الجمعة ، 21 سبتمبر 2018
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / لحظات … مع ثرثرة جورجيت …

لحظات … مع ثرثرة جورجيت …

بشير العبيدي

#رقصةُ_اليراع

اِشتغلتُ بوماً في مقرّ البنك الفلاحي الفرنسي، في ضاحية مونروج جنوبي باريس. ولما حان وقتُ الطعامِ، خرجتُ أتغدى في مطعم مجاورٍ، فوجدتُهُ مكتظا بالنّاسِ ولا يوجدُ من الأماكن الشّاغرةِ غير مقعدينِ بجانبِ عجوزٍ طاعنة في السّنّ، وقَدْ كُتِبَ على ورقة فوق المنضدة “محجوز”. هممتُ بالخروجِ فإذا بصوتِ العجوز تناديني : سيّدي، لكم أن تجلسوا، قد كُنتُ حجزتُ هذين المقعدين وإنّني ألغي الحجزَ!، تعالوا ! تفضلوا بالجلوس!”. تردّدتُ هونًا ما، فأردفتْ : لكم التفضل سيدي، فما ألغيتُ الحجز بسببكم، اطمئنوا !!”…

جلستُ .. فإذا بالعجوز التسعينية تحدّقُ النظر تجاهي، بعينيها الزرقاوين قبل أن تضيف :”أنفعُ أن تتغدوا وتغدون لعملكم من أن تظلّ المقاعد شاغرةً في انتظار لئيمين لم يأتيا ! لقد أكدا لي مرارا أنهما يتغديان اليوم هنا معي، وقد فاتت ساعة عن الموعد ولا أثر لهما… إنه حفيد أختي، قال لي سأقدم لك خطيبتي الجديدة، فما جاء هو ولا خطيبته… كان عليه أن يعتذر على الأقل، لم أكن بحاجة أن أتعب بلا فائدة، ههه خطيبته الجديدة؟ لعلها اكتشفت حقيقته قبل الوصول إلى المطعم هَهْ هَهْ هَهْ ! وهل هذه إلا الرابعة أو الخامسة ؟! هَهْ هَهْ هَهْ ! يغير البنات كما يغير أحذيته “…

جاءني النادل بما طلبتُ من طعام، ووضعه بكل رفق وتجمّل أمامي، ثم انصرف، وتابعت العجوزُ بكلّ فضول : أنت تسكن في هذا الحيّ؟ قلتُ : لا سيّدتي، بل أسكن في حيٍّ آخر. فتساءلتْ كالمستخبرة : آه … خلتكم من هنا. لطفاً. أكيد جئتم لأجلِ عملٍ؟ قلتُ : هو ذاك. قالتْ وما عملكم؟ قلتُ : مهندسٌ معلوماتية. قالت : جميل. على الأقل تفهم في هذه الأجهزة التي ملأت عالمنا، أنا لا أعرف سوى استخدام هاتف منزلي. لكني نسيت كيف أطلب آخر رقم متصل… زوجي كان يعرف استخدام الحاسوب لكنه مات وتركني وحدي. قلتُ : ألكِ أولاد؟ قالت : لا ما أنجبتُ أولادًا … أنا باريسية عريقة وزوجي رفض الإنجاب .. آه .. ليتني ما سمعت كلامه ! الآن وقد بلغ عمري الثالثة والتسعين وأعيش وحدي، إنى أختلفُ للغداء هنا في هذا المطعم … كي أجدَ من أحادثه من الزبائن !!! هَهْ أرجو ألا تنزعجوا من كلامي سيدي … لعلكم تقولون جورجيت هذه عجوز خرقاء ؟؟ !!!

قلتُ : لا أبدًا سيدتي، على راحتك. قالتْ : كم عمر أمّك؟ قلتُ ستلتحق بسنك قريبا! قالتْ : تسكنُ وحدها؟ قلتُ لا ! هي في بلد اسمه تونس. قالت : أين يوجد هذا البلد؟ قلتُ : يوجد حذو القطب الجنوبي، يوازن بثقله شطر الكرة الأرضية الجنوبي… قالتْ : عذرًا، فقد ذهبتْ ذاكرتي ! أفيها كثير من السكان تونس هذه؟ قلتُ : أقلّ بقليل من سكان الصين، لكن العدد كان كافيا لعمل ثورة… قالت : بلدكم فيه ثورة؟؟ قلتُ : تونس تعيش ثورة وهي امبراطورية تحاول الانبعاث من الرماد… قالت : حقا العالم يتغير وأنا لا خبر لي عنه ههههه … لم أعد أعرفُ ماذا يجري في هذا العالم، خرفت !!!

ثمّ جاءها النادل بكأس من الخمر الذهبي، فارتشفت بيد مرتعشة وتذوّقت وتلذّذتْ … ثم نظرت إلي بعينين زرقاوين جاحظتين وقالتْ : ألا تتذوقون شيئا من الخمر؟ أنا أستضيفكم لو شئتم !!! قلتُ : لا، سيدتي، أمّي أوصتني ألا أشرب خمرةً قطُّ… فضحكت حتى بان ما خفي من حال أسنانها وقالتْ : يا للروعة ! رجل في سنكم يسمع كلام أمّه، هذا أمر غاية في الطرافة ! هَهْ هَهْ هَهْ !

واصلتْ جورجيت ثرثرتها بكل أريحية، حتى أكملتُ طعامي، ودّعتها بحرارة وعدتُ لعملي مسرعًا … بعد أن عشتُ لحظاتٍ نمطية من أحاديث الشعب الفرنسي الذي يعيش في عالم على حدة، كما تعيش جورجيت، العجوز الباريسية الشقراء…

من كتاب : خواطر الأنفاق وبشائر الآفاق

باريس – جمادى الأولى 1439
كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا

شاهد أيضاً

الخارج في الداخل .. المؤامرة أقل من ذلك

سفيان العلوي لا تخضع قراءة تأثير الخارج في الداخل فقط إلى التقدير الموضوعي الجيوسياسي بل ...

اترك رد