الخميس ، 16 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / حرب البقايا على العدالة

حرب البقايا على العدالة

نور الدين الغيلوفي

بقايا منظومة الفساد والاستبداد لا يعرفون الحياء.. هم، في زمن الثورة، بين أمرين: التواري عن الأنظار خوفا من انتقام المظلومين وثأر المقهورين أو أن ينتفخوا مثل قطط تحاكي صولات الأسود، وفي غمرة انتفاخها تنسى “قطّيّتها” وتصدّق أنّها تحوّلت إلى أسود.. وتركب أمواج الخيال…

هؤلاء لا يستطيعون غير إحدي المنزلتين المذكورتين.. لذلك فرّوا، لماّ قامت الثورة، وتحصّنوا داخل جحورهم.. وبغيابهم من 2011 حتّى 2014 عاد للهواء نقاؤه وزال كثير من التلوّث وارتفع منسوب الأمل.. ولمّا أُذن لهم بالخروج عادوا يجرّون سيرتهم الأولى.. رجعوا بفسادهم الجِبِلّي إلى المشهد.. عاودت ذئابهم عواءها في الأنحاء.. وعاد التلوّث بعودتهم إلى البلاد وتعفّنت الأجواء وغادر بلادَنا الأملُ…
لن أذكّر بالذين أعادوهم من أولئك الذين “لخبطت” الثورة أوليوياتهم ففقدوا وجهاتهم ولم يبق لديهم سوى وجهة واحدة: أن يتخلّصوا، مرّة واحدة، من خصومهم الإيديولوجيين..
أُعيد البقايا فعاداو على ظهور البقايا.. وانتخبتهم شرائح واسعة من التونسيين على اختلاف ما بينها “من الشامي إلى المغربي” نكاية في عائلة سياسية ليست من الملائكة ولا هي من الشياطين ولا ذنب لها، في ما بات يُدعى بالنمط، سوى أنّها رأت ما لا يراه الآخرون..
أراد “الشامي والمغربي” أن يجعلوا من الأعقاب أحصنة سباق لا غير، في تكرير غبيّ لتجربة 7 نوفمبر التي هلّل لها سكّان جحور القرن التاسع عشر الإيديولوجيّة، وقد ظنّ هؤلاء أنّهم بخلاصهم من خصم الإيديولوجيا سيخلو لهم الجوّ ليبيضوا ويفرّخوا.. ونسوا، لدى بيعتهم الشهيرة عند الروز والفاكية، كرّة المخلوع عليهم أوّلَ مرّة، فبعد أن سايرهم واستعملهم لتثبيت حكمه رفس المعاندين منهم وركب الخانعين.. وما كان أكثر الخانعين بينهم.. وبهم وحدهم طال عمر النظام البائد…

اليوم يعيد هؤلاء الملدوغون من جحرهم القديم أبناءَ منظومة المخلوع التي تبقى أقرب إليهم من “الخوانجية” في لحظة وعي شقيّ لا قِبل للعقلاء به.. وحتّى يعبّروا عن تذاكيهم فقد عملوا على إعادة الانتشار وفي حسبانهم سدّ جحرهم الذي لُدغوا منه قديما.. فكان أن توزّعوا على:
1. أقصى الجهة اليسرى من أولئك الذين لا يعجبهم طلوع الشمس من مشرقها..
2. أقصى الجهة اليمنى داخل جبّة البورقيبيّ الأخير.
3. أقصى من الأقصى يمينا.
4. أقصى من الأقصى يسارا.

اليوم تشتدّ المعركة ضدّ أبناء القديمة (والعبارة للروائي الكبير حنّا مينة) في انتفاضتهم الأخيرة على مسار العدالة الانتقالية الذي أنقذهم من المحاكمات وقد قبل بهم أنصار الثورة جزءا من معادلة جديدة قامت، في حقيقة الأمر، على أنقاضهم..
لقد بيّن هؤلاء، عند وَقْعة سهام بن سدرين، فساد جِبِلّتهم ورداءة مَحْتِدِهِمْ وخسّة تفكيرهم وبراءة العقل منهم، حين ظهروا في حركة استعراضية سمجة يخوضون حربا قذرة على البلاد وثورتها وعلى مسار رصين حظينا بفضله باحترام شعوب العالم من حولنا…
فهل بقيت لهؤلاء وجوه حتّى يخاطبوا التونسيين بلغتهم بعد غزوتهم الخائبة؟ أما كان أحرى أن يختفيَ هؤلاء حينا من الدهر حتّى تتجاوز البلاد جراحها الغائرة التي تسببت فيها خناجرهم المسمومة؟
أسئلة للعقلاء.. ولن تُعْدَم بلادُنا عقلًا…

شاهد أيضاً

غرامشي..

محمد ضيف الله غرامشي (Antonio Gramsci) لم يكن معروفا بين الماركسيين عندنا حتى الثمانينات شأنه ...

اترك رد