحة اليوسفيين واغتيال النقابيين والمناضلين وقالوا “موش وقته معركتنا هي معركة الإستقلال”… آباءنا صمتوا أمام انقلاب بورقيبة على مسار الحركة الوطنية (المقاومة المسلحة) وقبلوا بالتفاوض مع المُستعمر وقالوا “موش وقته معركتنا هي معركة بناء الدولة الوطنية”… ثمّ “موش وقته معركتنا هي معركة التنمية والإلتحاق بركب الأمم المتقدّمة”… رحّلوا جميع المعارك الحقيقية وصمتوا على جميع الخيانات بتعلّة “أمّ المعارك” وهي بناء “الدولة الوطنية”… واستغلّ بورقيبة صمتهم من أجل التمادي في الخيانة والإقصاء والإغتيال والهرسلة.
جاء بن علي على ظهر دبابة بانقلاب “أبيض” فصمتنا لأنّ معركتنا كانت “إنقاذ” ما يمكن إنقاذه واستغلال السياقات لترميم الصفوف ووضع قدم داخل المشهد السياسي وتوهمنا أنّ الثقة في صانع الإنقلاب سلاح في “معركة” عادلة… المعارضة بجميع مشاربها باركت التحوّل وصفّقت لبن علي وثمّنت التغيير وانخرطت في “اللعبة”… وأعطت فرصة لبن علي حتى يتمكّن من رقاب التوانسة ومن مصادر عيشهم ومن مصائرهم… ليبقى جاثما على قلوبنا 25 سنة.
قامت الثورة نتيجة ما أوصلنا إليه عقل سياسي “يؤجّل التقييم والمحاسية” ونخبة سياسية ثقافتها “موش وقته” ونخبة ثقافية وجامعية كانت شاهدة زور على خيانات واغتيالات وانقلابات وتدمير لمؤسّسات المجتمع وثقافة الشعب.
الخيانة الأولى للثورة كانت في القصبة 2… قالوا موش وقته كشف المستور (من خان ومن باع ومن فاوض) معركتنا هي التمكين للثورة. وجاء مُقترح حكومة الباجي و”المجلس التأسيسي”…
عادت قيادات النهضة وقبل التقييم والمحاسبة قالوا موش وقته معركتنا اليوم هي “التمكين للمشروع” عبر الشرعية (أخذ التأشيرة) والمشاركة في الإنتخابات. وُضعت التقييمات في الأدراج ووقع تأجيل المحاسبة وانخرطنا في معركة “المغالبة” و”التمكين” وكنّا شهود زور على عملية تفجير الساحة السياسية وعودة المعارك “الهووية” على حساب معارك التنمية والعدالة الاجتماعية…
جاءت حكومة الترويكا وبدأت دورة جديدة من الإرتعاش والإرتباك والخبط العشوائي وكان تبرير الضعف كالعادة بـ”موش وقته” خلّيهم يخدموا… وفعلا خدموا والنتيجة كانت على حساب المسار الثوري… حمادي الجبالي أعاد أغلب وجوه التجمّع وأبقى على المسامر المصدّدة في مكاتب الحكومة ووقع تعيين الأزلام في مؤسسات مفصلية في الدولة (الإعلام على وجه الخصوص). والمرزوقي بعقلية “ردّ الجميل” لمن وقفوا معه في محنته عيّن أصحابه ورفاقه وجماعته في القصر وقام من حيث لا يشعر بتشليك المسار وأوّل حاجة عملها التنكّر لمن أوصلوه لكرسي قرطاج وساهم بتحطيم تجربة “الترويكا”… بن جعفر كان جالسا على كرسيين وكاد أن يرمي البلاد والعباد في متاهات الإنقلابات والخيانات.
بعد اعتصام الرحيل وخروج الترويكا كلّ من تُخوّل له نفسه المطالبة بتقييم المرحلة أو الحديث عن ارتعاش وفشل سببه قلّة الكفاءة وانعدام المعرفة بدواليب الحكم أو الحديث عن الإختراقات داخل مؤسسات الحركة… يجد طيور أبابيل ترجمه بـ”موش وقته” معركتنا هي عدم الذهاب إلى مآلات رابعة وشوفوا مصر آش صار فيها… وشوفوا التوافق العظيم أين أوصلنا…
جاءت انتخابات 2014 وسبقها التوافق ولحقها الفوت أوتيل… خيانات داخل الماكينات وخارجها ومقايضات وناس قبضت وناس باعت… وانتخابات الناس الكلّ متأكدين أنها تزوّرت… طالبنا بالتقييم لمعرفة الحقيقة قالوا “موش وقته” معركتنا هي مواجهة السكاكين الموجهة للمرزوقي (يتوهموا أنّ الخيانات فقط من خارج جماعته)…
يا ناس السفينة تخرقت من الداخل… قالوا “موش وقته” الكلام هذا… معركتنا مواجهة الأعداء ولا يكون هذا إلاّ بتأسيس “حراك شعب المواطنين”… تشكّلت الفكرة وكانت بذرة لمشروع كبير لكن كالعادة معركة بين “القدم” و”الجدد” وبين أصحاب “الحراك” و”الوافدين”… واختنقت الفكرة واختُصرت في حزب “تونس الإرادة” وهو مجرّد نسخة مرسكلة لحزب “المؤتمر من أجل الجمهورية” والنتيجة 46 قائمة انتخابية لحزب كان يتحكّم في بوّابات قصر قرطاج…
وقع الغدر بمسار العدالة الإنتقالية مع سمير ديلو ومن بعده مع يمينة الزغلامي… وضرب اعتصام اكبس والصمود من طرف لُطفي زيتون… واختفت ملفات الفاسدين من القصر بفعل فاعل (الدايمي ومنصر يتحمّلوا المسئولية)… وعاد التجمعيون وأزلامهم عبر بوابة المُصالحة الإدارية ومن شبابيك مونبليزير… وتواصلت عملية تقليم أظافر أصحاب الثورة (شباب سيدي بوزيد والقصرين والهوامش) وتجفيف منابعهم (تكميم أفواه المدوّنين أو شراءهم) وفي كلّ محطة كانت الثورة تخرج على مسارها وتنحرف على خطّ الاحتجاج والمطالبة الذي يتمحور حول استحقاقات أولاد الحفيانة (الشغل والكرامة) وكانت الدولة العميقة (في أشكالها الجديدة) تتقدّم على حساب الشعب العميق الذي فقد الثقة في المسار برمته…
أين وصلنا بمُقاربة مؤسّسة على عقل “موش وقته”؟
جوابي: أن تكون أكبر معاركنا بعد سبع سنوات في الظاهر عنوانها “العدالة الإنتقالية” وفي باطنها اسمها “سهام بن سدرين”… طبعا إلى جانب معارك أخرى كبيييرة كـ: “الميراث” و”المثليين” و”حق الابن في اختيار لقب أمّه”… و”إيمان محمد الطالبي” و”تكفير يوسف الصديق”…

شاهد أيضاً

ما بقي في ذاكرتي من أيّام قرطاج السينمائية

عايدة بن كريّم سنة 1986 فيلم Birdy للمخرج ألان باركر… أول دورة تابعتها مباشرة من ...

علاش يهرب الشباب من تونس ؟

عايدة بن كريّم هناك سؤال محيرني… علاش يهرب الشباب من تونس؟ ظاهرة الحرقة الشرعية وغير ...