الخميس ، 16 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / المساواة في الميراث بين الجنسين: رهان حقيقي أم تلهية (2) ؟

المساواة في الميراث بين الجنسين: رهان حقيقي أم تلهية (2) ؟

عادل بن عبد الله

كنا قد أنهينا الجزء الأول من المقال بطرح جملة من الإشكاليات التي وعدنا بمقاربتها في هذا الجزء الثاني. وهي إشكاليات يمكن ربطها مبدئيا بثلاثة فاعلين رئيسيين في المجال العام: النواة الصلبة للمنظومة الحاكمة منذ الاستقلال (وهي نواة مالية- جهوية- أمنية معروفة)، والقوى اليسارية المنتمية أساسا إلى العائلة الوطنية الديمقراطية وإلى حزب العمال وبعض القوى البعثية، والإسلام السياسي ممثلا في حركة النهضة، وبصورة أقل بحزب التحرير وببعض الخطابات السلفية “العلمية”.

لو أردنا استعارة نظام التسمية الذي اعتمده عالم الاجتماع البولندي الأصل “زيجمونت باومان”، لقلنا إنّ قضية المساواة في الميراث بين الجنسين وغيرها من المبادرات التشريعية التي تحولت إلى قوانين نافذة أو ما زالت تنتظر؛ ما هي في جوهرها إلا مظهر من مظاهر الصراع التاريخي بين اليسار والإسلام السياسي، لكنه صراع يختلف عن لحظاته السابقة اختلافا جذريا؛ لأنه يعكس تحوّل هاتين الأيديولوجيتين بعد الثورة إلى مرحلة “السيولة”، وارتدادهما بصورة نسقية عن مرحلة “الصلابة” التي ميزت مرحلة النضال ضد الدولة في مرحلتيها الدستورية والتجمعية. إننا بعد الثورة في حضرة “أيديولوجيات سائلة” يمكن أن نسمّيها فيما يتعلق بحركة النهضة بـ”الإسلام السياسي السائل”، ويمكن تسميتها فيما يتعلق بالقوى اليسارية بـ”اليسار السائل”، بل يمكننا أن نضيف إليهما “البورقيبية السائلة” التي تُعبر عنها “البورقيبية الجديدة” بزعامة الرئيس الباجي قائد السبسي.

لقد فرضت الثورة على أغلب القوى اليسارية وعلى حركة النهضة تغيرا جذريا في العلاقة بالدولة-الأمة، وبالأيديولوجيا التأسيسية للإسلام السياسي وللعائلات اليسارية على حد سواء، وهو ما يعني أننا أمام فاعلين سياسيين انخفض سقف طموحهم من مستوى البدائل المطلقة (طوبى الشيوعية والأممية أو طوبى الخلافة والشريعة) إلى مستوى الشراكة ضمن الدولة-الأمة باعتبارها السقف الأعلى للفعل السياسي “الحزبي”. لكنّ لفظ “الشراكة”، رغم شحنته الإيجابية الظاهرة، يعكس جزءا كبيرا من أزمة العقل السياسي التونسي عند مختلف العائلات الأيديولوجية. ويمكننا أن نوضح المسألة بصورة أفضل لو طرحنا السؤال التالي: لقد قبل أغلب اليساريين ومعهم حركة النهضة مبدأ “الشراكة” (أي تجنب المنطق الانقلابي وعدم الانفراد بإدارة الشأن العام مهما كانت التسويغات الثورية أو الشرعية للقيام بذلك). لكن من هو الطرف أو الأطراف التي قبلوا بالشراكة معها؟ وما هي شروط تلك الشراكة؟ وضمن أية سردية كبرى من السرديات المتصارعة على منزلة “الخطاب الكبير” أو الخطاب المرجعي لسائر الخطابات الساعية إلى المساهمة في بناء “الجمهورية الثانية”؟

بصرف النظر عن المزايدات الأيديولوجية والادعاءات الطهورية (الموجهة أساسا للاستهلاك الداخلي وللرد على الخصوم/ المنافسين من داخل النسق المرجعي أو التنظيم الحزبي ذاته)، فإن الحقيقة الثابتة هي انفصال الخطاب السياسي لدى أغلب القوى اليسارية ولدى حركة النهضة بعد الثورة عن “المشروع” الإيديولوجي الأصلي (أو عن علة الوجود الأصلية). فلم يعد الإسلامي مشغولا بأسلمة المجتمع ولا حتى بأخلقته، كما لم يعد هذا الإسلامي مرتبطا ببعد “رسالي” إسلامي؛ بقدر ارتباطه ببعد “توافقي” وطني يجد “شريكه” في العائلة “الدستورية”، وبالتحديد في حركة نداء تونس. كما لم يعد اليساري مشغولا بالمسألة الاقتصادية وبمواجهة “البرجوازية” و”الكمبرادور”؛ بقدر انشغاله بمسائل ثقافية هوياتية كان يتقاطع فيها موضوعيا مع النواة الصلبة للمنظومة الحاكمة قبل الثورة، وتحديدا مع واجهتها الأهم في نداء تونس ذاته. وهو ما يعني أنّ “الشراكة” بالنسبة للإسلامي لا تُطرح على أساس “شرعي”، كما أنها بالنسبة لليساري لم تعد تُطرح على أساس طبقي أو اقتصادي، بقدر ما أصبحت شراكة “ثقافية” ترتبط بما يُعرف بـ”النمط المجتمعي التونسي”.

