الأحد , 18 نوفمبر 2018
الرئيسية / تدوينات تونسية / العدالة الانتقالية كانت مطلب من أجرم في حق الشعب

العدالة الانتقالية كانت مطلب من أجرم في حق الشعب

زهير إسماعيل
العدالة الانتقاليّة كانت مطلب من أجرم في حق الشعب من المهزومين أمام انتفاض الحشود المفقّرة.
وكانت العدالة الانتقاليّة أساسا للمصالحة عند من تربّوا على ثقافة حقوق الإنسان، والراغبين في ائتلاف واسع يداوي الجراح القديمة الغائرة ويكون أرضيّة للانطلاق في بناء تونس وإصلاح ما أفسده الاستبداد. ولا يخفى، بين هذا وذاك، ما شاب بناء القانون من عراقيل وتأخير، ومن تدخلات خارجية، ومن تنازلات مخلّة من قبل من استُؤمن على المهمّة… حتى وصلنا إلى صيغته النهائية… كما لا تخفى مسيرة الهيئة، وما شهدته من توترات.
ولكنّ من كان مرباه العسف وأخلاق العبوديّة لا يمكن أن يجد في الإحسان قيداً، وفي مصلحة الوطن مرجعيّةً، لذلك اجتهدوا “مع عودتهم” إلى تعطيل مسار العدالة الانتقاليّة، وهم اليوم أكثر إصرارا على إنهائه. ولكن لا شيء يضمن ألاّ ينفتح وأد العدالة الانتقاليّة، في يوم من الأيّام، على “عدالة ثوريّة”، لا ينفع، إِنْ قامت، أن تُنعت بكونها “عدالة انتقاميّة”… العدالة قد تتأخّر ولكنّها لا تتخلّف أبدا… راني مازلت متشائم!!!
العدالة الانتقاليّة آلية أتاحها سقف الحرية المعمّدة بدماء الشهداء لكشف الحقيقة عن ستة عقود من الاضطهاد الفكري والتنكيل السياسي والتفقير الاجتماعي والتمييز الجهوي.
سياسة مارستها الدولة الغنائميّة وريثة المستعمر المسماة وطنية ضد كل دعاة الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة والشغالين وحق التنظم، من نقابيين ويوسفيين وماركسيين وقوميين وإسلاميين ومثقفين وفنانين وأحرار غير منتمين أبوا الظلم ووقفوا في وجهه.
مفهومٌ عداء من أجرموا في حق الشعب وحريته وقوته كلّ تلك العقود لمسار العدالة الانتقاليّة، وقد زلزلتهم ليلة الاستماع الأولى زلزالا شديدا، غير أنّٰ كثيرا من التافهين والمؤدلجين، ومنهم من كان من ضحايا الاستبداد، لا ينظرون إلى مبدأ العدالة الانتقاليّة ومسارها إلاّ من زاوية عدائهم المرضي للإسلاميين، وكأنّهم هم المعني الوحيد بهذا المسار، أو من زاوية كرههم النوفمبري لرئيسة الهيئة، وحسدهم إيّاها على “رجوليتها السياسية” ونضالها ضد استبداد بن علي الذي أذاها في قوتها وأهلها وعرِضها، مقابل طأطأتهم الرؤوس، ورضاهم بالخبزة المغموسة في الذلّ والكرامة المهدورة. 
لقد نجحت سياسة ستين عاما في تقسيم هذا الشعب وهرسلته وفصْم شخصيته وشرذمة قواه حتى عشنا “الطائفية السياسية” في أكمل صورها في مجتمع خال من الطوائف.
العدالة الانتقاليّة، بداية جديدة تقوم على كشف الحقيقة وردّ الحقوق والمصالحة من أجل الشروع، جميعا وبروح متوهجة، في بناء تونس الجديدة المواطنيّة الاجتماعية السيّدة.
أعداء مبدأ العدالة الانتقاليّة ومناهضو مسارها الانتقالي هم أعداء الحرية والثورة وبناء الديمقراطيّة، هم رموز منظومة التعذيب والدولة الأمنية الجهويّة وسياسة الحڤرة والإذلال الاجتماعي.

شاهد أيضاً

غزة، الأرض المحرّرة من المجال العربي المحتل

زهير إسماعيل ملابسات الانقسام الفلسطيني معلومة منذ 2006، عندما فازت حركة حماس بانتخابات المجلس الوطني ...

هزيمة الباجي… مرور الشاهد وتواصل الأزمة

زهير إسماعيل يمثّٰل التحوير الوزاري الأخير خاتمة لمرحلة أولى انطلقت مع نتائج انتخابات 2014، وهي ...