الخميس ، 16 أغسطس 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / عنصريّة لا حدود لها

عنصريّة لا حدود لها

صالح التيزاوي

أقدمت بريطانيا على طرد ثلاثة وعشرين ديبلوماسيّا روسيّا على خلفية استخدام غاز الأعصاب في تسميم العميل الرّوسي وابنته وتضامنت معها ثلاث دول كبرى (ألمانيا، فرنسا، أمريكا) من باب “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. واعتبروا ما أقدمت عليه روسيا انتهاكا لسيادة بريطانيا. لم يكتفوا بذلك بل حوّلوا القضيّة إلى مجلس الأمن.

لم نر من هذه الدّول نفس الحماس لإيقاف المذابح والمجازر التي يرتكبها بوتين بحقّ أطفال سوريا ولم نر منهم غضبا لاستخدام الأسلحة الكيمياويّة المحظورة التي وضعها بوتين بين يدي بشّار ليجرّبها في شعبه. هل باتت محاولة قتل عميل روسيّ مسألة في غاية الخطر وأمّا إبادة شعب بأسره فمسألة فيها نظر؟ بريطانيا هذه الأيّام تنتفض انتقاما لسيادتها التي انتهكها بوتين وتحشد الرّأي العامّ الدّولي ضدّه ولكنّها لا تستحي عندما تبيع السّعوديّة أسلحة فتّاكة لتنتهك سيادة اليمن وتقتل أطفاله. بريطانيا تقرّر طرد ثلاثة وعشرين ديبلوماسيّا روسيّا وتعتبرهم غير مرغوب في بقائهم على أراضيها وفي ذات الوقت تستقبل “محمّد بن سلمان” الذي ارتكب جرائم بحقّ الآلاف من شعبه ومن شعب اليمن.. هل هي شهوة المال؟ أم هي عنصريّة الرّجل الابيض وعنصريّة حضارة ينكشف نفاقها ويتكشّف زيف شعاراتها الحقوقيّة والإنسانيّة يوما بعد يوم؟ بريطانيا الثّائرة لأجل سيادتها هي التي انتهكت سيادة دولة العراق المستقلّة لمجرّد شبهة وكذبة اختلقها الأمريكان، وأعلنت حربا ظالمة أفضت إلى الإطاحة بالنّظام وتدمير دولة كانت على مشارف أن تكون متقدّمة، وقتّلت من شعب العراق ما قتّلت وجعلت أهله شيعا إكراما لـ”جورج بوش”. فهل ثمّة فرق بين سيادة وأخرى؟ أم هي عنجعيّة الرّجل الأبيض؟ ومن قبل انتهكت بريطانيا سيادة أمةّ بحالها بوعدها المشؤوم “وعد من لا يملك لمن لا يستحقّ”، مازال الشّعب الفلسطيني يعاني من آثاره المدمّرة حيث شرّده الصّهاينة إلى الشّتات ومن تمسّك بالبقاء فقد حوّله الغزاة إلى لاجئ في وطنه وسط تهويد للمقدّسات ومسخ اجتماعي وحضاري، كما لم يحدث لشعب من قبل.

إن كان قتل جاسوس أمر بشع فإنّ اقتلاع شعب من أرضه أبشع وأفظع… ومن لا يقبل بانتهاك سيادته فليس له الحقّ في انتهاك سيادة غيره… وعكس هذا فهو العنصريّة ولا شيء غيرها.

شاهد أيضاً

غرامشي..

محمد ضيف الله غرامشي (Antonio Gramsci) لم يكن معروفا بين الماركسيين عندنا حتى الثمانينات شأنه ...

اترك رد