الأربعاء ، 19 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / مقالات / مغالطات… لإعادة إرساء الحكم الفردي

مغالطات… لإعادة إرساء الحكم الفردي

أنور القوصري

بالرسمي… تغيير النظام الانتخابي..
هجمة إعلامية موجهة… ومغالطات… لإعادة إرساء الحكم الفردي…
نظام الاقتراع حجر الزاوية في النظام السياسي… لأنه هو الذي يفرز الأغلبيات والأقليات… والسلطة الحاكمة…

أعلن السبسي عن خطة لتغيير النظام الانتخابي الحالي النسبي على القوئم مع أكبر البقايا… الذي يضمن التمثيل النسبي للناخبين ولا يقصي أي جزء مهم منهم، من التمثيل في مؤسسات الدولة المنتخبة، وتمكين الأحزاب المتوسطة وحتى البعض من الصغيرة من التواجد في تلك المؤسسات المنتخبة بما أنها تمثل تعبيرة من التعبيرات السياسية التي يرتاح لها وتتوافق مع تطلعات جزء من المواطنين…
وزيادة على ذلك فان هذا النظام وعلى نقيض ما يروجونه، هو الذي أكثر من غيره يترك الباب مفتوحا للمستقلين الذين لا تتوفر لديهم ماكينة انتخابية مثل الأحزاب لإمكانية الفوز…
وهذا حصل في تونس بمناسبة انتخاب المجلس التأسيسي والمجلس التشريعي الحالي…

هم يريدون تغيير هذا النظام الانتخابي الديمقراطي إلي نظام التصويت على الأفراد في دورتين… ويقدمون للرأي العام تعلات تضليلية وديماغوجية مستعملين بعض الأساتذة في القانون الدستوري… في إطار حملة إعلامية للضغط على الرأي العام، وقد سقط الكثير في شركهم… حسبما أقرأه يوميا في تدويناتهم…
ولذلك يجب الوقوف على هذه المغالطات… مع التذكير بأن اختيار نظام إنتخابي هو تكتيك سياسي لا غير… تطرحه دائما الأحزاب التي لها أغلبية نسبية لا غير… وتريد أن تحولها بدون وجه حق إلي أغلبية مطلقة في المجالس المنتخبة عن طريق النظام الإنتخابي الأغلبي على دورة واحدة (مثل بريطانيا) أو دورتين (مثل فرنسا)…
ولكنه موقف ديمقراطي مبدئي بالنسبة للأحزاب والفعاليات السياسية الذين يتمسكون بالنظام النسبي… فهم يحترمون إرادة مختلف مكونات الشعب، حتى أولائك الذين يختلفون معهم، عن طريق انتخاب ممثلين لهم في الهياكل المنتخبة… الذي لن يكون إلا بواسطة النظام النسبي…
الجميع يعلم أن في هذه المسألة تكون دائما العبرة بالنتائج… وليس بالتنظير السفسطائي… والمغالطات… وحتى الكذب كما سمعته من بعضهم… لغرض في نفس يعقوب…
المغالطات بالجملة… والحال أن النظام الانتخابي موضوع علمي تجريبي… بخواتمه ونتائجه… وليس بالتنظير الدغمائي…

من ذلك مثلا:
قالوا ان التصويت على الأفراد في دورتين يمكن الشخصيات المعروفة في مناطقها من تمثيل المواطنين في تلك المناطق… لأنهم يعرفونهم وهم يعرفون مشاغلهم ومطالبهم…
هذه خرافة سببها جهل بالواقع الإنتخابي في البلدان الديمقراطية… أو علم بها مع ترويجها عن سوء نية…
فكل مواطن اليوم، يهمه الموضوع القدرة على أن يطلع على نتائج الإنتخابات في الدول الديمقراطية التي نظامها التصويت الأغلبي على الأفراد في دورتين… مثل فرنسا مثلا… (عن طريق قوقل أو غيره)..

