الجمعة ، 17 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / أزمة التمديد للهيئة.. هل تنهي التوافق ؟

أزمة التمديد للهيئة.. هل تنهي التوافق ؟

نور الدين الختروشي

أصبح من المألوف لدى من يتابع الجلسات العامة داخل قبة البرلمان أن يستمع للمباح وغير المباح من العنف اللفضي، الذي وصل حد البذاءة في العديد من المناسبات، حتى أن بعض النواب قد أنجز نجوميته وشهرته بالبذاءة وفحش القول. ومع هذا قلَّ أن تحول العنف اللفضي إلى عنف جسدي ونبادل اللكمات على ما جرى آخر الأسبوع الماضي في جلسة الاستماع لرئيس هيئة الحقيقة والكرامة السيده سهام بن سدرين.

ورغم ما أثاره ما وقع يوم السبت من قرف وإساءة لصورة النواب، تواصل التلاسن والشجار يوم الاثنين، وانقسم المجلس إلى قطبين، يمثل الأول محور الدفاع عن مسار العدالة الانتقالية والهيئة ورئيسها، ومحور مضاد يمثل الداعين إلى إسقاط المسار بدعوى عدم أهلية الرئيس كفاءةً واستقلالية ونزاهة.
هذا الانقسام في الموقف من التمديد للهيئة لتستكمل ما تبقى من عملها وإعداد تقريرها النهائي لتسليمه إلى الرئاسات الثلاثة، أعاد إلى المشهد العام التقابل أو التناقض الخالد في مراحل ما بعد الثورات بين الجديد والقديم أو بين “القوى الثورية” والقوى “المضادة للثوره” بتسميات قاموس الثورة التقليدي.
الخلافات الحادة بين نواب الشعب حول عنوان العدالة الانتقالية واكبها سجالا عموديا بين النخب أحال على المسكوت عنه في تلك الخلافات، وهو تحديدا الموقف من الثورة وما عمدته من نظام سياسي جديد من جهة، وتدشين الحملات الانتخابية للبلديات من جهة اخرى.
كما واكب تلك المشاحنات البرلمانية سجالا أفقيا عاما في وسائل التواصل الاجتماعي، وكان مدارها إدانة واسعة لقوى الجذب للوراء، وتشنيع على الرافضين للتمديد باعتبارهم “أزلاما” ممثلة للمنظومة القديمة وحالمة بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.

ما يهمنا في هذا الصدد ليست حقيقة الموقف من العدالة الإنتقالية أو من هيئة الحقيقة والكرامة التي أنيط بعهدتها إنجازها، فحقيقة تلك المواقف معروفة منذ “حادث الأرشيف الرئاسي” في بداية العهدة الرئاسية في أكتوبر 2014.
فيومها فهم متوسط الذكاء أن النخب التي رشحها صندوق الإقتراع لإدارة البلاد منزعجة في الأدنى من العدالة الإنتقالية ومعادية لمسارها في الحد الأقصى. فلا جديد من هذه الزاوية في ما إستجد من خلاف حاد في الجلسة البرلمانية العامة المخصصة للتمديد لعمل الهيئة.
الجديد والمستجد هو التبشير المخاتل بنهاية التوافق بين النهضة والنداء بالاستناد لحدة مداخلات نواب الحزبين وما بدى من خطابهم من تصعيد لحقيقة ما “تخفيه الصدور”.
أكثر المتحمسين لاعلان موت التوافق هم الواقفون على أرضية “الخطاب الثوري” المطالب بالقطيعة الكاملة والحدية والفورية مع المنظومة القديمة من جهة، والواقفون على أرضية النظام القديم والمطالبون تصريحا لا تلميحا بعودة نصاب القمع بدعوى عدم أهليتنا للديمقراطية من جهة ثانية.
لا جديد من زاوية تحديد المواقع الصادرة عنها المواقف من ملف العدالة الإنتقالية، الجديد كل الجديد هو في التقاطع بين خطاب بعض نواب النهضة مع الخطاب الثوري، ولا جديد في منطوق نواب النداء سواء في الموقف من ملف العدالة الانتقالية أو في الموقف من المسار السياسي العام الذي أفرزته الثورة.
فالتقاطع بين خطاب “الثوريين” وخطاب بعض نواب النهضة هو المستجد الذي أغرى العديد من المتابعين والمحللين بالقول بنهاية التوافق وبداية مأزق سياسي حاد قد يعصف بالمركب وراكبيه ويفتح مستقبل البلاد على المجهول.

