الجمعة ، 21 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / بورقيبة قسّمنا حيّا وميّتا

بورقيبة قسّمنا حيّا وميّتا

صالح التيزاوي

تأتي ذكرى “الإستقلال” هذا العام لتعيد إلى الأذهان تلك الخلافات العميقة التي رافقت التّوقيع على وثيقة الإستقلال الدّاخلي وما أعقبها من صراعات مريرة بين شق يقوده بورقيبة مرتبط صراحة ومباشرة بالإحتلال الفرنسي وشقّ وطني مرتبط صراحة بعروبة تونس وإسلامها ومحيطها الجغرافي وانتمائها الحضاري.

يعزّز هذه القناعة ليس مجرّد الوثيقة التي أعلنتها هيئة الحقيقة والكرامة وإنّما أحداث التّاريخ حيث استبدل بورقيبة منطق الحوار مع خصومه بمنطق العنف والبطش إلى حدّ التّنكيل لفرض وجهة نظره في مسألة الإستقلال الدّاخلي ثمّ بناء الدّولة.
بورقيبة باختياره نهج العنف والولاء للإستعمار أثار مشاعر الكراهيّة بين التّونسيين حتّى كادت تتحوّل إلى مزاج عام لدينا ولم نستطع التّخلّص من بذور الكراهيّة والإنقسام اللّذين زرعهما بورقيبة. فمن المنتفع من ذلك كلّه؟ لا شكّ أنّ القوى الإستعماريّة التي عملت على تفتيت الجبهة الدّاخليّة وخلق الإنقسامات التي تعمّقت مبكّرا باغتيال صالح بن يوسف وبالدّعم غير
المحدود للحكّام المستبدّين هي المستفيد الأوّل ثمّ أذيالها ثانيا.

تأتي ذكرى “الإستقلال” هذا العام وقد بات شعبنا مقتنعا أكثر من أيّ وقت مضى أنّ ما قدّمه بورقيبة وجماعته على أنّه “استقلال” كان مجرّد وهم الغرض منه التّسلّل إلى قلوب التّونسيين وإحكام السّيطرة على القرار السّيادي الوطني. يعود الفضل في هذا الشّعور الجارف إلى “الوثيقة الحدث” التي أعلنتها “هيئة الحقيقة والكرامة”. ولكن من جديد نفس الأيدي الخبيثة تمتدّّ كما في كلّ مرّة لمنع أيّة خطوة باتّجاه استعادة الكرامة وباستعادة سيادة الوطن على ثرواته. وذلك عبر التّقليل من شأن الوثيقة إمّابالصّمت المطبق والإهمال والإعراض أو باستدعاء مؤرّخين حادوا عن النّزاهة والموضوعيّة، إحباطا للهيئة، وللثّورة، واستئنافا لرعاية مصالح فرنسا.

تأتي ذكرى “الإستقلال” هذا العام وسط شعور بالحزن والمرارة لما دفعه الشّعب اجيالا وراء أجيال من تضحيات كلّفته الإغتيالات والسّجون والفقر (رغم وجود الثّروات)، والإنحطاط وتعطيل الحياة السّياسيّة النّشطة. تكاليف باهظة دفعها الشّعب التّونسي (أحزابا وطلبة ومنظّمات وشخصيّات مستقلّة) لكونهم رفضوا السّكوت على استبداد بورقيبة. فكيف يريدون منّا السّكوت مرّة أخرى بعد الثّورة المجيدة ؟ وهل كان من اللازم على تونس أن تدفع تلك التّضحيات وراء التّضحيات والعذابات وراء العذابات ثمنا لاستبداد بورقيبة وسعيه إلى فرض وجهة نظره بقانون القوّة والغلبة؟

شاهد أيضاً

الخارج في الداخل .. المؤامرة أقل من ذلك

سفيان العلوي لا تخضع قراءة تأثير الخارج في الداخل فقط إلى التقدير الموضوعي الجيوسياسي بل ...

اترك رد