سيكتشف المفارقة الواقعية العجيبة بين الحقيقة وما يروجونه صلفا أو جهلا… المتمثلة في أن التصويت على الأفراد هو تصويت للأحزاب دون سواهم… ولا للأفراد مطلقا…
سيكتشفون أنه لا ينجح في النظام الأغلبي على الأفراد في دورة أو دورتين… سوى الأفراد الذين تسندهم الماكينات الانتخابية للأحزاب الكبيرة… أما بتقديمهم أو بمساندتهم…حتى لو كانوا نكرات في محيطهم الانتخابي…
وتفشل دائما الشخصيات الجهوية المترشحة من خارج الأحزاب أو غير المساندة من ماكيناتها الانتخابية… ولو كانوا شخصيات معتبرة جدا جدا في دائرتهم الانتخابية…
ومن يعرفون هذا بالضرورة… خصوصا الجامعيين المحمولين على النزاهة والعلمية والخبرة… ولكنهم يدافعون على هذا النظام… ينافقون الشعب… حتى أبقى في حدود اللياقة…
في الإنتخابات الفرنسية الأخيرة التي هي على الأفراد على دورتين… وقبلها في انتخابات بريطانيا التي هي على الأفراد في دورة واحدة… لم تنجح أية شخصية جهوية لم يقدمها أو ساندها حزب… سقطوا جميعا أمام مترشحين نكرات في دائراتهم الإنتخابية الصغيرة… قدمها مثلا في فرنسا حزب ماكرون الذي تكون بضعة أشهر قبل الانتخابات… وكان الأول بنسبة تصويت لم تصل لثلاثين في المائة في الدور الأول… ولكنه تحصل بعد الدور الثاني على أكثر من 300 نائب من جملة 577…!!!

هذا يبين أن التجربة التونسية بعد الثورة… بالتصويت على القوائم مع أكبر البقايا… متقدمة ديمقراطيا كثيرا… (وهي من مكاسب الثورة ويجب أن نعتز بذلك)… متقدمة فيما يتعلق بحسن التمثيلية الشعبية… والشعب صاحب السيادة دون سواه… على التجارب البريطانية أو الفرنسية التي فرضها العسكري الجنرال ديقول الذي أسس شبه حكم فردي للرئيس وجعل النواب (godillots) في جمهوريته الخامسة… وهي متواصلة لحد الآن… رغم مطالبة العديد من القوى الديمقراطية والتقدمية الفرنسية بضرورة المرور للجمهورية السادسة… المؤسسة على المزيد من الديمقراطية والنظام الانتخابي النسبي…
ولا يجب أن ننسى أن تونس تقدمت تاريخيا وحضاريا على فرنسا في عديد المجالات مثل منع الرق، وحق الزوجة في الطلاق مساواة مع الزوج وحقها في موانع الحمل وحقها في الإجهاض، وبعد الثورة إضافة للنظام النسبي وجوب التناصف العمودي، ثم الأفقي…الخ..  بمعنى أن عليها أن تأخذ المثل منا ولا ان نأخذ المثل مما هي متخلفة عنا فيه كما يفعل جماعة السبسي…
التجربة التونسية الجديدة الرائدة… يا أكارم… هي التي مكنت الشعب، صاحب السيادة، من التمثيلية حسب ما يريده، ففوض عنه مختلف الأحزاب والمستقلين حسبما أراد…
وهي التي بنظامها الانتخابي فتحت الباب للمترشحين من خارج الأحزاب للفوز… والدليل على ذلك عدد القوائم المستقلة المترشحة في كل انتخابات… وعدد الفائزين منها بمقاعد في المجلس التأسيسي ومجلس النواب… خلافا لما يحصل في النظام الإنتخابي الأغلبي على الأفراد بدورتين…

وهذا مفهوم… لأن مجموعة مستقلين في قائمة مع بعضهم ولكن بدون ماكينة إنتخابية لهم مع بعضهم إمكانية تجميع مختلف مناصريهم لفائدة القائمة… لتمرير رئيس القائمة… (فليس مع فليس يعملوا كديس كما يقول المثل التونسي)… وهذا ما حصل بعد الثورة…
(يتبع فيما يتعلق ببقية المغالطات وخلفياتها)..

شاهد أيضاً

من “مأسسة الثورة” إلى “استمرارية الدولة”

عادل بن عبد الله تصدير: “العقد القادم هو عقد التونسي… تَونسة العرب” (الدكتور عزمي بشارة، ...

اترك رد