ما يغيب على المنحازين لفرضية نهاية التوافق أن هذا الإختراع التونسي الفريد ليس وليد اختيار ذاتي للمعنيين به بل هو ضرورة تاريخية اقتضته “الشبه ثورة” من ناحية، وضرورة سياسية فرضه النظام الإنتخابي الذي شرعت له هيئة بن عاشور بعيد الثورة من ناحية ثانية.
وقد راهن المنتصرون لخيار التوافق -وكاتب هذا المقال منهم- على أن تتحول الضرورة إلى قناعة ووعي وطني جامع يستجمع مقومات القوة الرمزية والبشرية والمادية، وصبها في مسار بناء وطني جامع، يتجاوز جراحات الماضي دون أن يقفز عليها، ويحقق الأدنى أو الأقصى من الإجماع الوطني على ضرورة تكاتف الجميع في ورشة البناء الوطني الجديد.

ما واكب التجاذبات والمناكفات حول ملف العدالة الإنتقالية، أحال على حقيقة مرة وهي أن القديم لم يستوعب الدرس التاريخي من وراء الثورة فقط، بل استغل رخوية ثورتنا وسرعة تحولها من عنوان الثورة إلى عنوان الإصلاح، ليفعّل إرادة التخريب والتقويض للمنجز التاريخي والسياسي للثورة بتجويفها والإلتفاف عليها، وبالتسويق لخطاب كارثي وترذيلي في مقاربة الموجود الإجتماعي والسياسي، والدعوة المكشوفة للعودة إلى نصاب الفساد والقمع.
لم يتحول التوافق إلى فلسفة تعمق فكرة التشاركية في إدارة الشأن العام، وبقي رهين إرادة “الشيخين”، وهذا ليس من إستثناءات الحالة التونسية، بل من شذوذها.
تونس اليوم تئن من أزمة إقتصادية واجتماعية خانقة ومنبئة بمستقبل مجهول، في ظل عجز حكومي خالد على اجتراح حلول جذرية، وعبث دائم ومستدام للنخب الجديدة/القديمة التي لم تحسن سوى تأجيج عناصر الإزمة والمزايدات الخطابية الإنشائية لأغراض سياسوية قد ترى فيها كل الهواجس والمصالح باستثناء المصلحة الوطنية.
يبدو مشهد المناكفات والصراخ والشتيمة المتبادلة بين نواب الشعب سوى فاصلا في “كتاب أسود”، كتاب عجز نخبنا الحاكمة منها والمعارضة على التصدي للتحديات الحقيقية التي تواجهنا في ظل تجربة ديمقراطية عربية وليدة وواعدة وملهمة لشعوب المنطقة، تبرز -وللأسف- في كل يوم أكثر عناصر هشاشتها وقابليتها للتحول إلى فوضى عامة قد تعصف بما كسبنا من منجز الثورة.

ومع هذا وفيه وحوله يبدو التوافق كنقطة ضوء وحيدة في عتمة عامة تخيم على تونس اليوم، ولعل لهذا إلتقى الشيخان يوم الثلاثاء 27 مارس 2018 ليعلنا للرأي العام أن بديل التوافق هو تجديد التمسك بالتوافق.
أو هكذا تأوّل فتكلم “ذاك” الحكيم وقد انتبذ من المدينة وضجيجها مكانا قصيا.

نشر في جريدة الرأي العام

شاهد أيضاً

لماذا الإرث بالذّات ؟

سامي براهم لماذا لا تعترضون على إبطال العبوديّة و تعدّد الزّوجات وقد تعلٌقت بها نصوص ...

اترك رد