لقد أثبتت الثورة التونسية (وما أثارته نخبها من إشكاليات وما اقترحته من حلول) أننا نحتاج إلى إضافة ثلاثة مصطلحات على الأقل؛ لـ”مجموعة السوائل” التي أفرد لها زيجمونت باومان ثمانية مصنفات (الحداثة، الحياة، الحب، الأخلاق، الأزمنة، الخوف، المراقبة، الشر)، وهذه المصطلحات هي: “الإسلام السياسي السائل” و”اليسار السائل” و”البورقيبية السائلة”. إنها مصطلحات تعبّر عن “سيولة” الهويات الجماعية وتغيراتها المستمرة رغم وهم الثبات والوفاء للأصول الحقيقية أو المتخيلة. وإذا كانت مرحلة “الإسلام السياسي الصلب” أو “اليسار الصلب” هي مرحلة التصادم مع الدولة وأولوية الثوري على الإصلاحي والطوبى على الواقع، فإن مرحلتيهما السائلة هي مرحلة التصالح مع الدولة (أي مع البورقيبية في لحظتيها الدستورية والتجمعية)، والقبول الطوعي بدور وظيفي تابع للنواة الصلبة للمنظومة الحاكمة.

يمكننا القول إن قضية المساواة في الميراث بين الجنسين، وغيرها من القضايا المعمّقة للانقسام الاجتماعي على أساس هوياتي، والخادمة موضوعيا لمصالح النواة الصلبة للمنظومة الحاكمة وشبكاتها الزبونية باعتبارها آلية إلهاء عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة ببنية السلطة وتوزيع الثروة، هي قضايا “حقيقية”، بل قضايا جوهرية، لكن من منظور “الخطاب الكبير” المهيمن على الخطابات كلها يمينا ويسارا: أي خطاب البورقيبية الجديدة بزعامة رئيس الجمهورية. فبعد أن قبل اليساريون والنهضويون، على حد سواء، بمبدأ الشراكة مع ورثة التجمع المنحل، وبعد أن قبلوا بمبدأ العمل داخل الدولة (لا على هامشها أو ضدها)، لكن العمل تحت حماية/ وصاية “الأخ الأكبر” ذاته (أي نداء تونس وريث التجمع وواجهة المنظومة الحاكمة)، كان من الطبيعي أن توظفهما “البورقيبية الجديدة” لتحقيق “مشروعها” الخاص، وهو مشروع لا يمكنه أن يتحرك خارج المربع الثقافي الهوياتي، كما لا يتجاوز سقف طموحه الأقصى إعادة التوازن للمنظومة التجمعية وطمأنة أسيادها في مراكز القرار الدولي.

وبصرف النظر عن تقاطع هذا المشروع مع الخطاب الحقوقي اليساري، وبصرف النظر عن تفهم النهضة في لحظتها “التوافقية” لهذا المشروع “المجتمعي”، فإن الحقيقة هي أن “اليسار السائل” و”الإسلام السياسي السائل” يخدمان مشروع “البورقيبية السائلة” باعتبارها نواة المنظومة الحاكمة والطرف الأكثر مقبولية وموثوقية عند “الشركاء” الإقليميين والدوليين. ولكنّ الميزة الأهم “للبورقيبية السائلة” هي قدرتها على إخضاع سائر خصومها وتوظيفهم “طوعيا” في خدمة مشروعها الخاص. ولا شك في أنّ مشروع المساواة في الميراث بين الجنسين، مثله في ذلك كمثل سائر المشاريع المعمقة للانقسام الاجتماعي على أساس هووي، يعكس قوة “البورقيبية السائلة” (ومن يقف وراءها في المركّب الجهوي-المالي-الأمني)، على استثمار التناقضات الأيديولوجية بين اليساريين والإسلاميين من جهة أولى، واستثمار قبولهما معا، من جهة ثانية، بمبدأ الشراكة معه، وتوظيف ذلك كله من أجل تكريس بنية معينة للسلطة والثروة تحميها أسطورة تأسيسية كبرى هي “النمط المجتمعي التونسي”. وهي أسطورة توليدية سنحاول في مقالات لاحقة، إن شاء الله، الاشتغال عليها وتفكيكها وبيان طبيعة أدوارها، قبل الثورة وبعدها.
“عربي21”

شاهد أيضاً

السبسي خيانة مؤتمن دستورية وخلقية

أبو يعرب المرزوقي لما انتخب السيد قائد السبسي -وكان اقل الشرين- اعتبرت عهده قد بدأ ...

اترك رد